مصطلح “ما خلُّونا”.. ومرادفات الفساد اللبناني

خاص “المدارنت”..
بعدما أصبحت حكومة الرئيس ميقاتي، حكومة تصريف أعمال، بعد انتهاء الانتخابات النيابية اللبنانية، وبالتزامن مع الخطاب الذي ألقاه في السراي عقب الاجتماع الأخير الرسمي للحكومة، عارضاً منجزاتها خلال تولّيه رئاستها، صُدِم َ الرأي العام اللبناني بما نقلته الصحف ووسائل الإعلام على لسان رئيس الحكومة، مُتَّهمًا وزير الطاقة بسحب عروض لإنتاج الكهرباء من مجلس الوزراء، تحت ذريعة «المزيد من الدرس». فيما ردَّ الأخير، بأن سحب العروض هو لتحسين الشروط، وخفض الأسعار، ليستنتج المواطن ما بين تصريحيّ الرئيس والوزير: أنه لا كهرباء، سواء في المدى القريب أو في المدى البعيد، وأن ملف الكهرباء سيبقى «معضلة المعضلات»، حتى إشعارٍ آخر. ليبقى تحت رحمة الجهة السياسية القابضة عليه وعلى مفاصل الدولة، من دون أي تنازلٍ عن سيطرتها على هذا القطاع الحيوي، الذي كلف خزينة الدولة لوحده، فوق الخمسين مليار دولار، متسبباً بالإفلاس الحاصل حاليا في الخزينة اللبنانية.
وعلى طريقة «ما خلُّونا»، التي انتقلت عدواها أيضاً إلى رئيس الحكومة، ما صدر عن الأخير معقّباً على ذلك أنه «لن يكون شاهد زور إزاء محاولات رهن البلد مجدداً بمصالح شخصية، أو التعاطي مع الملفات الحيوية بمنطق الشخصانية، الذي كلف الخزينة أعباء باهظة». ومما يَلفِت النظر في تصريح رئيس الحكومة المستقيلة، لا من حيث خطورته وحسب، وإنما من حيث التوقيت الذي أدلى به، بأنه أتى عقب الانتخابات النيابية مباشرةً، في الوقت الذي كان فيه رئيس الجهة السياسية المُصادِرة لملف الكهرباء، كان يتنقل بين الدوائر الانتخابية، مجاهراً بالقول في تحميل معضلة الكهرباء لغيره من القوى السياسية، مُتحججا باللازمة المعروفة «ما خلُّونا»، فكيف لو أدلى رئيس الحكومة بما لديه من معطيات حول هذا الملف قبل المعركة الانتخابية، وليس بعدها…! وكم كان سيتحلّى بالمصداقية، لو صارح الناخبين اللبنانيين بالحقيقة، وكشف عمن يعرقل ملف الكهرباء، ومن هو المسؤول عن المعاناة النفسية والمادية التي يتكبدها المواطن المسكين، الذي يدفع ما قيمته أربعة أضعاف الحد الأدنى للأجور، بدل اشتراك في المولدات لساعات محدودة وحسب…!
من هنا، فليسمح لنا رئيس حكومة تصريف الأعمال بالقول: إنه لم يكن موفقاً البتة بما أدلى به من أعذار وحجج هي بمثابة الأقبح من الذنوب، لا سيَّما وأنه صاحب مشروع كهرباء «نور الفيحاء»، الذي بشّر به أبناء مدينته ذات يومٍ، وجعلهم ينامون على وعود عرقوب… وسبق وبشّرهم أيضاً يوما أنه لن يجوع في المدينة أحد…! وكذلك أطلق قبلها وعدا تبشيريا مدويا آخر عندما قال: «همّي هو طرابلس… وهذا الهمّ سيكون على امتداد السنوات الأربع المقبلة همًّا طرابلسيًا… وسوف أُفرجي كيف ستصير طرابلس»…! (جريدة التمدن الطرابلسية، الأربعاء 2 أيار 2018)، أي قبل أربع سنوات من المعركة الانتخابية التي حصلت بالأمس القريب، وذلك خلال معركته الانتخابية التي حاز فيها وحيداً، على نصف نواب مدينته، ليضيف قائلاً في نفس المقابلة للجريدة الغرّاء، مجيباً على سؤال حول الجهة المعرقلة لمشروع نور الفيحاء:
“بعد الانتخابات سنعود إلى تحريك الموضوع، والعرقلة هي سياسية، وسنقوم بكل تحرك حتى لو اضطررنا للقيام بتحرك شعبي، لكي نقول نحن نريد ذلك، ولا يخطر ببال أحد أنني أقوم بعمل شخصي خاص بي، أنا أتوجه إلى مدينتي وأقول لأبنائها إن هذا المشروع هو لهم ومن أجلهم، ومن أجل مصلحتهم ومصلحة أبنائهم، ومن يستطيع إنجاز هذا المشروع ويقوم بتنفيذه أنا معه”.
حبّذا لو صارح رئيس الحكومة أبناء مدينته عن الأسباب التي عرقلت ما تعهد به، وهو الذي تسنى له ترؤس الحكومة بتمثيلٍ سياسيٍ كبير، بالإضافة إلى ستة وزراء، خمسة منهم من طرابلس فقط، وأحدهم تولى وزارة المال، وتوفّرت لهم حينها كل السبل لتنفيذ ما لم يستطعه الآخرون، ولكنهم لم يفعلوا للمدينة شيئا…!
يا حبذا لو صارح دولته أبناء مدينته، وأخبرهم عن العراقيل التي تواجهه وواضعيها، وطلب منهم مؤازرته في الشارع، وهو يدرك تماما أنه لن يتلكأ أحد، أو يتهرب من أجل طرابلس وفي سبيل هذه المدينة المظلومة وأهلها ومستقبل أبنائه…
ويا حبّذا لو قام دولته بإنفاق جزء من ماله السياسي الانتخابي، على المصانع المُهمَلَة والمعطلة في منطقة البحصاص، وأعاد تشغيلها والتي سوف توفر مئات فرص العمل، بل آلاف… وهو الذي دعا يوماً إلى إنشاء صندوق إنمائي للمدينة بمساهمة أولية قدرها خمس وعشرون مليون دولار، بينما الجامعة التي أنشأها لتخفف من تكاليف وأقساط التعليم الباهظ، صارت حكراً على المقتدرين وعظام الرقبة…!
ننتقد دولته وهو المؤسس لتيار العزم السياسي، ونذكره أنه على قدر أهل «العزم تأتي العزائم»… ومن ثم نتوجّه إلى نوابنا الجُدُد، تغييرين كانوا أم سياديين، وننبههم لكي يتداركوا أمورهم جيدا وهم يتبوأون مهامهم الجديدةً. وحذارِ… ثم حذارِ… من المطبٍّات التي ستواجههم في الغد القريب، لأنه من غير المسموح لهم على الإطلاق أن يقولوا لنا يوما على غرار من سبقهم «ما خلِّونا»..



