مقالات
ما لم يقله السيد حمدوك صراحة..!

خاص “المدارنت”..
بعد ثورة شعبية هى الأعظم والأشمل فى تاريخ السودان المعاصر سقط نظام الطاغية عمر البشير ونظام الإنقاذ الإسلاموي بعد حكم دام ثلاثون عاما مارس خلالها كل أنواع الظلم والإستبداد والفساد والمحسوبية وقاد البلاد إلى تدهور مريع فى مناحي الحياة السياسية والإقتصادية و المجتمعية وخلف اوضاعا غاية في الصعوبة والتعقيد وحروبا تأكل أطراف البلاد وأجزاء عزيزة محتلة من قبل دول الجوار فى الشمال والجنوب والشرق والغرب.
وفى لحظة فارقة في ذروة الحراك الشعبي الثورى والنظام يلفظ أنفاسه الأخيرة قامت اللجنة الأمنية المنوطة بهاالدفاع عن نظام البشير بإنقلاب القصر والذى كان متوقعآ من معظم المراقبين للمشهد السوداني لمحاصرة التطور الثوري وتعطيل مسيرته وتفريغه من محتواه النضالى وبإدعاء الإنحياز للثورة وقد نبهنا حينها إلى خطورة هذا التطور وإلى كونه خديعة تهدف لتدوير نظام البشير فى نسخة جديدة و طالبنا بإستمرار الثورة حتى سقوط النظام بكامله وقيام سلطة شعبية مدنية ديمقراطية وأن يذهب العسكر إلى ثكناتهم ويقوموا بدورهم المتعارف عليه فى الأنظمة الديمقراطية حماة للبلاد وأمنها.
وقعت قوى الحرية والتغيير – الحاضنة السياسية للثورة – فى حبال هذه الخديعة وأقرت بمشاركة المجموعة الإنقلابية في إدارة الفترة الإنتقالية ووقعت معها وثيقة دستورية معيبة تكتنفها الثقوب والثغرات وتفسر على أكثر من رواية فى كثير من موادها وأعطت الإنقلابيين 5 أعضاء فى مجلس السيادة ووزارة الداخلية و الدفاع ورئاسة الفترة الأولى من المرحلة الإنتقالية وأتت بالدكتور عبد الله حمدوك رئيسا لمجلس الوزراء وهو رجل لم يكن جزءا من الثورة و لم يعرف له أى دور أو نشاط معارض لسلطة البشير البائدة ولم يسمع اسمه إلا قبل أشهر من الثورة عندما رشحته السلطة نفسها لتولي حقيبة المالية فى آخر وزارة لها.
إن من أبجديات التقاليد السياسية الواجبة والمقننة أن يتقدم رئيس الوزراء ببيان حكومته للشعب يوضح فيه رؤيته وبرنامجه في الفترة التى سيتولى فيها مقاليد الحكم.
ظل الشعب يتطلع إلى البيان المرتقب أياما ثم شهورا ولم ينطق سيادته ببنت شفا! وبعد أشهر صرح بأنه فى إنتظار برنامج قوي الحرية والتغيير لكى يتبناه! وإن من البديهيات المسلمات في العمل السياسي أن برنامج الحكم يضعه رئيس الوزراء ومجلس وزرائه وليس الحزب الحاكم أو الحاضنة السياسية لأن الرئيس يغدو بعد إختياره ممثلا لكل الشعب بغض النظر عن إنتمائه السياسي والسيد حمدوك يتحمل مسؤولية مضاعفة لإختياره وزراء من خاصته و معارفه المقربين الذين يقع عليه وزر أدائهم سلبا أو إيجابا.
بعد عام من توليه السلطة خرج علينا يلقى باللائمة على الجميع عدا نفسه ومجلس الوزراء في تعطيل مسيرة الثورة، بدءا بالنظام السابق والعلاقة بين العسكر والمدنيين والعلاقة بين مكونات قوى الحرية والتغيير وتأخير تكوين المجلس التشريعي وغيرها من المسببات والقضايا التي تقع تحت مسؤوليته المباشرة.
الثورة قامت بها جماهير الشعب قاطبة فى وحدة و تلاحم قل مثيلهما من أجل إقتلاع نظام فاسد مستبد وتصفية كل عناصره وهدم كل أركانه وإقامة مكانه نظام ديموقراطي مدني تعددى وحملت تلك الأمانة للسيد حمدوك ،فما هي الإجراءات الثورية التي قام بها بغرض تفعيل هذا الهدف الأولي والمبدئي و هو يملك الشرعية الثورية وعلى بياض؟
لا شيء! ترك معظم عناصر النظام السابق فى مفاصل الدولة الإقتصادية والإعلامية والعسكرية والأمنية والشرطية والعدلية وترك معظم القوانين كما هى حامية لتلك العناصر وصحف النظام السابق تصدر تحت حماية تلك القوانين ومسلطة أبواقها في ضرب الثورة وتسفيه أهدافها.
لماذا لا يسأل نفسه لماذا عجز عن تفكيك تلك المنظومة والتى باتت تعرف بالدولة العميقة؟ وهى التى تحاربه حقا، فى الخفاء وعندما إستيقنت من ضعفه وعجزه إنطلقت تجهر بالعداء قولا وفعلا في هجمة مضادة لا تخفي على أحد.
لماذا لا يقول لنا عن أسباب عجزه ومن يحمى تلك المنظومة الشريرة؟!. وبخصوص العلاقة بين العسكر والمدنيين، لماذا لم يفصح عن موضع الخلل وبؤرة الأزمة؟ولماذا كان يصرح من وقت لآخر بأن العلاقة بين المكون العسكري والمدني في توافق وإنسجام؟
أين الحقيقة بين هذا وذاك؟
والأهم من ذلك لماذا ترك ملفات حساسة و مهمة هى من صميم دور المجلس التنفيذي لمجلس السيادة والذى مهمته تشريفية في دولة تصنف برلمانية؟ وعلى رأس تلك الملفات الملف الإقتصادي والذى ترأسه رجل لا يعلم من الإقتصاد أكثر من مبادئ الحساب فى الجمع والطرح وتدارى خلفه عالم الإقتصاد حمدوك رئيسا مناوبا!
ومن تلك الملفات أيضا ملف الحركات المسلحة ثم الترتيبات الأمنية و ملف الصحة العامة والسياسة الخارجية و لقد صدمنا بلقاء رئيس مجلس السيادة برئيس وزراء العدو الصهيوني في يوغندا دون علم وزيرة الخارجية وقد قيل أن اللقاء حصل دون علم رئيس الوزراء أيضا كما صرح الناطق الرسمي باسم الحكومة.
ومن الأمور المعيبة التى تضمنتها الوثيقة الدستورية وقبل بها حمدوك تبعية وزارتي الدفاع والداخلية للمكون العسكري في مجلس السيادة وليس لرئيس الوزراء!
كان من المفترض أن يرفض هذا الوضع الشاذ كما إستعمل حقه الشرعي في رفض كثير من الأسماء المقترحة لمجلس الوزراء عند تكوينه.
والوثيقة الدستورية أعطت حق إختيار الولاة المدنيين لرئيس الوزراء منفردا بصورة حصرية ولكن السيد حمدوك ظل يماطل ويتلكأ تاركا البلاد فى ظل حكم عسكري في المركز والأقاليم لمدة عام وتحت ضغط جماهيري رضخ أخيرا في إنفاذ هذا الحق الدستوري.
وقوي الحرية والتغيير هى تحالف فضفاض يضم فسيفساء من الأحزاب السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وليس بينها جامع فكري أو رؤية فكرية أو سياسية واحدة.
وكانت أمام تحدي الحفاظ على قدر من الوحدة و الإنسجام و لكنها فشلت كما فشلت في قيادة الحراك الشعبي الثوري إلى أهدافه ودخلت في شراكة غبية مع أعداء الثورة.
والسيد حمدوك هو رئيس وزراء كل السودان وبكل أطيافه السياسية الديمقراطية الحية والحريصة على ثورتها وأهدافها والتى قاومت النظام البائد ثلاثون عاما عجافا ولن تركن لضعف أو إنهزام نفسي أو لعماشة في الرؤية أو فى الرسالة ومن هذا المنطلق يتحمل مسؤولية إدارة شؤون البلاد كاملة ويحاسب على الفشل والنجاح حسابا عسيرا وهو المؤتمن – فرضا – على أمانة ثورة قدمت آلاف الشهداء و الجرحى والمفقودين. ستظل قوى الثورة يقظة لما يحاك ضدها من فعل مضاد حتى ترد الأمانة إلى أهلها.
وإنها لثقيلة و لا يقدر عليها من هو فى وزن الريشة وعلى السيد حمدوك أن يتحلى بالشجاعة و يذكر الأشياء بأسمائها وأن لا يتستر خلف الإبهام والتورية وأن يتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب قبل أن تدخل البلاد في متاهات يصعب تداركها.



