متى وكيف ينجح الحوار الوطني في السودان؟
“المدارنت”
مقال اليوم، هو الثالث في سلسلة مقالاتنا حول دعوات الحوار الوطني التي برزت مؤخرا في البلاد، ومنها نتائج المشاورات التي أجرتها «مجموعة الخماسية» في أديس أبابا خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو/حزيران الجاري مع أطراف سياسية ومدنية سودانية، وبحثت السُبل الممكنة لتشكيل لجنة تحضيرية لحوار وطني سوداني شامل.
وكما أشرنا في مقالنا الأول، فإن محتوى ما سنطرحه في مقالاتنا هذه يتلخص في إجاباتنا على الأسئلة المحورية التالية: هل توجد إمكانية للحوار في ظل الظروف الراهنة، أم يتطلب الأمر وقف القتال أولا؟ وهل من أهداف الحوار العمل على دفع الأطراف المتحاربة للجلوس إلى مائدة التفاوض لوقف القتال؟ وهل سيخاطب تفاصيل مسببات الحرب.
وبالتالي يطرح الرؤية في كيفية إيقافها ومنع تجددها، أم سيتقزم في مجرد مناورة سياسية تتعلق بالترتيبات السياسية في مناطق سيطرة القوات المسلحة؟ وهل الدعوة للحوار ستشمل كل المجموعات المدنية السودانية بما في ذلك المتواجدة خارج السودان وفي مناطق سيطرة قوات الدعم السريع؟ وأين وكيف تتقاطع دعوات الحوار القادمة من داخل السودان مع المبادرات الخارجية المختلفة؟ وفي كل الأحوال، ما هي الأسس التي يجب أن يبنى عليها الحوار الوطني في السودان حتى يأتي مثمرا ويُخرج البلاد من جب الأزمة ويجنبها التفتت؟
من حيث المبدأ، سيظل الحوار دائما هو الخيار المفضل لحل الأزمات، إذ يتجنب العنف وسفك الدماء. لكن من الضروري والهام جدا التفريق بين الحوار الحقيقي الذي يخاطب جذور الأزمة ويسعى لعلاجها، والحوار الذي ينتج حلولا تصالحية سطحية لا تخاطب هذه الجذور، بل تكتفي بالتعافي المتبادل واختصار الحل في تسويات اقتسام كراسي السلطة، بينما تظل عوامل إعادة إنتاج الأزمة باقية. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الخبراء والمختصين في الوساطات وفض النزاعات، يفرقون بين الحوار والتفاوض، فيصفون الحوار بأنه أوسع من المفاوضات وأكثر تغييرا، وهو يكون موجودا قبل أي نزاع وأثناءه وبعده.
وفي نفس الوقت، يؤكد هؤلاء الخبراء أن الحوار ليس بديلا للتفاوض والوساطة في عمليات فض النزاعات، لكنه جزء أساسي في الحل، وهدفه الحل الدائم ومنع تجدد النزاع. فمثلا، التفاوض بين حكومة السودان في عهد الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل الدكتور جون قرنق، أنهى النزاع المسلح بين الطرفين عبر اتفاق السلام الشامل الموقع في 2005، لكنه لم يحقق سلاما حقيقيا مستداما بينهما، ولا في داخل كل منهما، والذي كان يمكن أن يحققه الحوار الوطني الشامل والمبني على أسس حقيقية في كل من البلدين. ومن جانب آخر، يمكننا الإشارة إلى الحوار باعتباره تفاعلا معرفيا يتم من خلاله عرض للرأي والرأي الآخر، ويعتبر ضروريا ومكملا لإنجاح عمليات التفاوض التي تتخلله، والتي تنطلق من معرفة مسبَقة بما يريده الآخر.
ما هو المقصود بالحوار الوطني الحقيقي والناجح؟ من ناحيتي، أجيب بالقول بأن معيار نجاح أي حوار وطني، هو أن ينجح في تحقيق هدفه الرئيسي ويؤدي في النهاية إلى المصالحة الوطنية، والوفاق الوطني، وهما، في العرف السياسي للشعوب، لا يعنيان سوى التوافق على فترة انتقالية مهمتها الأولى هي التصفية النهائية لمكونات الوضع التي أدت إلى تفاقم الأزمة واندلاع الحرب، بما في ذلك نظم وأشكال الحكم القائمة التي قادت للأزمة، والتوافق على نظم وأشكال جديدة تقننها وثيقة دستورية جديدة، أو دستور انتقالي ديمقراطي جديد، يصون حقوق الجميع ويجنب البلاد كوارث الصراعات الدموية والحروب الأهلية.
وكما هو معروف، فإن تجارب الشعوب التي دفعتها ظروف الأزمات لأن تسلك طرق الوفاق الوطني عبر الحوار، تؤكد أن الوفاق يبدأ بتغيير أساسي في جهاز السلطة القائمة ودستورها وقوانينها، ويعاد للقضاء استقلاله ولحكم القانون سيادته، فتتوفر الحريات الديمقراطية الكاملة دون قيود على الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات الجماهيرية والصحف وسائر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ليدلي الشعب برأيه، ويتقدم الجميع، الأحزاب وكل المجموعات والاتجاهات المختلفة، بما يرونه من حلول، على أن يبعد من مواقع المسؤولية في الأجهزة الانتقالية كل من تتهمه هذه المجموعات بارتكب جرائم حرب وجرائم في حق الشعب والوطن وتتم مساءلته، وأن يتم التوافق على جبر الضرر ورد المظالم ونشر حيثيات أي محاكمات جائرة….الخ.
ومن المهم هنا التأكيد على أن كل ما ذكرناه أعلاه يدخل ضمن الأهداف التي من المفروض أن ينتهي إليها الحوار، وبالتالي هي ليست شروطا لقبول المشاركة فيه، كما أنها، بالطبع، لن تتحقق لأول وهلة وبمجرد إلتئام الحوار. أما إذا كان المتحاورون يتسيدهم الاختلاف والبون الشاسع حول الهدف النهائي من الحوار الوطني، فقطعا هو حاور فاشل. مثلا، في حوار «الوثبة»، 2014، بينما كانت «الانقاذ» ترى أن الهدف هو مشاركة المعارضة لها في السلطة، مع احتفاظها هي باليد العليا، كان هدف المعارضة المعلن هو تفكيك النظام سلميا وتحقيق التحول الديمقراطي في البلاد.
وكان هذا الاختلاف البيّن مدعاة للتشكك في جدوى العملية، التي فشلت في النهاية، علما بأن قرار مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، رقم 539، أكتوبر/ تشرين الثاني 2016، شدد على أطراف الحوار، «وبالأخص الحكومة، التزامها القيادي والمسؤول تجاه عملية الحوار، بهدف الوصول إلى تحقيق التحول الديمقراطي في السودان».
وكتلخيص، وتمهيد لمواصلة مناقشة الموضوع في مقالاتنا القادمة، فإن المقومات الأساسية لنجاح أي حوار تتمثل في:
1- الإرادة السياسية الصادقة من جميع أطراف الحوار وتوافقهم على الهدف الرئيسي من الحوار.
2- النجاح، قبل بدء الحوار، في بناء الثقة المتبادلة بين الأطراف.
3- القبول بأن عمليات الحوار لا يحكمها مبدأ الربح والخسارة وإنما مبدأ المساومة، والتي في إطارها تتم التنازلات، ليكون الرابح في النهاية هو الوطن. 4- القبول والإقرار، قبل بدء الحوار، بأن مخرجاته ستكون ملزمة للجميع.



