عربي ودولي

مـشــاهــدات مــن مـديـنـــة فـالـنـســـيا/ فـنـــزويـــلا.. (1)*

صورتان لسوق “المركادو غواهيرو” من الخارج والداخل

فنزويلا/ خاص “المدارنت”..

عبد الناصر طه/ فنزويلا

1 – سوق الغواهيروس
(الغواهيروس) هم جماعة عرقية من قبائل الهنود الحمر سكان أميركا اللاتينية الأصليين، ويقطنون في منطقة حدودية على اطراف دولتي كولومبيا وفنزويلا، ويقدر عددهم بأربعمائة ألف شخص.
وإلى هؤلاء ينسب السوق التجاري الأكبر على مستوى دولة فنزويلا، في قلب مدينة فالنسيا؛ وكان سابقا يعج بالبائعين من أبناء القبائل الهندية، بينما هو اليوم أنشط سوق جملة يسيطر أبناء الجالية العربية على القسم الأكبر منه، لذلك وجب أن يطلق عليه: سوق العرب.
قبل حوالي عشرين عاما، وبعد أزمات اقتصادية خانقة تعرضت لها مدينة “مايكاو” الكولومبية الحدودية مع فنزويلا، بدأ توافد التجار اللبنانيين إلى منطقة السوق التي كانت صغيرة نسبيا تعتمد على عشرات المحلات والبسطات التجارية المختلفة، وسرعان ما تطور النمو فيه مع ازدياد أعداد الوافدين اليه من أبناء الجاليات في كل من “مايكاو” كولومبيا، ومن مدينة ” ماراكيبو” الفنزويلية، ثم انضمام تجار آخرين من مدن أخرى ساءت أحوالها التجارية.

2 – السوق التجاري: مقابلات ومشاهدات
خلال زيارتنا مدينة فالنسيا، كان من الضروري ان نقوم بزيارة السوق، وأن نلتقي مع كثير من أركانه ورواده الأوائل، وكان لقاؤنا الأول مع السيد فريد درويش أحد أبناء بلدة بعلول البقاعية، وهو أحد أبناء المرحوم الأستاذ سعيد درويش الذي طبعت بصماته التربوية والإنسانية منطقتي البقاع الغربي وراشيا، من خلال مساعداته الجمة في المعهد المهني والتقني ، ومن خلال الجامعة اللبنانية الدولية الكائنة في بلدة الخيارة البقاعية.

السيد فريد سعيد درويش

تحدثنا مع السيد فريد سعيد درويش عن “المركادو غواهيرو” وعن هجرة أهالي “بعلول” إلى فنزويلا، إلى دور المؤسسات العربية والإسلامية، ثم عن مساهمته مع أشقائه في انشاء مؤسسة الاستاذ سعيد درويش الخيرية.
وكانت مجمل إجاباته على أسئلتنا قوله: أنا من أبناء الهجرة الرابعة إلى كولومبيا عام 1982م، ومن الأوائل الذين قصدوا مدينة فالنسيا، ثم انشأوا تجارة في ” المركادو غواهيرو”؛ وكجزء من اغتراب أهل بعلول الذي توزع بعد عام 2001 م، بين مدن ماراكيبو وفالنسيا وباركيسيمتو، علما ان انتشارنا بدأ قديما في جزيرة مارغريتا ثم العاصمة كاراكاس مع أشخاص من عائلات درويش والنسر وطيجن.
وقد ترأس أبناء بعلول عددا من الجمعيات الخيرية الإسلامية في أكثر من مدينة في اميركا اللاتينية وبنوا المساجد والمدارس العربية والنوادي الثقافية الإجتماعية، ما جعلهم في مصاف الرواد من المهاجرين اللبنانيين، منهم الحاج قاسم طيجن في جزيرة مارغريتا الساحلية، ومنهم شقيقي بليغ درويش، الذي يرأس الجمعية الخيرية الإسلامية في منطقة paraíso، في العاصمة الفنزويلية كاراكاس.
أما عن وضع الجالية اللبنانية في مدينة فالنسيا، فيقول: إن جاليتنا موحدة في جميع المناسبات، وترى اللقاءات والسهرات قائمة في نواد تجمع بينها الجغرافيا، منها ما يجمع أبناء البقاع الغربي، وآخر يجمع الأخوة السوريين، ولا شك أن اكبرها وأقواها هو النادي الفلسطيني المحاذي للمسجد الكبير في المدينة.
وأثنى السيد درويش على أداء السفير اللبناني الأستاذ إلياس لبّس، ابن بلدة قب الياس البقاعية، وأكد على تجاوب السفارة مع أبناء الجالية في كل الأحيان، وتلبية طلبات المهاجرين دون تمييز.
أما عن دور الجالية في مساعدة أهالي البقاع الغربي، فقال: قبل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر فيها وطننا الحبيب لبنان، كنا نرسل المبالغ التي يطلبها المرحوم الوالد، لمساعدة المحتاجين عموما، وفي البقاع الغربي وراشيا على وجه الخصوص، ويأتي في طليعتها ما كان يقدمه من منح مدرسية وجامعية صار أصحابها من الخريجين المرموقين، وكم كنا نفاجأ بأشخاص لا نعرفهم يدعون بالرحمة للوالد، ويصرحون أنهم لم يكونوا يستطيعون إكمال دراستهم الجامعية لولا المنح التي كان يقدمها لأبناء المنطقة. وما زلنا نسعى لإكمال مسيرة العطاء التي انتهجها الوالد تجاه المحتاجين والمعسورين من أبناء بلدتنا وأبناء منطقتنا؛ونحن في صدد ترتيب الشكل القانوني لمؤسسة خيرية سنطلق عليها اسم: “جمعية الأستاذ سعيد درويش الخيرية”، مؤكدين على دورنا الذي رسمه المرحوم الوالد والتواصل مع الأصدقاء الذين شكلوا جسرا انسانيا بين أبناء سعيد درويش وأهالي المنطقة.
في الإجابة على سؤالنا الأخير للسيد فريد درويش، عن دور “المركادو غواهيرو”، قال: المركادو هو سوق شعبي يحتوي على كل ما يطلبه المستهلك من أغراض يصدرها التجار هنا الى جميع أنحاء فنزويلا، نظرا لموقع مدينة فالنسيا في وسطها، والجدير ذكره ان السوق يضم اقوى تجار جملة على مستوى الدولة كلها.

السيد توفيق يوسف

ثم كان لقاؤنا التالي مع السيد توفيق يوسف، ابن بلدة ” الجبين” الجنوبية، التابعة لقضاء صور، وممثل حركة “أمل” اللبنانية في دول جنوب اميركا اللاتينية، في سهرة جميلة وشيّقة، طغت على حديثها معاناة المغتربين في اميركا اللاتينية، من كولومبيا إلى فنزويلا إلى بنما، والجنوبيين منهم بشكل خاص.
في بداية الحديث، قال: لم أوفر جهدا في خدمة الجاليات اللبنانية في اميركا اللاتينية، ولم اتوان يوما عن محاولات توحيد الصفوف والجهود الاغترابية بعيدا عن الطائفية والمذهبية، علما اننا أكثر جالية متضررة من الاوضاع السياسية في بلادنا، لجهة الانقسامات الحاصلة هناك منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري ونشوب الثورة السورية.
نعتبر أنفسنا جالية مستضعفة حيث تطالنا الاتهامات غربا وشرقا، وأي شيعي يعيش في اميركا اللاتينية متهم انه موالٍ لحزب الله، وذلك الاتهام كان ذريعة لمحاربة كبار التجار الشيعة تمهيدا للتضييق عليهم ثم التعدي على املاكهم وحقوقهم الشخصية.
لذلك، فاذا اردنا الاستطراد في الحديث عن الإرهاب، فهو عالمي يتجاوز الأديان والقوميات، ولا يمكن لأحد أن يحصره في أبناء دولة معينة او دين او مذهب محدد، ومثله التزوير، وللعلم فإن أكثر جوازات السفر المزورة في العالم بيعت لتنظيم داعش الارهابي.
أما عن موقعه المسؤول في حركة “أمل” على مستوى دول جنوب اميركا اللاتينية، فيقول: انا اعتبرت هذه المسؤولية تكليفا وطنيا، استطعت من خلالها نسج صداقة مع كثير من المغتربين اللبنانيين على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، من أبناء زغرتا والكورة إلى أبناء الجنوب ومنطقتيّ البقاع الغربي وراشيا، وكنت عاملا على خدمتهم ومساعدتهم في كل قضية عامة او خاصة، وانا أفتخر بالعلاقات الجيدة التي تربطني بأبناء الجاليات العربية أيضآ، من فلسطينيين وسوريين.
واليوم تتضاعف آمالنا بعد الاتفاق السعودي الإيراني، والانفتاح العربي على سوريا، ما يدفع الجاليات إلى التضامن الذي حرمنا منه فترة ليست بقصيرة؛ ونجدد دعوتنا للسلك الدبلوماسي العربي في اميركا اللاتينية لحماية أبناءنا من التعرض لهم في بعض مطارات المنطقة من تحقيق وتوقيف ومنع سفر، كنوع من العقاب على انتماء لطائفة معينة او اتجاه سياسي له شرعيته القانونية.
وحول النشاط الإجتماعي في مدينة فالنسيا، أخبرنا السيد توفيق انه اتفق مع مجموعة من أبناء الجالية الجنوبيين على إنشاء ناد ثقافي رياضي اجتماعي لجمع العائلات المتوزعة على مساحات كبيرة في المدينة؛ أما عن عمله في المركادو، يشير إلى تحول محله إلى مكتب مراجعات لمساعدة أبناء الجالية على حل مشاكلهم ما استطاع، خاصة عبر السلطات الرسمية وأجهزة الدولة.
كما اثنى على جهود السفير اللبناني الياس لبس في هذا المجال.

أكشاك تعرض منتجات من صنع الهنود الحمر

باختصار، المركادو غواهيرو، كلمة معروفة في عموم فنزويلا، سوق تجاري كبير وجميل، يعمل فيه تجار لبنانيين في معظمهم، يجتمعون ويلتقون حين تشتد الأزمة التجارية هنا، وعندما تقل حركة الزبائن القادمين للشراء، ترى كثيرا منهم على باب أحد المحلات او داخله، وتسمع نقاشاتهم الحادة وأصواتهم المرتفعة، ولا يتفقون إلا على ادانة الطبقة السياسية الفاسدة الحاكمة في لبنان، ويدعون ربهم يوميا للتخلص منها .لأن الأمل الذي يراود المهاجر بالعودة، سرعان ما يتضاءل عند فئة الشباب التي تمثل اكثرية التجار في المركادو، أولئك الشباب الذين حرمهم السياسيون نِعم الحرية والتعليم وأقفلوا عليهم سبل الحياة الحرة الكريمة.
ولنا عودة إلى “mercado los guajiros”، في تحقيق جديد عن أوضاع الجالية العربية في مدينة فالنسيا/ فنزويلا وشوارعها، ضمن دراسة تفصيلية للحضور العربي في فنزويلا.
* نشر اليوم بالتزامن مع “موقع الشراع”

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى