مقالات

معجزة الثورة السورية بعد تسع سنوات.. الضحية أقوى من قاتليها.. “3/3”

محمد خليفة/ أوروبا

خاص “المدارنت”..

… ما النتيجة الاخيرة التي يمكن استخلاصها؟

الشعب السوري مني بخسائر باهظة جدا وقدم تضحيات هائلة, ولكنه ما يزال صامدا يقاتل دفاعا عن وجوده وبلاده وحقوقه, وسيظل حتى يستعيد حقوقه ويفرض ارادته, وسيخرج منتصرا, وسيكون لانتصاره نتائج كبيرة على المنطقة والعالم لمدى طويل, ستكون بمثابة تعويض أدبي وحضاري له.

أما الآخرون الذين اقترفوا جرائمهم ودعموا السفاح, وحاولوا الهيمنة على سوريا كالايرانيين والروس واتباعهم, والدول الغربية الكبرى التي مارست اقصى درجات الخسة والنفاق والنذالة, وكذلك العرب والاتراك الذين تقاعسوا عن دعم نضال الشعب السوري, والعمل على فرض حل سياسي منصف خرجوا أو سيخرجون مهزومين اخلاقيا وسياسيا، واقتصر ما حققوه على زيادة خسائر الشعب السوري من القتلى الأبرياء والجرحى والمعاقين وأعداد المهجرين، ولذلك لن ينجوا من آثار خطاياهم وأخطائهم، وسيظلون يدفعون الثمن لسنين قادمة ماديا وامنيا داخل بلدانهم, ولن يفلتوامن نتائج ما حدث وعقابيله, وستطاردهم لعنات التاريخ كمجرمين وقتلة وفاسدين كالمغول والتتار والصليبيين, وهذا نوع من العقاب المستمر, سيطال أممهم ، وأجيالهم القادمة لمئات السنين. ويمككنا ضرب بعض الامثلة:

روسيا التي اخذت بعد تحررها من النظام السوفياتي, وهزيمتها في افغانستان, واقتربت من العالم الديموقراطي المتحضر, عادت بعد غزو سوريا وجرائمها ضد المشافي والمدارس والمدنيين دفاعا عن نظام توتاليتاري لتحتل موقع الدولة الامبريالية الارهابية المعادية للشعوب وللحرية وللقانون الدولي. وهذا حكم غير مكتوب ولكنه سيؤثر على مصالحها المادية ومركزها وسمعتها لعقود طويلة.

ايران التي بهرت ثورتها عام 1978 العالم كنموذج باهر للنضال الشعبي من اجل الحرية، والقيم الانسانية السامية، تحولت بعد تدخلها في سوريا لقمع شعبها ونصرة نظامها نموذجا مبتذلا ومكروها ومنحطا للدول الاستعمارية والاستبدادية المارقة التي تنشر الفوضى وتستبيح حرمات الدول والشعوب.

“حزب الله” الذي مثل يوما المقاومة بمواجهة اسرائيل، سقط اخلاقيا وسياسيا وخسر الآلاف من نخبة المقاتلين, وفقد شرعيته بسبب جريمته في سوريا وخطابه الديماغوجي.

كل الأطراف الخارجية التي سمحت لنفسها بالتدخل في المحرقة السورية، وتدخلت لقمع الشعب وحماية النظام كايران وروسيا، باتت الآن تتخبط في المستنقع الدموي الذي صنعته بأيديها, وباتت تدفع اثمانا باهظة لتورطها العدواني, وفشلها في فرض رؤيتها. ولا يقتصر هذا الوضع على الدول التي تورطت فعليا، بل يشمل أيضا الدول الكبرى التي تقاعست عن المعالجة المنطقية للازمة، ورفضت توفير الحماية الاممية للشعب السوري, واسقاط الاسد بحجة عدم وجود حل عسكري.

ايران، وعلى الرغم من قوتها الظاهرة في سوريا، بدأت تخسر نفوذها ويتراجع دورها، وصارت دولة مكروهة بين السوريين بما فيهم الفئات الموالية للنظام, وأخذت ورطتها ترتد عليها في الداخل الايراني بسبب اكلافها البشرية والمادية وترتد عليها خارجيا في صورة عزلة عربية واسلامية، الامر الذي يهيىء أفضل فرصة لادارة ترامب لضربها ومواجهتها.

“حزب الله” دخل الصراع، وهو قوة عسكرية وسياسية تتمتع برصيد معنوي وطني وعربي كبير, وتحول الآن جيشا من العملاء، منهكا عسكريا ويفتقر للحاضنة اللبنانية والعربية, ويجعله هدفا سهلا للعدو الاسرائيلي.

روسيا حاولت استثمار تدخلها العسكري سياسيا، واعادة تعويم دورها كوسيط لصنع السلام، عبر رعايتها للهدنة ولقاء آستانة وأخيرا مشروع الدستور, ولكنها لم تحصد سوى الفشل وقوبلت بمعارضة شبه تامة من ممثلي شعبنا, ولم يجرؤ أحد على تبني دستورها المقترح، بما فيها (المعارضة) التي صنعتها بنفسها. وحتى هذه أخذت تتفكك ويتبرأ رموزها من علاقتهم بها.

ولا بد من الاشارة الى أن دوائر عديدة في الغرب وروسيا نفسها، تؤكد أن خسائر حربها في سوريا، أكبر بكثير مما اعترفت به, وفاتورتها المادية أعلى, مما يبدد وهم (نصرها)، ويحفزها لايجاد طريق للانسحاب مع حفظ ماء الوجه!

الولايات المتحدة تجني أشواك سياسة (الرئيس الاميركي السابق باراك) أوباما في سوريا، وسماحه بالغزو الايراني – الشيعي، كما فعل (الرئيس الأميركي الأسبق جورج) بوش في العراق, وتواطؤه مع الغزو الروسي.

الدول الاوروبية دفعت وما تزال تدفع من أمنها واستقرارها، ثمن سياساتها العاجزة ورفضها لمبدأ التدخل المبكر لإسقاط النظام، الذي خلق وفاقم الازمة ووفر الظروف لظهور المتطرفين والارهابيين.

تركيا أيضا دفعت وستدفع أكثر ثمنا فادحا امنيا واقتصاديا، نتيجة اضطراب مواقفها بين الاندفاع السياسي والتردد والوهن العملي, وانقلابها على نفسها بالانتقال من محور الداعمين للثورة السورية، الى محور القتلة والغزاة والطغاة بقيادة بوتين والفرس.

الدول العربية (الخليجية) خرجت مهزومة أمام ايران وروسيا, ليس لأن الثوار هزموا, ولكن لأنها لم تطور تأييدها لهم الى المستوى الذي يمكنهم من اسقاط النظام بالقوة.

أما شعبنا السوري، فهو وحده الذي لم يغير أجندته الثورية, ولم يتراجع عن أهدافه منذ مارس 2011, رغم أنه تحمل ثلاثة مستويات من الاجرام والتآمر, أولها وحشية العصابة الحاكمة, وثانيها العدوان المتعاظم لايران ومرتزقتها وروسيا، وثالثها هو التواطؤ والتخاذل الدولي والاقليمي.

ومن الملاحظات الرئيسية التي رافقت تطور الصراع، أن كل طرف من الأطراف المتورطة، تهيأ له أنه يسير بثبات لتحقيق أجندته على حساب شعبنا, إلا أن المشهد الذي يتشكل الآن على الأرض يتناقض مع المقدمات السابقة وحسابات القوى المتورطة والمتواطئة والمتخاذلة. فالكل يدفع الأثمان والكل يتخبط والكل يبحث عن طريقة لوضع نهاية للورطة بأقل الخسائر, والكل بات يواجه الكل, كما رأينا في معركة ادلب في الفترة السابقة, والى حد أن المحلل المحايد لا يمكنه وضع حدود فاصلة بين العدو والصديق, لأن التحالفات تتقلب دائما، وباستمرار. والأهم هو أن الجميع يشعر الآن أن الأزمة باتت مرهقة له, وتعيده للمربع الأول, أي الشعور بحتمية التدخل الخارجي لحماية السكان, واسقاط النظام كحل وحيد.. بدلا من التصور الاجرامي المستحيل الذي تبنته ايران وروسيا، أي إسقاط الشعب السوري بدل اسقاط الطاغية وحده!

الشعب السوري، وعلى الرغم من جسامة خسائره وتضحياته، هو الطرف الثابت الوحيد في معادلة الصراع، الذي لا يزال قادرا ومستعدا لمواصلة ثورته ودفاعه عن نفسه وحقوقه, ومتمسكا بأجندته الوطنية: حتمية إزالة النظام بكل مؤسساته. وهذا الموقف يشكل عامل قوة حاسمة في أي صراع, لأن الارادة هي العامل الحاسم في أي صراع, وليس السلاح، لا سيما إذا كانت الارادة يدعمها اجماع وطني وتستند الى مشروعية اخلاقية. وكم من الثورات استطاعت قلب موازين القوى ومعادلات الصراع، بفضل الصمود والاستمرار بعد أن تهيأ لأعدائها الاجهاز عليها أو هزيمتها.

لقد كان واضحا منذ 2012، ان نظام العصابة اندحر وانهار فاستنجد بحزب الله, ولكن اسطورة هذا تلاشت منذ مطلع 2014, فاستدعى تدخل ايران بحرسها ومرتزقتها, ولكن هذه أيضا هزمت منذ اواسط 2015, وتوسلت بالروس، فتدخلوا بأقصى قوتهم العسكرية, وقاموا بأقصى ما يمكنهم, ولكنهم لم يتمكنوا من فرض أجندتهم السياسية, وباتوا محاصرين بين إدانة عالمية شاملة, ومقاومة سوريا صلبة. ومن يدقق في سلوكهم الآن يرى أنه يعبر عن شعور مضمر بالهزيمة, ورغبة بالانسحاب بطريقة تحفظ مصالحهم.

فشل آستانة وفشل محاولة تسويق الدستور وفشل لقاء موسكو, ورفض ممثلي المعارضة لالاعيب (وزير الخارجية الروسي سيرغي) لافروف, هي بمثابة رصاصة الرحمة على الدور الروسي كوسيط سياسي.

وتشي التغيرات الجديدة في العالم على غير صعيد، بأن الجميع بما فيهم ايران وروسيا يقتربون من لحظة الحقيقة: لا بد من اسقاط النظام كحل لهذه الأزمة. وهناك معلومات ذات مصداقية عالية عن اللجوء الى الديبلوماسية السرية، لابرام صفقات واقعية بين الاطراف الرئيسية: التركية – الروسية, والغربية – الايرانية، هدفها الاتفاق على خريطة طريق للخروج من المأزق, ومعالم مرحلة ما بعد الأسد!

 

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى