مقالات

… مـرحـلــــة الـتـيــــه الـعــروبـــي!

د. محمد الحسامي/ اليمن
خاص “المدارنت”.. 
منذ وعيت في هذه الحياة، ومع مرور الوقت وحتى اليوم، وأنا أشاهد وأسمع واقرأ وأعيش ظاهرة سلبية خطيرة، تلك الظاهرة متمثلة بظاهرة احتقار العرب، كشعب في المقام الأول، ووصفهم بأبشع الصفات غير الأخلاقية.
وقد يصل الأمر إلى شتمهم وسبّهم بأقذر الكلمات والعبارات والجمل، ليس من ممّن ينتمون إليهم، فتلك يمكن فهم مصدرها والغرض منها والأسباب لها، إنما يتم ذلك جهارا نهارا وفي كل لحظة، من قبل مَن ينتمون إليهم وجزء منهم.
الأنظمة، ومن يدور في فلكها، ويُسبح بحمدها، تفعل ويفعلون ذلك، المعارضة، ومن ينتمون إليها تفعل ويفعلون ذلك، النخبة، ومن على شاكلتهم يفعلون ذلك، المثقفون والمتعلمون والأكاديميون وقادة الرأي العام، من حزبيين وغير حزبيين يفعلون ذلك، الجهلة والغير متعلمين والأميون يفلعون ذلك، الفلاحون والعمال والمهنيون وأرباب الحرف والصناعات التقليدية وغير التقليدية يفعلون ذلك، الفقراء والأغنياء وأصحاب الدخل المحدود ورجال الأعمال يفعلون ذلك، الأطفال والشباب والشيوخ والنساء والرجال يفعلون ذلك، الوطنيون والقوميون واليساريون والأمميون والمتأسلمون والعلمانيون والليبراليون يفعلون ذلك، الدينيون واللادينيون يفعلون ذلك، الناس البسطاء والعامة يفعلون ذلك…
الكل يفعل ذلك، يفعلون ذلك في كل مكان وفي كل زمان وفي كل لحظة، في صحيانهم وحتى في منامهم، يفعلون ذلك في “مقايلهم” ومنتدياتهم وأماكن تواجدهم، في البيوت والشوارع والمقاهي والحافلات والمؤسسات ومقرات أعمالهم، وفي جامعاتهم ومدارسهم ومعاهدهم ومقراتهم ودور عبادتهم.
يفعلون ذلك في مناصبهم وفي معتقلاتهم وسجونهم، يفعلون ذلك وهم فيها وفي خارجها، يفعلون ذلك تلفظا وأقوالا ونشرا، عبر جميع وسائل الإعلام المختلفة، وعبر جميع وسائل الإتصال والتواصل الإجتماعي، حتى أننا إذا ما قمنا بتصفح وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا، نجد العجب العجاب والعجيب فيها حول ذلك.
يفعلون ذلك، وكل منهم يُحمل الآخر وِزر ما آل إليه العرب وآلوا إليه، يفعلون ذلك ولا يفكرون مجرد تفكير بمسؤوليتهم حيال ذلك، يفعلون ذلك ولسان حال كل واحد منهم يقول: أنا فقط الصح وعلى صواب وغيري عكس ذلك.
كلما أشاهد وأرى وأسمع واقرأ وأعيش كل ذلك، من قبل كل أولئك، وهؤلاء، يخيل لي بأنهم يعيشون في بلاد غير بلاد العرب، وأرض غير أرض العرب، وبأنهم يعيشون في بلاد أخرى وأرض أخرى، وكأنها بلاد وأرض “الواق الواق”، وبأنهم لا ينتمون إلى بلاد العرب وأرض العرب، إنما ينتمون إلى بلاد وأرض “الواق الواق”، حتى أنني من كثرة ما أشاهد وأرى وأسمع واقرأ، ينتابني في لحظات متكررة شعور وإحساس بأنني معهم، وبأنه من الواجب علي بأن أقطع تذكرة واسافر إلى تلك البلاد وتلك الأرض، التي يفعلون فيها فعلتهم، لأعرف هل تستحق ذلك كله! لأعود وأكتشف، بأن تلك البلاد وتلك الأرض هي بلادهم وأرضهم؛ وبأن ذلك الشعب هو شعبهم، وبأنهم ينتمون إليها وإليه؛ وبأن ما يقومون به، ويفعلونه، مردود عليهم أولا وآخرا، وبأنهم أساسا يحقرون ويحتقرون أنفسهم ويسبّوها.
يا للهول، ويا للكارثة، ويا للمصيبة، قد أستطيع فهم وتفهم كل ذلك وأكثر منه، ولو أنني لا أقبله، إذا صدر من عامة الناس وبسطائهم، إنما مالا أستطيع فهمه وتفهمه، وما لا أقبل به ولن أقبله ما حييت، أن يصدر ذلك من قبل من تُسمى نفسها بالنخبة، حاكمة أم غير حاكمة، فتلك والله هي الطامة الكبرى، وذلك والله هو الشتات الفكري والثقافي والإجتماعي.. إلخ. وتلك والله هي فقدان الهوية وإنعدامها.
الخلاصة: إنها “مرحلة التيه العروبي”. ولا شيء سواها.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى