مقالات
مـــات مـــن زمـــان..!

خاص “المدارنت”..
أبو صالح رجل فقير غنيّ هو فلاح نشيط وفّرت له اتعابه في الأرض أهمّ ضروريات حياته ، فعاش وأسرته على الكفاف راضيا” قنوعا”. وهو بهذا المعنى فقير لا يملك أسباب الوفرة المادية والغنى.
لكنّ رصيده في قلوب امثاله من فلاحي القرية كان وفيرا” ؛ فعلاقاته بهم تقوم على الإلفة والمحبة والتعاون . وقد كان لهذا جذوره في نفسيته الطيّبة وشخصيته التي ترعرعت في مناخ الأخلاقيات والقيم السامية.
هو كأقرانه من فلاحي القرية لم يصب من علوم المدرسة القديمة غير نزر يسير يكاد لا يفي بالحاجة ل “فكّ الخرف” . لقد امضى في تلك المدرسة أشهرا” لم تضف الى أمّيته الموروثة علما” جديدا” يواكب متطلبات الحياة الحديثة.
ترك المدرسة ، وانصرف الى الحقل يطلب رزقه بعرق جبينه. اقترن باحدى فتيات الضيعة ، وأقاما شراكة زواج مبنيّة على المحبة والتعاون ، وكان ” صالح” أوّل ثمارها ؛ ولكنّ ظروف الإنجاب لدى الوالدة كانت متعسّرة ، فغدا “صالح” الولد الوحيد المدلّل لدى ابويه ، فما كان لهذا الدلال إلا أن انعكس سلبا” على شخصيته ، فنشأ فتى” عاقّا” متمردا” ، تقوده غرائزه وميوله وتذهب به احيانا” كثيرة الى ما يخالف رضى والديه ويسيء الى سمعتهما .
ويبلغ العقوق بالفتى غايته ، ويدرك مرحلة شبابه وعلاقته بأبيه نحو مزيد من التأزّم ؛ فهو لا يسمع كلمة ، ولا يصدع لمشورة ، ولا يستجيب لتوجيه وإرشاد .
وتبلغ الأزمة أشدّها ، والإنفعال بالوالد مداه ، فيصيح بابنه :
” فِلّْ . ما بدّي شوفك بهالبيت بعد . وقت اللي بتصير تحترمنا ، وتسمع كلمتنا بترجع .
غادر صالح دار أبيه غير مستجيب لاستعطافات الوالدة ودموعها الحارّة التي لم تفلح في تهدئة غضبة الوالد ، وثني ابنها المشاكس العنيد .
غادر صالح غير ملتفت الى الخلف . كان في جيبه نقود انتزعها من محفظة أبيه، وفي ذهنه آمال بتحصيل الثروة والجاه والغنى في العاصمة ، بعيدا” عن قريته التي لم يساكن فيها غير الروتين الذي لا يجلب غير الملل والقرف والاشمئزاز .
كانت أياما” عصيبة على حياة الأبوين – وخاصة” الأم – تلت مغادرته الديار . لقد خلّف لديهما جرحا” بليغا” لم تدمل آثاره الايام والسنين ، وإن خفّفت من وقعه الأليم .
بضعة عشر عاما” مضت من عمر غيابه ، غدا الشاب بعدها كهلا” ، والأب الكهل شيخا” تسنده عصاه في صحراء الشيخوخة .
فترة طويلة انقطعت فيها أخباره . لكنّ السنوات الاخيرة كانت تنسم على الوالدين بأخبار طيّبة ؛ فصالح في العاصمة بيروت ، وقد اصاب ثروة طائلة ومجدا” كبيرا” .
كان الناس في القرية يتداولون أخباره، وهي اخبار تتراوح بين النضخيم والتحجيم ، إلّا أنّها كانت تجمع على أنّه يملك عددا” من الفنادق والمطاعم والمنتجعات السياحية ، وأنّ دارته في العاصمة ملتقى اصحاب المال والأعمال ورجال الأمن والسياسة ، وأنّه الوسيط الذي يعوّل عليه لدى أبناء منطقته للتواصل مع ذوي السلطة والنفوذ من المسؤولين نحقيقا” لمصالح وخدمات منشودة .
كثير من أبناء القرية والجوار كانوا يقصدونه لنوظيف أبنائهم ، وكان سريع التلبية ، مقابل مبالغ تدفع له بسخاء .
كانت اخبار صالح تقع على مسامع والديه فتثلج قلبيهما ؛ فقد اطمأنّا أخيرا” عليه ، وسعدا بما تحقّق له من نجاح باهر تخطّى حدود التوقّع ؛
لكنّ هذه المشاعر السعيدة لم تكن لتطفئ جمرة تتوقّد في الصدر ، وتشعل ألما” دفينا” كاويا” ؛ ف “صالح ” الذي يتألّق نجمه بين رجال الأعمال ، وذوي السلطة والنفوذ ، ويؤمّ دارته طلاب المصالح والخدمات ، يتناسى والديه ويتجاهل ماضيه بينهما في دار الطفولة والشباب .
يسأل “بو صالح” زوجته ، وهما على مصطبة دارهما ، يتبادلان حديثا” موجعا” عن فقيد حيّ مضى ولم يعد:
– كيف شايفي يا عطور ؟ الظاهر “صالح” نسي إنّو إلو أهل بهالضيعة. ولو ! نسي كيف كنّا ندلّلو ، وما يطلب شي إلّا ونعطيه .
– صحيح يا بو صالح . المتل بيقول : ألبي عا ولدي وقلب ولدي عحجر . على كلّ حال . الله يوفّقه ويسعده ويسهّل أمره .
– أولك قسيت عليه يوم اللي طردته من الببت ؟
– لا يا بو صالح . لاتحمّل حالك ذنب . كل واحد بيغضب .هي فصوله ما كانت تنحمل .
كان الحديث يعزف على أوتار حزينة . وفجأة يظهر ما لم يكن في الحسبان . إنّها لسيارة فخمة بيضاء تتوقّف قريبا” من مدخل الدار ، ورجل خمسيني يترجّل منها بتؤدة ووقار .كانت مظاهر الرفعة والغنى بادية في ملامحه وثيابه .
– وين رحتو يا بيت بو صالح ؟
إنّه صوته ، وهي ملامحه بالتأكيد ، وهذه مشيته لا شكّ في ذلك .
– هيدا إبنّا . ما عرفته يا بو صالح ؟!
– ولو !
هبّا من مجلسهما وأسرعا لملاقاة الزائر الحبيب . وفي ااطريق اليه تعثّر ابو صالح بحافة المصطبة فسقط أرضا”؛ لكنّه لم يعبأ.
نهض من جديد ، وتابع خطواته السريعة نحو ابنه الذي كان يتلقّى وابلا” من قبلات الوالدة الحنون . وعندما وصل ابو صالح ، أحاط ابنه بذراعيه ، ثم جعل يده خلف ظهره ليسير الجميع الى الداخل .
وعندما بلغوا المصطبة هتف الرجل بزوجته :
– دبّري كرسي . صالح ما ببفدر يقعد متلنا عالحصيرة .
اسرعت الأم الى غرفة “المونة” لتنفض الغبار عن كرسيّ خشبي قديم كانت الاسرة تحتفظ به مع اثنين آخرين لجلوس الزائرين الذين لم يعتادوا الجلوس على الأرض شأن ابنها.
جلس صالح وهو يخاطب أباه :
– كنت ع”العاصي” معزوم عأكلة سمك عند صديقنا النائب . قلت بمرق بشؤ عليكن وبتطمّن عنكن وبشوف شو عايزين .
– نحنا بألف خير يابني . ما عايزين إلا سلامتكن . سمعنا عندك عيلي وولاد ببيروت . ليش ما بتجو إنت والعيلي بتقضوا شي جمعة منشوفكن ومنتطمّن عنكن ؟
– بتعرف مشاغلي كتيري . بس لا بدّ ما نجي نقضّي شي كام يوم عندكن .
(ام صالح ) – إي يابني ، إدّيش رح نفرح بولادك اللي رح يكونوا متلك وقت اللي كنت بعمرهن .
– انشالله يا حجي انشالله . وانتو كمان زورونا .
– انشالله ما بتلاقينا الا عندكن .
… واستمرّ الحديث عن أحوال الصحة والعيال والأعمال لقصير من الوقت ، نهض بعده يزمع المغادرة ، فرافقاه الى باب سيارته التي استقلّها ومضى .
*
أيقظ أبو صالح شمس صباحه ، ثمّ مضى يوقظ زوجته ؛ فاليوم موعد زيارة صالح .
لم تكن الزوجة لتنتظر من ينبّهها . لقد أفاقت قبله وشرعت تعدّ ما سيحملانه الى عائلة ابنهم من مؤونة بيتهم وثمار أرضهم ، فجمعت ما امكن حمله من الكشك والمكدوس والجبن البلديّ و”لبنة الجرّة” وما تيسّر من ثمار التين والتفاح والعنب .
في هذا الوقت كان أبو صالح يرتدي ثياب السفر المحفوظة في الخزانة مغسولة مكويّة لهذه الغاية .
ارتدى السترة والقمباز والسروال ، واعتمر الكوفية البيضاء والعقال الأسود رمزيّ الأصالة والشرف في الموروث التقليديّ لدى الفلاحين .
أعد ّ الزوجان للزيارة عدّتها ، وطفقا ينتظران وصول جارهما الذي سيقلّهما وما يحملانه بسيارته الى منزل ولدهما في بيروت .
ولم يطل الإنتظار . وانطلقت السيارة ميمّمة شطر العاصمة . قطعت شوطا” طويلا” في الطريق الى المدينة . كان الصمت سيّد الموقف في داخلها ، وكانت تقطعه بين الحين والآخر أحاديث قصيرة متفرّقة ، حتى إذا بلغت السيارة مشارف بيروت ، وأطلّت على ذلك الوسط العمرانيّ الواسع بأبنيته الضخمة الشاهقة ، وشوارعه الواسعة ، وما عليها من حركة المارّة والسيارات ، كان المسهد باهرا” لدى زوجين يواجهان هذه المدينة لأول مرّة .
إزاء هذا المشهد كان ذهن أبي صالح مسرحا” لأفكار وتخيلات كثيرة:
هل يعقل أن يكون عدد من هذه البنايات الكبيرة ملكا” لابننا ؟! كيف يمكن لمثله أن يحوز على المال الوفير الذي يمكّنه من ذلك ؟! ثمّ كيف استطاع أن يجعل من منزله ملتقى كبار الشخصيات السياسية والعسكرية ؟!
اسئلة لا يقع لها على إجابات شافية ، فيفرّ منها الى اخرى : من تكون زوجته وأولاده ؟ وكيف سيكون استقبالهم لنا ؟ هل ستسرّهم قيافتنا ؟ …
صحا من هذه الأسئلة على صوت السائق يسأله:
– وين بدّي نزّلكن ؟
– قدّام أوتيل ” الروضة ” ب”الحمرا ” . هوّي أوتيل معروف حدّ بيت إبنّا .
أنزلهما السائق مع ما لديهما من حوائج في المكان المحدّد ثمّ قفل عائدا” .
وقف أبو صالح وزوجته على الرصيف بجانب تلك الحوائج ، وأدار نظره في ما حوله للتعرّف على منزل ولدهما .
إنّهما فعلا” امام فندق “الروضة” ؛ لكنْ أين هو منزل صالح ؟ لقد علم الوالد أنّ داره تجاور هذا الفندق ؛ لكنه لم يقع لها على أثر . أين هو إذا” ؟!
التمعت في ذهنه فكرة .
– عطور ، خلّيكِي حدّ هالغراض . بدّي اسأل بهالمحل اللي فاتح بأسفل البناية .
توجّه نحو بوّابة حمراء مفتوحة على دَرَجٍ يؤدّي الى قاعة سفليّة .
كان ابو صالح يهبط درجاته متأنّيا” ، وقد بدأت تتسلّل الى أنفه رائحة منفّرة . إنّها رائحة الكحول . وعندما وطأت قدماه أرض القاعة وجد نفسه قبالة منظر يستفزّ مشاعره أيّما استفزاز . نساء خليعات يجالسن شبّانا” فاسدين متهتّكين الى طاولات عليها كؤوس من الخمور المسكرة .
كان منظر أبي صالح وهو يتحرّك في القاعة بزيّه الريفيّ الغريب مثيرا” لموجة عارمة من ضحكات الاستهزاء .
أسرع اليه النادل مستفسرا”:
– مين بدّك يا عم ّ ؟
– هيدا أوتيل صالح الزين ؟
– إي. هيدا هوّي . وهيدا “البار” تابع لإلو .
كان ابو صالح يريد السؤال عن منزل ولده ؛ لكنّه ، وقد شاهد ما شاهك ، وسمع ما سمع ، اكتفى بما تلقّاه من جواب ، صارفا” النظر عن أيّ شيء آخر .
شكر النادل ، وأسرع يصعد تلك الدرجات فرارا” من رائحة كريهة وقاعة موبوءة .
وعندما أدرك مكان زوجته ، صاح بها :
” تركي كلّ شي ويالله عالضيعة” .
كانت قد قرأت في ملامح وجهه آيات ساطعة من خجل وحزن وغضب .
سارت خلفه لا سؤال ولا جواب . لكنهما وقد قطعا مسافة قصيرة لاحظت عدم وجود العقال فوق رأسه، فسألته: ” وين عقالك ؟
امتدت يمناه الى قمّة رأسه يتحسّس موضع عقاله ، فلم يقع عليه .
قال : ” الظاهر إنّو وقع عن راسي وقت اللي نزلت عهالوكر الموبوء . ما رح إرجع آخده .
أوقف سيارة أجرة لتقلّه وزوجته الى موقف سيارات الضيعة . ومن هناك عادا يحملان خيبة جديدة ووجعا” جديدا” .
وعندما كان يُسأل في القرية عن حال صالح ، كان جوابه حاضرا” :
” صالح مات من زمان . الله يرحمه ويرحم أمواتكن.



