مقتدى الصدر و”جرّة الأذن”… نحو ولاية فقيه صدرية

كتب صادق الحسن/ العراق
.. منذ بروز أسمه بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، أعتاد مقتدى الصدر على ممارسة دور أبوي على أتباعة وممارسة دور الوصاية على المجتمع بشكلٍ عام. مع تأسيس جيش المهدي عام 2003 انشأت محاكم شرعية تابعة لمقتدى الصدر، كانت تقيم “حدود شرع الله” على الناس في الأسواق والشوارع، تعتقل كل من لا يروق لها، تحلق رؤس الشباب لأن قصات شعرهم تحاكي المودة الغربية، تفرض لبس الحجاب على النساء ومن تمتنع يحلق شعرها، ووصلت الحالة إلى قتل المثليين، وغيرها من الممارسات التي يفرضها الصدر وأتباعه على الناس.
بعد هزيمته في صولة الفرسان عام 2008، وذهابه إلى إيران، بدأ مقتدى الصدر بتنظيف تياره وجماعته من تلك العناصر التي كانت تقيم محاكم شرعية للناس، لكنه – اي مقتدى الصدر – أستمر بممارسة دوره الأبوي، وهنا أبتدع مصطلح “الگصگوصة” لمعاقبة وزراء وبرلمانيين تابعين له، في لقاء له مع نواب كتلة الأحرار الفائزين في أنتخابات 2014 حذرهم من “الگصگوصة” التي ستكون حاضرة لكل من ينحرف عن نهج آل الصدر، والگصگوصة هي قصاصة ورق يعلن فيها مقتدى الصدر براءته من أحد أتباعه، ولعل المثال الابرز لضحايا الگصگوصة هو بهاء الأعرجي نائب رئیس الوزراء في حكومة حيدر العبادي، حيث عاقبه مقتدى الصدر وفرض عليه أقامة جبرية في سجن أنفرادي في الحنانة، مقر إقامة مقتدى الصدر.
كان واضحاً أن مقتدى الصدر ،بممارساته هذه، يحاول أقامة ولاية فقيه صدرية في العراق، وعلى أرض الواقع هو يمارس هذه الولاية وإن كانت بشكل غير واضح، فهو يعطي لاتباعه الفتاوي الدينية رغم أنه ليس بمجتهد ويتدخل بالقضايا السياسية والوطنية وكأنه الأمر الناهي في البلد. يأخذ مقتدى دور الدولة في كثيرٍ من الأحيان؛ وما حدث مع متظاهري تشرين أفضل مثال على الدور الذي يلعبه الصدر، فبعد أن حصل على ما يريد من التظاهرات؛ قانون أنتخابات ومفوضية أنتخابات جديدة وحكومة تعتبر صدرية بالدرجة الأولى، أنقلب مقتدى الصدر على المتظاهرين، وهنا مارس الصدر دور الوصاية والابوة على المتظاهرين وتكفل بأنهاء التظاهرات والقضاء عليها بالقوة بحجة أنها أصبحت مرتعاً للفساد، وتبجح مقتدى الصدر لاحقاً في لقاء تلفزيوني بأن ما حدث مع متظاهري تشرين كان مجرد “جرة أذن” لتقويمها وأصلاحها من الإنحراف. يعتقد مقتدى الصدر أنه فوق القانون والدستور ويحق له ما لا يحق للزعماء السياسيين أمثاله.
لا ينظر مقتدى الصدر لنفسه، ولا أتباعه ينظرون له، على أنه زعيم سياسي مثله مثل نوري المالكي ومسعود البارزاني ومحمد الحلبوسي وغيرهم من زعماء النظام السياسي في العراق، بل ينظر لنفسه، وينظرون له، على أنه الولي الفقيه في العراق، يريد مقتدى الصدر أن يكون القائد الأوحد لشيعة العراق،
وما يمنع مقتدى الصدر من لعب هذا الدور بشكل كامل في الوقت الحالي؛ مرجعية السيستاني ذات النفوذ الواسع وميليشات الحشد الشعبي، والتي تتوزع فيها القيادة على مجموعة كبيرة مثل قيس الخزعلي وهادي العامري وأكرم الكعبي.
لا يمكن تفسير الخطوات الأخيرة التي يقوم بها مقتدى الصدر وأقتحامه البرلمان والمنطقة الخضراء بعيداً عن سعيه نحو تأسيس ولاية الفقيه الصدرية، وربما هو يعد العدة ويهيأ الأمور لما بعد السيستاني. يومٍ بعد آخر يكبر طموح الصدر ويقترب من هدفه، فبعد أن كانت جرة الأذن مقتصرة على معاقبة أتباعه توسعت لتطال متظاهري تشرين والنشاطين المدنيين وها هي اليوم تتوسع أكبر لتشمل النظام السياسي بأكمله، فقد وصف الصدر أقتحام البرلمان والمؤسسات الحكومية في المنطقة الخضراء بــ”جرة الأذن”، يبدو أن الصدر أقتربت كثيراً من تحقيق هدفه المنشود: “ولاية فقيه صدرية”.



