ما بين زيارتيْ بوتين وترامب إلى الصين!

“المدارنت”
زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين التي انتهت أمس، تختلف بالمطلق من حيث جدول أعمالها ونتائجها، عن تلك التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين واستمرت أربعة أيام، في إشارة إلى أن العلاقات بين موسكو وبكين تأخذ منحى العلاقات الاستراتيجية التي ترتقي باستمرار، في حين أن العلاقات بين بكين وواشنطن تأخذ مسار إدارة العلاقات للحؤول دون تحولها إلى صدام.
هناك شبه إجماع بين الكثير من المتابعين والمحللين، على أن بكين لم تقدم للرئيس الأمريكي الكثير من الأوراق التي يمكن أن تساعده على القول إن زيارته كانت «تاريخية»، أو حققت الأهداف التي كان يسعى إليها، وتحويلها إلى رصيد سياسي في حسابه، لا في قضية تايوان ولا في أزمته مع إيران، خصوصاً ما يتعلق بمضيق هرمز، بل إن جلَّ ما تحقق بعض الاتفاقات التجارية والاقتصادية والتقنية، إضافة إلى الاتفاق على إدارة العلاقات بدل تحويلها إلى صراع.
لكن بالنسبة لزيارة بوتين فالأمر مختلف، إذ إن العلاقات بين روسيا والصين تأخذ اتجاهاً مختلفاً، يقوم على شراكة اقتصادية واستراتيجية بلا حدود، ويسعى الطرفان إلى تعزيزها، حيث تم التوقيع على 20 وثيقة مشتركة للتعاون والتنسيق الاستراتيجي الشامل في مجال الطاقة والتجارة والنقل والبنية التحتية، بما فيها مد خط أنابيب «قوة سيبيريا 2» الذي يمكنه نقل كميات تصل إلى 50 مليار متر مكعب سنوياً من حقول غاز قطبية روسية إلى الصين عبر منغوليا، وقد أكد الرئيسان أن شراكتهما بلغت مستوى غير مسبوق، وأن التجارة بين البلدين ارتفعت 30 مرة خلال الـ25 عاماً من عمر معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين البلدين ،إذ تجاوز حجم التبادل التجاري 200 مليار دولار، وتتم جميع التسويات التجارية الروسية-الصينية بالعملات المحلية.
بين زيارتي ترامب وبوتين اللتين تفصل بينهما فترة زمنية قصيرة جداً، تريد بكين أن تثبت أنها قادرة على إدارة سياستها بتوازن دقيق؛ ذلك أن حوارها مع واشنطن يهدف إلى إدارة الخلافات وحماية مصالحها، من دون تحويله إلى ترتيب سياسي يمس شراكتها الاستراتيجية مع موسكو، وفي الوقت نفسه يمكنها استخدام زيارة بوتين، لتوجيه رسالة مضادة لواشنطن بأن الانفتاح الاقتصادي معها يجري تحت سقف التوازن الأوسع مع روسيا، ولا يمسّ جهودهما المشتركة في قيادة الانتقال إلى نظام عالمي جديد.
إن مسرح بكين لم يعد فقط سياسياً ودبلوماسياً بالمعنى التقليدي، بل تحول إلى لحظة حاسمة، يتحدد فيه مسار ومصير العلاقات الدولية، ويلعب فيه ثلاثة أشخاص دور البطولة المطلقة.



