محاولة لفهم الموقف التركي!
د. مـخـلـص صـيـادي
خاص “المدارنت”.. بعث لي أخ عزيز، مقاطع ومشاهد لما يدور في ذهنه عن الموقف التركي، ازاء الوضع في إدلب، ومناطق خفض التوتر. والعلاقة التركية ـ الروسية… وأتبعها بتساؤلات معقدة يولّدها هذا الموقف.
وأثار عرض صديقي وتساؤلاته، إحساسي بالمسؤولية في المساهمة في هذا الأمر، كانت هذه الرؤية.
رداً على عرضك و تساؤلاتك، لا بد من الإقرار بداية بأن الأمر معقد، والأسئلة التي تطرحها صعبة ومتشابكة، وأصعب ما فيها، أنها ترتبط بواقع الصراع الراهن في سوريا. أي بواقع دام، ومتحرك، وضاغط بشدة على الأطراف كلها دونما استثناء.
لكن لنحاول أن نبني مقاربة أخرى للوضع، لعلها تقدم بعض من الإجابة، فقط بعض من الإجابة. هذه المقاربة تنطلق من رؤية “مشروع أردوغان”، أو تلمس بعض جوانب هذا المشروع.
أظن أن المسألة التي تشغل بال الرئيس التركي (رجب طيّب أردوغان)، ليست صفقة S 400 الروسية، ولا ما يقابلها من مكانة ودور تركيا في مشروع تصنيع المقاتلة الأمريكية F35، وهو يتخذ هذه وتلك مناسبة لما هو أبعد من ذلك.
أردوغان كما أظن، يتطلع الى لعب دور مركزي، في منطقة تمتد من دول آسيا الوسطى وحتى المغرب العربي، مروراً بالدول العربية كلّها. ولا ينبع هذا الدور من أوهام السلطنة العثمانية، وإنما من حقيقة القدرة التي توفرها الطاقات المادية والبشرية والجيوسياسية، التي تتمتعع بها تركيا، لأي زعيم يستلم زمام أمر هذا البلد .
وأظن أن أردوغان يدرك هذا البعد والمكانة المفترضة والواجبة لبلده. ويشعر أن هذا الظرف الاقليمي والدولي، أقرب ما يكون إلى الظرف النموذجي لتمكينه وبلده في القيام بهذا الدور.
في عجالة يمكن تفصيلها، ويمكن لكل مهتم أن يمعن النظر فيها، ليدرك الكثير من أبعادها، أكتفي بعرض رؤوس عناوين عامة لها.
1- المنطقة العربية جميعها فاقدة للتوازن، وهي في حالة تبعية بعيدة المدى، تفتقد نظمها ويفتقد قادتها، لأي طموح ذاتي لقيادة المنطقة. كما يفتقدون جميعا لأي مشروع قومي، ايا ما كانت خصائص هذا المشروع. أو برنامجه.
2- ايران، وهي دولة تحمل الكثير مما تحمله تركيا من خصائص وإمكانات. لكنها فقدت دورها وقدرتها على جني أي ثمار إيجابية، حينما كشفت عن وجهها الطائفي، وقدمت مشروعها القائم على ولاية الفقيه بخصيصته الطائفية. وقدمت نموذجها لذلك المشروع، من خلال تدخلها في الصراع في سوريا، وبعد ذلك في اليمن، وقبلها في العراق، فكانت في هذه المواقع معززة لهذا الوجه الطائفي، ومتحالفة مع أنظمة وقوى تمثل الاستبداد والفساد، والدموية التي لاحدود لها.
3- أوروبا، لا تملك أن تتقبل في ثوبها الموحد “الاتحاد الاوروبي” دولة مثل تركيا، وفي الوقت نفسه لا تملك رفضها، لاعتبارات كثيرة. والاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه، مزعزع الأركان، والموقف البريطاني واحد من هذه الشواهد، عوامل التفكك الاجتماعي والعنصري والقيمي تسابق عوامل التفكك السياسي.
4- الولايات المتحدة، في عهد الرئيس دونالد ترامب، كشفت عن الوجه العنصري البغيض لبنيتها الداخلية، بنية مؤسّساتها وقواها الفكرية والأخلاقية،
وبدأت من دون أيّ تردد، تهدم “العولمة الجماعية”، التي حاولت دول العالم الكبرى بناءها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، ونقضت بنفسها كل الاتفاقيات التجارية والبيئية والقانونية والقضائية، وحتى الدفاعية والأمنية، التي عملت تلك الدول على بنائها.
اليمين الأميركي العنصري الأبيض، كشف عن نفسه بقدوم ترامب. وتزامن ذلك مع نمو التيار نفسه في أوروبا. وتحقيقه مكاسب مهمة في مؤسّساتها التشريعية والتنفيذية.
لا تستطيع الولايات المتحدة بهذا الفكر والتوجه، أن تبني تحالفا دوليا ذا قيمة، وفي الوقت نفسه، لا تستطيع بحكم شركاتها ومصالحها أن تنفض يديها من الجميع، لذلك، باتت هي مثل اوروبا – وإن كانت لأسباب مختلفة – لا ترغب في بناء تحالف حقيقي مع تركيا، ولا تستطيع أن تقطع العلاقة معها، وهي العضو المؤثر في (حلف) “الناتو”، والعضو الذي كان يحسب سابقا على الولايات المتحدة داخل هذا “الناتو”.
5- وعلى الجانب الآخر، تبدو لنا التحولات في جانب روسيا والصين، وكأنها تمثل فرصة دعم وتعزيز لتوجه تركيا نحو تمييز دورها، فكلا الدولتين تشعر بأهمية الدور التركي في مستقبل العلاقات الدولية، وكلا الدولتين تشعر بأن جذب تركيا خارج معسكرها التقليدي، يمثل مكسباً يجب عدم التضحية به، بل لنقل أن هاتين الدولتين، تعملان على تعزيز الدور التركي، وتعزيز التطلع التركي لتحمل مسؤولية هذا الدور.
وتشعر كلا الدولتين بالأهمية وبالتأثير الثقافي والروحي لتركيا، داخل المجتمعين الروسي والصيني، وفي مجالهما الحيوي. (دول آسيا الوسطى الاسلامية، والاقاليم الاسلامية في روسيا والصين).
6- في ظل هذه الخارطة العامة للقوى المؤثرة والمتأثرة بتركيا، يبرز دور ومكانة سوريا وكذلك والكيان الصهيوني.
والعلاقة التركية مع الكيان الصهيوني قديمة، ورثها إردوغان من المرحلة السابقة، وتغييرها يحتاج إلى وقت وظرف داخلي وإقليمي.
ويبدو أن تعزيز العلاقة بين تركيا والقضية الفلسطينية، وقواها المتعددة، هو السبيل الذي تتخذه تركيا في هذه المرحلة، وهو سبيل يعزز ويساعد تركيا على القيام بدورها الاقليمي الذي تتطلع إليه. ولن يكون لهذا الموقف ثمناً باهظاً في ظل التراجع والهوان في النظام العربي.
أما الموقف من سوريا، ووضعها الراهن، فهو الذي يمثل التحدي الحقيقي لتركيا، لكنه تحد لا تملك إزاءه الكثير من الخيارات، فالنظام السوري، لا يملك على الرغم من كل محاولات التأهيل المكثفة والجارية عبر أطراف وطرائق عدة، فرصة حقيقة للاستمرار، لكن لم يتبيّن بعد البديل الممكن بعد. والمعارضة السورية المقاتلة، لا تملك القدرة على ذلك، ولا تملك كذلك الإرادة السياسية الحرة لتقرير مثل هذا الأمر، والدعم التركي المقدم لها، أقل بكثير من تمكينها لتحقيق هذا الهدف، لكن مع ذلك، فإن تركيا تدرك يقينا أن تمكن النظام السوري من السيطرة على جيب المعارضة الأخير المتمثل بإدلب، سيؤدي إلى خلق تحدي أمني لتركيا يقارب ما يمثله المسلحون الأكراد، أي أن النظام السوري، والانفصاليون الأكراد، باتوا يمثلون خطراً على الأمن القومي التركي، وبالتالي فإنهما يمثلان عائقا حقيقيا، وتهديدا ملموسا لقيام تركيا بدورها الاقليمي.
وكما انه لا قيمة ولا قوة حقيقية لدور الانفصاليين الأكراد، من دون الدعم العسكري والمادي الأميركي والغربي، فإنه لا قيمة ولا قوة حقيقية للنظام السوري من دون الدعم الروسي أولا، ومن ثم الدعم الإيراني الذي تتضاءل أهميته يوما بعد يوم.
تركيا تريد أن تعيد صياغة الدور الروسي بشكل يصبّ في مصلحة تركيا ورؤيتها، وهذا يتطلب وفق قراءة المسلك التركي:
أ – تعزيز العلاقات الاقتصادية والعسكرية والأمنية مع روسيا.
ب – دفع روسيا إلى اعتماد مسار الحل السياسي، والضغط على النظام من أجل ذلك، على أن يكون ختام هذا المسار تغيير النظام القائم.
ج – العمل على بناء حالة إقليمية ودولية. تسمح وتدفع إلى خروج ايران من سوريا .
تركيا في عهد العدالة والتنمية، تمثل مرحلة جديدة ومتطورة، من نظام قومي علماني متصالح مع عقيدته الاسلامية وتاريخه العثماني، وعلى الرغم من تزايد الوضوح في الصورة الاسلامية العثمانية في هذه الدولة. فإنها تظهر تمسكا بعلمانيتها، وتصالحا مع هذه العلمانية، التي نزعت عنها صفة العلمانية الصلبة الجافة، التي عرفت بها العلمانية الفرنسية، لصالح العلمانية البراجماتية، التي تستهدف أصلا تثبيت مفاهيم الديموقراطية والمواطنة والمساواة داخل المجتمع وأمام القانون. وليس تجريد المجتمع من دينه وعقيدته.
وتركيا هذه ليست صناعة صرفة لحزب العدالة والتنمبة. وإنما هي تطوير خلاق ومتسارع من الحزب لمسار اجتماعي وفكري ونضالي في المجتمع التركي، لم تنقطع تجلياته منذ عقود طويلة.
وأرجح أن تكون الاستراتيجية التركية في الإطار الذي حاولت استطلاعه، كن أمام تنفيذ هذه الاستراتيجية عقبات حقيقية، يمكن تلخيصها في تحديات داخلية عدة:
1 – تحدي داخلي، يتمثل في ضمان استمرار القيادة الراهنة الممثلة، في الرئيس أردوغان، وهي قيادة تواجه انقسامات داخل الحزب، وتواجه تحدي المعارضة التي يجمعها الآن العداء لأردوغان.
2 – وتحدي داخلي أيضاً، يتمثل بتحقيق التنمية الداخلية التي مكنت اردغان وحزبه في السابق، من أخذ هذه المكانة داخل المجتمع التركي. ويختزن تحدي التنمية الداخلية في عمقه تحدي العلاقات الخارجية، أي الضغوط الاقتصادية والمالية الأميركية والروسية، واستخدام سعر صرف الليرة التركية. ومسألتيّ السياحة والتبادل التجاري للضغط على أردوغان وحكومته.
3 – وتحدي داخلي ثالث، يتمثل في ضرورة السرعة في طيّ صفحة انقلاب ١٥ يوليو ٢٠١٥ الفاشل. وإخراج المواطن التركي من دوامة الاعتقالات والملاحقات، وتبني إجراءات سريعة توقف تداعيات هذه الحالة على الوضع الشعبي، والذي كان له دور في التراجع الذي أصاب شعبية حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الماضية،
يجب أن يشعر الشعب التركي انه كوفئ على موقفه الموحد والخلاق من محاولة الانقلاب. وأن هذه المحاولة باتت خلف ظهره، وتحولت إلى ذكرى توخذ منها العبر، وليس الى مناسبة لتصفية الخصوم كما تشير المعارضة.
خارطة الفعل التركي معقدة ومتشعبة، بفعل المحيط الجيوسياسي، وبفعل التحولات الجارية في هذا المجتمع، والتعرف إلى هذه الخارطة، وإدراك محركاتها، يحتاج الى رؤية كلّية لا تغفل التفاصيل، لكنها لا تضيع في تتبع جوانبها. ولا تنشد إلى زاوية واحدة من زوايا المشهد، وإنما تستوعب المشهد كله. ولا تشدها مصالحها ودافعها الذاتية، مهما علت وتسامت إهميتها، عن إدراك حدود المشروع العام الذي يحرك حزب العدالة والتنمية، ويحرك المجتمع التركي .



