مدير “تعاونيات لبنان” السابق منير فرغل: هؤلاء سرقوا التعاونيات الجزء (2)
كتــب مـنـيــر فـرغــل*
في البداية، أريد التوضيح بان هذه السنة قد تشهد حلا لمأساة الاف المساهمين المنكوبين في تاونيات لبنان، لانها السنة الاخيرة لعقد الاستثمار المجحف والغير قانوني الموقع مع وليد شحادة، الذي نهب التعاونيات تحت حجة كاذبة عن افلاسها، وفي هذا المقال سنبين الحقائق والوقائع عن أسباب الازمة، التي تدين المافيا وقوى الفساد التي تحميها .
إن التعاونيات كانت في ذروة نجاحها، وبدأت أزمتها عندما اتصل بي “الحاكم العرفي” في لبنان انذاك العميد رستم غزالي مرتين، وطلب مني ان أزوره لاقناعي بالترشح على لائحة الرئيس الشهيد رفيق الحريري الانتخابية عام 2000، لكي اكون مراقبا عليه، رفضت الدعوة بالتهرب منه بداعي السفر في كل مرة، لانني اساسا اكره التجسس والجواسيس، وفي اتصاله الثالث وجه لي غزالي سيلا من الشتائم الثقيلة والتهديد المباشر، فأدركت اننا قد نواجه كارثة كبرى، وقد اعتبر الكثير من الاصدقاء ان موقفي انذاك كان متهورا جدا، ولكن الحقيقة انني كنت مصمما على عدم التفريط بالتعاونيات.
وبالفعل أعطى غزالي حينها توجيهاته للدوائر الامنية في القصر الجمهوري للتحرك ضدنا، وبعد عدة ايام ابلغنا الاعلامي مصطفى ناصر رحمه الله أن هذه الدوائر تعد لنا ضربة قاضية لاقيام بعدها، كما أكد لنا الاعلامي المعروف محمد سلام مشاهدته لتعميم مكتوب في القصر وبنفس التوجه.
وفي 6 حزيران من العام 2000، ومن دون مقدمات، شنّ مسؤول وسائل الاعلام في تيار “المستقبل” الفضل شلق حملة اعلامية مضللة وعنيفة، تعلن عن وجود عجز مالي كبير في التعاونيات، مما اثار ذعرا شديدا لدى المساهمين والتجار والمصارف، وبهذا الاسلوب المخابراتي المدمر، تم إدخال التعاونيات في النفق الطويل، وفي تلك الايام السوداء ظهر فجأة وليد شحادة، الذي اسس بسرعة شركة تجارية برأسمال تافه قيمته 3300 دولار فقط، لكي تكون أداة لاغتصاب التعاونيات.
وكان شحادة عائدا من الخليج مفلسا، ويفتش عن عمل بعد افلاس المخازن الكبرى، وبيع فروعها في قطر للتعاونيات القطرية وفروعها في المملكة العربية السعودية للامير الوليد بن طلال,
أعلنت الدولة انها ستعالج ازمة التعاونيات، فوقعت عقدا مع شركة “دولويت اندتوتش” للتدقيق والمحاسبة، لوضع تقرير عن الوضع المالي الحقيقي للتعاونيات، فقامت هذه الشركة بصفقة مشبوهة عبر بيع هذا العقد للمحاسب زهير شويكي التابع لوليد شحادة، وربحت مبلغ 90 الف دولار من دون ان تفعل شيئا، وبدأ شحادة عملية تزوير مخيفة، وأكتفي هنا بمثل واحد وهو تعاونية خلدة، التي قيّمتها ثلاثة مصارف بمبلغ 10 ملايين دولار، بينما التقرير المالي المزوّر قيّمها بمبلغ 1,2 مليون دولار فقط ، ما يعني سرقة 86% من قيمتها، وبهذ الاسلوب من التزوير تم مسخ قيمة التعاونيات من 430 مليون إلى39 مليون دولار، اي سرقة اكثر من 90% من قيمتها الحقيقية اي من اموال المساهمين.
اقامت المافيا الدعاوى القضائية ضدّنا، لتغطية جرائمها، وساوجز هذه الدعاوى لتبيان ما تعرضنا له انا ورئيس مجلس الادارة الاخ عبد الحميد يموت من مظالم وأذى وعلى الشكل التالي:
# كلف الرئيس الشهيد رفيق الحريري النائب محمد قباني بابلاغي قرار الدولة بتوقيفنا قبل اسبوع من التوقيف الفعلي، وقبل اي تحقيق قضائي معنا، مما يثبت وبشكل قاطع ان التوقيف كان سياسيا وليس جرميا .
# حضرنا جلسة تحقيق عند القاضي الرئيس ماجد مزيحم، الذي أوجه له التحية لنزاهته، وبعد وقت من التحقيق طلب منا الانتظار خارج مكتبه، الذي شهد عجقة دخول وخروج كبيرة للقضاة، وهنا ابلغنا محامينا ان شخصية سياسية كبيرة أبلغته ان القاضي شقيق رئيس الجمهورية (إميل لحود) أنذاك (القاضي نصري لحود) تدخل، وهو من أعطى الامر بتوقيفنا، وقد تم ذلك فعلا.
3 وفي اليوم التالي، دخل القاضي الرئيس مزيحم نفسه الى قاعة محكمة السير، وكان اخي موظفا فيها، وكانت تعج بالموظفين والمواطنين، وقال لاخي وبصوت عال،”قل لكل عائلة فرغل أن لا يدعو أحد منهم عليّ، فانا “اوقفت منير فرغل لاسباب سياسية وليس لاسباب جرمية”.
# بعد عدة ايام وفي جلسة تحقيق عند الرئيس مزيحم، وكان رئيس محكمة الاستئناف القاضي الرئيس جهاد الوادي موجودا، فسأله أمامنا عن التهمة الموجهة لنا، فأجابه وبمرارة لقد اوقفناهم بتهمة التزوير، ولكن ليس بيدنا اي مستند يثبت ذلك، فدهش الرئيس الوادي وسأله وهل هذا الامر معقول؟.
# اما المرحلة الثانية في جلجلة التعسف والظلم فقد تمثلت بإقامة المافيا دعوى جنحة ضدنا، بخصوص شركة “بولكو “لتوضيب الفراريج، وهذه الدعوى كانت ساقطة اساسا بمرور الزمن، وعلى الرغم من ذلك اعتمدها قاضي التحقيق تعسفيا وحولها الى المحاكمة، شكل رئيس المحكمة لجنة قضائية للتحقيق بهذا الموضوع، وباتهام آخر بأنني قبضت عمولة في شراء تعاونية المطيلب، قامت اللجنة بكشف السرية المصرفية لصاحب العقار، وتأكدت من عدم وجود اي رشوة، وصدر تقرير اللجنة القضائية وكان نزيها وشفافا، وفي قاعة المحكمة التي كانت تضج بالحضور، قال لي القاضي الرئيس فادي شرابية وبصوت عال: “ماذا فعلت يامنير مع السياسيين الكل بدو يبلّ إيدو فيك شو ما كنت تعرف تحكي معهم؟”، بعدها طلب القاضي مني ان اقترب منه، وقال لي بصوت سمعه معظم الحاضرين: “انا لن اظلمك ولن احكم عليك إلا بما يرضي ضميري”، وبالفعل فإن هذا القاضي هو من الرموز المضيئة والتي تشكل غالبية القضاء اللبناني، وكنا مطمئنين لحكمه، وفي يوم صدوره فوجئنا بإعادة فتح المحاكمة تحت ضغوطات سياسية هائلة على القاضي، اصدر بعدها حكما قاسيا بسجننا ثلاث سنوات، ونحن لا نلومه لان ما حدث في قصور العدل وخصوصا في صيدا آنذاك، كان يدلّ على مدى الصعوبات والضغوطات في عمل القضاة، وكان رأي القانونيين بان هذا الحكم ضعيف جدا وستنقضه محكمة الاستئناف.
6 في محكمة الاستئناف بدأ القاضي سمير العالية باستجوابي، وعندما بدأت بالكلام قاطعني بغضب شديد، وبدأ بالصراخ والزعيق، وهددني بجلب دعاوى جديدة ضدي، وبعد استجواب سريع للاخ عبد يموت، انهى المحاكمة، وبعد اقل من ربع ساعة، إستغربت جدا سلوك هذا القاضي، ولكن الامور توضحت، فقد قدمت المافيا رشوة له بتعيين إبنه المحامي هيثم العالية محاميا للتعاونيات، لقاء بدل اتعاب سنوي يبلغ 100000 دولار، وبلغت قيمة الاموال التي قبضها حتى اليوم اكثر من 1,5 مليون دولار، وذروة الفضيحة ان إبن القاضي وبعد الجلسة بعدة ايام، ارسل تاجر بيروتي إلى عائلتي وطلب منها ان تدفع له مبلغ 400000 دولار، مقابل تعهد والده القاضي بإخراجي من السجن خلال ثلاثة ايام.
# قامت مافيا المخازن ومأجوريها بتحريض التجار الذين كانوا يحملون شيكات مؤجلة بتوقيعنا وبلا رصيد، لاقامة دعاوى ضدنا، بعد تمنع المافيا عن دفعها، ولقد اتخذ مدعي عام التمييز آنذاك الرئيس عدنان عضوم قرارا بعدم توقيفنا بهذه الشيكات، لان التوقيع ليس بصفتنا الشخصية، وابلغنا بذلك في حضور المحاميين الموكلين عنا، ولكن وتحت الضغط السياسي على القضاء، تقرر توقيفنا أنا والاخ يموت تعسفيا بهذه الشيكات، ولكن التجار اثبتوا عن شهامة ونبل كبيرين في هذه الازمة، ورفضو إقامة الدعاوى، وكانوا يقولون للمافيا: لقد تعامل معنا منير فرغل وعبد يموت طيلة ثلاثة عقود بكل نزاهة واستقامة، فلماذا ندعي عليهم؟ ولذلك بلغت قيمة الشيكات المدعى بها 40 الف دولار فقط، من اصل 7 ملايين دولار، اي اقل من نصف بالمائة.
وعلى الرغم من كل هذا التعسف، فقد حافظنا على معنوياتنا العالية وارادتنا القوية، وقمت بتزويد المساهمين بكل المعلومات والارقام التي ظهرت في بياناتهم، وقمت باصدار بيانات قبل توقيفي، وبيانات من داخل السجن، ونشرتها وسائل الاعلام، وأصدرت كتابا يتضمن شرحا شاملا للازمة، وسنبقى في المواجهة مع هذه المافيا المجرمة، الى أن يسترد المساهمون كافة حقوقهم.
* مؤسس تعاونيات لبنان و مديرها العام السابق



