مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”28″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمود.
الفصل السابع: الابتلاء مقياس لسيادة الإنسان:
لقد ذكرنا الابتلاء في أكثر من مكان، مقترنًا بالتكليف الذي يستحضره في الذهن، في أكثر الأحيان إن لم يكن في معظمها، غالبًا أو دائمًا، لأن العلاقة بينهما وثيقة جدًا. فماذا عنهما؟ وكيف يبدو الابتلاء في واقع الحال بالمقارنة بما هو عليه في القرآن؟ وهل من اختبار للإنسان يتجاوز تجربته في الحياة؟ فيم خير الابتلاء وفيم شرّه؟ أيصحّ أن يكون محكّا يقف عنده الباحث على مدى سيادة الإنسان وترقّيه؟
والآن لنرَ ذلك كلّه، ونحن نبتلي أنفسنا بالسعي للإجابة عن هذه التساؤلات.
- في التكليف والابتلاء:
1-1- في المعنى: كيف نرى معناهما انطلاقًا وبداية من إعلام ربّ العالمين الملائكة بتكليف آدم بخلافته في الأرض؟ ﴿-إِنِّي جَاعِلٌ فٍي الأَرْضِ خليفةً-﴾ (البقرة: 30)؟
1-1- أ- في معنى التكليف: التكليف هو الطلب أو الأمر بما فيه مشقّة، أو بما يشقّ على المأمور(1)، ولكن، بما فيه خير الإنسان وصلاح أمره أيضًا من وجهة نظر دينيّة؛ ويكون في نطاق ما له وما عليه. وهل من شيء أشقّ على الإنسان من تكليفه بخلافة الأرض؟! إن المشاق والمتاعب والأعباء تبرز حاضرة دائمًا في كل وجوه التكليف المترتّبة على أمره بالخلافة، سواء أكان ذلك في عبادة الله وفرائضها، أم في استعمار الأرض وعقباته، أم في سياسة حكم الناس ومعضلاتها؛ فهي تصغر وتضؤل في بعض التكاليف، ولكنها لا تغيب أبدًا. إن التكليف بخلافة الأرض لهو أعمّ التكاليف كلّها، وأشملها وأكبرها وأعظمها، لما يستلزم الاضطلاع بمهام هذه الخلافة من علم وإرادة وقدرة وأهليّة وحرّيّة ومسؤوليّة. لذا فقد جعل الله هذا التكليف وكل تكليف بقدر وسع المكلّف ﴿لا يُكَلَّفُ الله نفسًا إلاّ وُسْعها-﴾ (البقرة:286)… ولكن، وعلى الرّغم من الظلال الثقيلة التي تلقيها الخلافة على النفوس، يظلّ التكليف بها هو الأكثر تقديرًا للإنسان، والأكبر قيمة ومكانة ورفعة، والأعظم تمييزًا له من غيره من الخلائق في عالم الشهادة.
1-1-ب- في معنى الابتلاء:أما الابتلاء فهو اختبار الإنسان في كيفيّة إنجاز مهمّة معيّنة، أو في القيام بها في دائرة ما له وما عليه. ويتمّ له في تفعيل واستعمال كلّ ما لديه من أهليّة ووسع وسيادة وحرّيّة وجهاز معرفيّ، وخبرة وتجربة وتقنية ووسيلة وأداة، في إطار مسؤوليّته أمام سائر السلطات “المحاسبة الجازية”، من ضمير أخلاقي، ورأي عام، وقضاء قانوني، ودين يؤمن به. إن أعمّ الابتلاءات وأشملها وأكبرها وأعظمها هو الابتلاء بسائر مهام الخلافة، ووجوهها وأعبائها وتعهّداتها في حياة الإنسان كلّها. ويكون هذا الابتلاء، في النحو والكيفية، والمدى والكميّة التي يتمّ بها، معيارًا لمدى استجابة الإنسان للتكليف، والوفاء بالتزامه، كما يكون جزاءه، ثوابًا وعقابًا، أمام السلطات المذكورة، في إطار سيادته ومرجعيّتها المترتبتين على تكليفه بالخلافة على الأرض. هذا، ومن معانيه “الإبلاء والبلاء، الإنعام والإحسان، والصنع والعمل” (2).
1-2- في العلاقة بين التكليف والابتلاء: إن العلاقة بينهما عميقة ولصيقة في إطار الفهم العميق والشامل لأمر تكليف الإنسان بخلافة الأرض. ففيم تبدو أوجه هذه العلاقة؟
1-2-أ- التكليف علّة الابتلاء: إن أمر التكليف بالخلافة يؤذن بأن يكون للإنسان نشاط يمتحن فيه في سائر أرجاء مملكته في عالم الشهادة؛ ولولا ذلك الأمر، لما كان هذا النشاط، ولما كانت مادّة للاختبار فيها. ففي هذا السياق، يبدو التكليف سببًا للابتلاء، أو مفضيًا إليه على الأقل. ولقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة في أكثر من مكان. فهذا كلام سماويّ يؤكّد أن الله قد خلق الإنسان يختبره في ما يقوم به في حياته، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:2)؛ ولقد خلق الموت والحياة ليمتحن الناس أيّهم المحسن صنعًا وأيّهم المسيء عملا، ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا-﴾ (الملك:2)؛ والشيء نفسه نراه في اختبار الناس في التعامل مع زينة الأرض”، ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ (الكهف:7)، كما في خلقه تعالى السماوات والأرض ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا -﴾ (هود:7). لقد جاء الابتلاء في “أي الناس أحسن عملاً” مكرّرًا في الآيات الثلاث، بعد الخلق، ما يجعله من أجل اختبارهم.
1-2-ب- الابتلاء هو الوجه التطبيقي للتكليف: ان التكليف، في سائر وجوهه، من “عبادة لله” و “استعمار للأرض” و”حكم للناس”، في ما يأمر وينهى، وفي ما يحلّل ويحرّم، وفي ما يهدي ويرحم ويبشّر ويَعِدُ، وفي ما يحذّر وينذر ويتوعّد، إنه في كل هذا وذاك، يعيّن للإنسان ما يأمره بالقيام به في إطار ما له من حاجات ومصالح وحقوق وحريّات، وفي ما عليه من واجبات وتكاليف وفرائض. بيد أن هذا التعيين يبقى نظريًّا ومعلّقًا ما لم ينهض الإنسان بما لديه من إمكانات وأهليات وكفايات، ليأخذ تلك التكاليف إلى ساحة الواقع، مسرح نشاطه وسيادته، فيسعى إلى تلبية الأمر في ما يستجيب له منها، تنفيذًا وإنجازًا حيث يحتمل أن يصيب ويفلح في ذلك وأن يخطئ ويخفق فيه، انطلاقًا من فهمه مادّة التكليف، وبالرجوع إلى كيفية استعمال ما لديه لترجمة هذا الفهم على أرض الواقع، ثم يحاسب ويحاكم ويجزى في ما كان بلاؤه، ثوابًا على الحسن منه، وعقابًا على السيئ منه أيضًا. فالابتلاء الذي يلّبي به الإنسان أوامر التكليف، ويختبر فيها أهليّته وسيادته وحريّته ووسعه في نطاق مسؤوليّته أمام السلطات المحاسبة الجازية، ينقل مضامين التكاليف وألوانها من الصعيد النظري إلى الصعيد العملي الإجرائي التطبيقي وفقًا للتنظير البشري له. ولعلّنا لا نحتاج إلى الكثير من الأمثلة للتدليل على هذه الحقيقة. فالتكليف بإقام الصلاة، إيتاء الزكاة، وصيام رمضان، مثلاً، يظل معلّقًا حتى يقوم المؤمن أو المؤمنة بأداء هذه الفرائض فعلاً، مبتلى أو مبتلية بها، في مدى صدقهما وإيمانهما وإخلاصهما وإحسانهما، كما في المدى المغاير.
1-2-جـ- التكليف والابتلاء يلازمان الإنسان في حياته الدنيوية: لعلّنا لا نغالي إذا ما قلنا إن الحياة البشرية في الأرض كانت تكليفًا للإنسان بها وابتلاء له فيها؛ وإنهما لازمان وملازمان لحياته؛ وهما أيضًا في حال من لزوميّة أحدهما للآخر في الحياة نفسها. فالتكليف يستلزم الابتلاء لتبيان مدى استجابة الإنسان له، والالتزام به، والبلاء فيه، والمسؤولية عنه حتى يصحّ تقويم ذلك كله، ويستقيم الجزاء عليه. ولولا الابتلاء لما كان عالم الشهادة موسومًا بفعل الإنسان. والابتلاء يستحضر التكليف لبيان شرعيّة القيام به من استجابة وقبول واختيار له، وحرّية فيه ومسؤولية عنه من قِبل الإنسان المبتلى حتى يستحق الحساب ويتحقق العدل. إن هذه اللزومية لا تلغي كون التكليف علّة للابتلاء على نحو ما ذكرنا، لأنه بغياب التكليف الذي فيه مادة امتحان الإنسان، ينتفي وجود الابتلاء على نحو ما هو قائم ومعروف لنا على الأقل.
1-2-د- التّكليف والابتلاء كلاهما في إطار سيادة الإنسان في الأرض: لقد تحدّثنا عن الحريّة بما يكفي ويفي بالغرض بشأن ما هي عليه حال الإنسان المتدّين. فالقانون الذي أخذنا به، والذي أخذنا بعدله ورقّيه، هو الذي ينفي عن اعتناق الدين والبقاء فيه أو تركه إلى غيره أو حتى إلى لا دين، ينفي أي إكراه فيه؛ وبمعنى آخر وإيجابي، هو القانون الذي يبيح حرّيّة التديّن والدعوة إليه؛ إنه القانون الذي نصّه البسيط الموجز الكافي الوافي الفصيح البليغ هو ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ (البقرة:256). ومثل ما يكون التكليف بقدر وسع الإنسان﴿لا يُكَلَّفُ الله نفسًا إلاّ وُسْعها-﴾ (البقرة:286)، ورهن اختياره وقبوله وحريّته ومسؤوليّته، وهو سوي راشد، يكون الابتلاء فيه على النحو عينه، حتى تصحّ المحاسبة والمحاكمة والمقاضاة والجزاء العادل في الحياة الدنيا أمام السلطات الجازية. فالمكلّف المبتلى إنسان سيّد واسع مختار حرّ مسؤول في إطار سويّته الراشدة.
1-2-هـ- الابتلاء غاية للتكليف ونتيجة له: في السياق الذي رأينا فيه التكليف علّة للابتلاء، ما يستتبع أن يكون الابتلاء معلولًا للتكليف ونتيجة له، نرى أن التكليف كان من أجل الابتلاء الذي به يتحقق ويطبّق فعلاً على أرض الواقع، أو كانت غايته في ما يكون عليه الابتلاء، وفي ما يتم به من فرز وتمييز وتصنيف بين أهل الإيمان الصادقين المطيعين المخلصين الصابرين الشاكرين المجاهدين المحسنين العادلين الثابتين الحامدين الراضين(…) وبين من يختلف عنهم بقدر أو بآخر…
وقبل أن ننهي الكلام على العلاقة بين التكليف والابتلاء، شعرنا بأنه من اللازم أن نعبّر عن ملاحظة رأيناها مفيدة وضرورية نذكرها في الجملة المعترضة التالية – لعلّه من الواضح جدًّا أن كلامنا، حتى الآن، على التكليف والابتلاء اللذين يغطيان نشاط الإنسان في الحياة الدنيا، يندرج في الإطار الديني، مرجعيّةً ومادّة وقراءة؛ بيد أننا لا ننفي اشتغال الإنسان وانشغاله فيهما وقد جعل مرجعيتهما وتعيين مادتهما وقراءتهما وتداعياتهما في إعمال عقله ومن صنعه دون أي شيء آخر حيث لا دور للدين، في الإطار الوضعي -.
والآن، وقد رأينا أن نكتفي بهذا الكلام القليل الموجز على العلاقة بين التكليف والابتلاء، على الرغم مما تستأهله من التوسيع لما لها من الأبعاد والأمداء والأفضية الهامة والغنية والجديرة بالبحث، فإننا، التزامًا منّا بما خططناه لموضوعنا، نؤثر السير بالابتلاء دون التكليف الذي يبقى حاضرًا في خلفية هذا الابتلاء وقوامه. فكيف نقرأ الابتلاء في واقع الحال وفي القرآن؟
- الابتلاء واقعًا وقرآنًا:
لعلّنا لا نبالغ إذا ما قلنا إن الابتلاء يشغل حياة أهل الإيمان برسالة الإسلام من طريق القرآن، كلام الله الموحى به إلى رسوله، النبيّ المصطفى، ومن طريق سنّته التي اختطها واستنها وتركها لهؤلاء المستجيبين للدعوة الإسلامية الذين صدّقوها وعملوا بشريعتها، وائتمروا بأوامرها، وانتهوا بنواهيها، ساعين للوفاء بتكاليفها في طاعة الله ورسوله، الأمر الذي ينعكس في سائر أوجه نشاطهم في حياتهم، بل كل ما شمله أمر التكليف بخلافة آدم على الأرض، من عبادتهم لله، واستعمارهم للأرض وحكمه في سياسة أمورهم وشؤونهم. فكيف يبدو لنا الابتلاء من خلال استقرائنا إياه في واقع حال الإسلام وأهله في العالم، بل كيف نقرأه في فهمهم إياه وفي ثقافتهم السائدة والشائعة؟ ثم كيف يبدو لنا في استقرائنا إياه من خلال العديد من الآيات القرآنية المعنيّة به؟
2-1- الابتلاء في الثقافة الدينيّة السائدة والشائعة: إن الناظر بموضوعية في ما يسود ويشيع بشأن الابتلاء في الثقافة الدينية بين أهل الإيمان بالإسلام في العالم، يلاحظ فيه مما يلاحظه، قدَرًا لا يملكون إزاءه شيئًا، وصاهرًا مطهرًا للنفوس، وغالبًا في السوء والشرّ والعسر عليه في الإنعام والخير واليسر، ومتناسبًا مع منازل الإيمان، ومختصًا بأهله، لا يلطّفه سوى الدعاء والصبر وما إليهما. فما مدى هذا وذاك مما يستقرئه هذا الناظر في الابتلاء بعد إلقاء المزيد من الضوء عليه؟
2-1-أ- الابتلاء قائم في إطار القضاء والقدر: الابتلاء قدر: (3) إذا كان ابتلاء المؤمن هو اختباره أو امتحانه بالخير والشّرّ، واليسر والعسر، والإيمان والكفر، فإنه كلّه قدر في إيجابه وسلبه. لقد قضت حكمة الله أن تجري أمور الناس، وتحدث أعمالهم وأفعالهم بقضاء الله وقدره ومشيئته. وليس أمام أهل الإيمان سوى التسليم والقبول والرضا والحمد والشكر والصبر والدعاء وما إلى هذا. أضف إلى ذلك أن لسان حالهم في ذلك كلّه “اللهم لا نسألك ردّ القضاء، بل اللطف فيه”. فالإنسان، إسلاميًا، هو في حال ابتلاء دائم في قيامه بعمل أو فعل أو مهمّة، وفي تعرّضه لشقاء أو سوء أو شرّ أو عسر أو شدّة، وفي تنعيمه بنعمة أو يسر أو رخاء؛ والحياة كلّها، في حلوها ومرّها، وفي جمالها وقبحها، وسعادتها وشقائها، هي ابتلاء لا ينفكّ عن الإنسان حتى يتركها بمحنة الموت… ان القدر (القضاء والقدر) متجذّر في الإسلام قرآنًا وسنّة: ففي الكتاب المبين، كل ما يحدث لنا من خير وشرّ كان مكتوبًا لنا، ولنا أن نفوّض أمرنا لله، حيث جاء فيه﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 51)؛ وفي السّنّة “الحمد لله ربّ العالمين على كل حال” “والحمد لله في السرّاء والضرّاء”. ونورد في السياق نفسه، كلام الإمام ابن القيّم في درّته الخامسة:” إذا أراد الله أن يهلك أعداءه ويمحقهم، قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم، بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائهم ومحاربتهم وقتالهم والتسلّط عليهم”؛ فقد جاء كلامه في إطار الآية ﴿وَمَنْ يُرِد الله فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئًا –﴾ (المائدة:41). ونذكر لشيخ الإسلام ابن تيميّة تعبيرًا ساطعًا عن القدر، مؤداه: القاعدة في الابتلاء كلّه هي الاتجاه إلى الله وحده، لا شيء إلاّ الله، لا قوة إلاّ قوته، لا حول إلاّ حوله، لا إرادة إلاّ إرادته، لا ملجأ إلاّ إليه. ورأى الشيخ الأكبر ابن عربي في الابتلاء “سوطًا من سياط الله يسوق به عباده إليه”. ومما يؤكّد على ثقافة القدر في الابتلاء، كلام لذوي أقلام مدافعة عن القدر ترسيخًا له في القلوب والنفوس والعقول، ينتقدون فيه ويخطّئون استعمال القول “الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه” باعتبار أنه لا يجوز، تأدّبًا، وصف القدر بالمكروه، علمًا بأن النبيّ المصطفى كان قد وصف القدر بالشّرّ، إذ دعا إلى “الإيمان بالقدر، خيره وشرّه”!.. وننهي الفقرة بكلام للإمام علي الذي رأى تساويًا بين المبتلى بالمعنى السلبي والمعافى بالحاجة إلى الدعاء: هذا لأنه لا يأمن البلاء، وذاك لأنه يريد التلطيف أو التخفيف من شدة الابتلاء، إذ قال: “ما المبتلى الذي اشتدّ به البلاء، بأحوج إلى الدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء”(4).
2-1-ب- الابتلاء يربّي النفوس ويطهّرها: إنه من السائد والشائع في ثقافة الابتلاء أنّه اختبار يمتحن أهل الإيمان في دينهم ومالهم وأنفسهم، وفي أي شيء آخر يمت إلى حياتهم بصلة حيث يفضي الامتحان إلى نتائج من قبيل تمييز الثابت من هؤلاء في إيمانه، والصادق فيه، والصابر على ما ذهب من ماله حتى ولو أفقره ذلك، وعلى ما أصيب به في جسده من أسقام، وما فقده من أحبّة، راضيًا بقدر الله، حامدًا ربّه على كل حال، متأسيًّا بـ ﴿-وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة 155 و156)، وبما كابده الأنبياء، أشد الناس بلاء، ممن تذبذب ونافق في إيمانه، وكذّب فيه، وتشكّى وتذمّر وأساء الظنّ بقدر الله على ما أصابه من محنة الخسارة، وعلى ما ألمّ به من أمراض وشدائد وفقدان الأحبّة. هذا التمييز أو الفرز يطرح أمام الناس سلّمًا من القيم العليا الراقية مثل الصدق والإخلاص والثبات والصبر والتحمّل، وسلّمًا آخر من القيم الدنيا الدنيئة من قبيل الكذب والغش والتذبذب والجحود والتسخّط والوهن، الأمر الذي يجعل ذوي النفوس المرنة المستقيمة يبتعدون بها عن كل معصية وخبث وسوء ودنس، ويقتربون بها من الله بالصالحات والحسنات التي سترفع من درجاتهم عند الله وقد أصبحوا أشدّ تحمّلاً للأمانة، أمانة الإيمان في الحياة الدنيا، وخلصت أعمالهم لله وتطهّرت أنفسهم من الذنوب والخطايا، وتربّت على الإيمان الصادق والخير والإحسان والحمد والشكر والرضا بين يدي ربّ العالمين؟ إن ذاك الأمر نفسه يفتح أمام ذوي النفوس الضالّة المنحرفة بابًا للتوبة والإنابة: فإذا اهتدوا إلى الصراط المستقيم وسواء السبيل، وكفّروا عن معاصيهم، واستغفروا عن ذنوبهم، ودعوا الله صادقين إلى التجاوز عن سيئاتهم، فإنهم واجدون الرحمن الرحيم الغفّار ذا الفضل العظيم والعفو الكريم، وقد محّص ما في صدورهم ونفوسهم وقلوبهم وطهّره من كل معصية وذنب وإثم؛ أما من لم يُنِرِ الهدى طريقه، فإنه واجد ربًّا عادلاً لا يظلم نفسًا أشياءها… فالابتلاء يربّي النفوس ويكفّر عنها ذنوبها كالنّار تفتن الذهب والفضة فتحررهما مما كان قد علق بهما. إنّ السّنّة النبويّة حافلة بهذا التوجّه بشأن الابتلاء، ومعلم محوريّ في الثقافة الإسلامية. فمن الكلام المروي والمنسوب إلى النبيّ المصطفى، كلام يفهم منه أنّ الابتلاء يظل فاعلاً في نفس المؤمن، تنقية وتكفيرًا وتطهيرًا حتى يلقى ربّه وقد خلا من الخطايا والذنوب والمعاصي؛ هذا الفهم تمّ لنا من الحديث “ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة”(5)، ومن الحديث “…فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة”(6)، ومن الحديث “ما من معصية تصيب المسلم إلاّ كفّر الله عنه بها حتى الشوكة شاكها”(7). ومن قول (8) الإمام علي، نفهم أن الابتلاء يُخرج التكبّر من القلوب، ويُسكن التذلّل في النفوس، ما يفتح الأبواب إلى فضل الله وعفوه. وهذا الإمام ابن القيّم يرى في “درره” الثلاث الأولى أن ابتلاء المؤمن كالدواء له؛ وبه يظهر فضل “الصبر والرضا والتوكّل والجهاد والعفة والشجاعة والحلم والعفو والصفح”؛ وأنه يوصل إلى المقامات المحمودة، والنهايات الفاضلة. وفي رأي شيخ الإسلام ابن تيميّة أن الابتلاء بالشدائد يصهر النفس، وينفي عنها الخبائث، ويعزّز العقيدة، ويربّي النفوس. وقد ذهب الشيخ الأكبر، ابن عربي، بعيدًا وبعيدًا جدًّا في فعل الابتلاء التطهيريّ الذي يصفّي عباد الله من صفات نفوسهم ويظهر ما فيهم من الكمالات في نظره؛ وها نحن نذكر قوله دون أن نذهب مذهبه فيه، ولكن، تدليلاً على كيفيّة سيادة وشيوع ثقافة الابتلاء في الثقافة الدينية ليس إلاّ: “الابتلاء هو سوط من سياط الله، يسوق به عباده إليه، لتصفيتهم عن صفات نفوسهم وإظهار ما فيهم من الكمالات وانقطاعهم عنه من الخلق، ومن النفس إلى الخالق، ولهذا كان متوكّلًا بالأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل”. ونذكر أخيرًا في مدى سيادة ثقافة الابتلاء وشيوعها في الثقافة الإسلامية عمومًا، ما قاله الإمام جعفر الصادق وهو لا يخرج عن إطار ما ذكرناه من حديث للرسول: “لا تزال الغموم والهموم بالمؤمن حتى لا تدع له ذنبًا”؛ ومما قاله أيضًا في السياق نفسه: “ينال العبد منزلة عند الله: إما بذهاب ماله أو ببليّة في جسده”.
2-1-جـ-الابتلاء بالعسر والشّرّ يطغى عليه باليسر والخير: لقد طغى، في الثقافة السائدة والشائعة، المعنى السلبيّ للابتلاء حتى كاد لا يسمع على ألسنة العامّة إلاّ في العسر والشدّة والنكبة والمصيبة والشّرّ والمكروه وما إلى ذلك. ففي هذا السياق، نقرأ ونفهم عبارات “أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل”، و”اشتداد بلاء الرّجل حسب دينه” و”فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة” من حديث الرسول التالي: “أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا، اشتد بلاؤه، وان كان في دينه رقّة، على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة”(9). وفي كلام آخر منسوب إلى النبيّ المختار يرد فيه الابتلاء بالمعنى السلبي (العسر والشر)، إذ يقول: “… وإن الله تعالى إذا أحبّ قومًا [أحبهم لرسوخ وعظم إيمانهم]، ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السّخط”(10). وقرأنا للإمام ابن القيّم في درّته التاسعة أن الله يمتحن المؤمن ويلبسه الابتلاء والاختبار ليبيّن الصدق من الكذب. وفي كلام عن شيخ الإسلام ابن تيميّة أن الابتلاء بالمخاوف والشدائد والجوع والفقر وإصابة النفس والثمرات، يربّي النفوس. وفي عبارة للإمام الباقر، فهمنا أن الله يُجهد ويُتِعب ويُغرق من يحبّه من عباده بالبلاء، إذ يقول: “إذا أحبّ الله عبدًا، غتّه بالبلاء غتًّا”… وننهي التدليل على المعنى السلبي للابتلاء الطاغي على معناه الإيجابي بما ذهب إليه الإمام عليّ في كلام له، جعل فيه الابتلاء بالشدائد والمجاهد والمكاره لتطهير القلوب، وتربية وتهيئة النفوس لتلقي فضل الله وعفوه العظيمين، إذ يقول: “الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبّد بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجًا للتكبّر من قلوبهم، وإسكانًا للتذلّل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبوابًا فتحًا إلى فضله، وأسبابًا ذللاً لعفوه”(11).
2-1-د- الابتلاء يتناسب مع الإيمان: من السائد والشائع بين العامّة، أن الله يبتلي من يحبّه من عباده، ويختص المؤمنين بالبلاء، وأنه كلما كبر حبّه لعبده، كان إيمان عبده به كبيرًا، وكان البلاء شديدًا في الدنيا، وكان الأجر عظيمًا والدرجة أعلى في الآخرة. أضف إلى ذلك أن الابتلاء في الدنيا يعجّل عقوبة المؤمن، بينما يترك غير المؤمن أو من كان إيمانه هشًّا عابرًا.. ومن السائد والشائع أيضًا أن شدة البلاء التي تصيب المؤمن، ومرارته في الدنيا، ستكونان رخاء وحلاوة في الآخرة لمن صبر على قدر الله في بلائه، ورضي بحكمه وقضائه، وحمده وشكره محتسبًا في كل الأحوال. وإنه من اليسر، ملاحظة الميل عند المؤمنين إلى إدراج الابتلاء في الدنيا في دائرة الجزاء العادل الذي يحكم به ربّ العالمين بشأن المبتلى؛ وكثيرًا ما تردد العامّة القول: “ان الله يمهل ولا يهمل”؛ وكثيرًا أيضًا، بل غالبًا ما تذهب إلى أن تمادي الظالم في ظلمه أو الكافر في كفره، ليس إلاّ إمهالاً لهما، وتكبيرًا لجرمهما في معصية الله ورسوله، ليكون عقابهما كبيرًا عظيمًا بقدر كبر الجرم وعظمه؛ وكثيرًا ما تعبّر العامّة عن هذا الأمر بأن “الله يطوّل لهما ولأمثالهما الحبل”، حتى أننا كثيرًا ما نقرأ لذوي أقلام ومتفقّهين أن الله يختص المؤمنين، والذين يحبّهم من عباده الصالحين، بالابتلاء وبشدّته في المال والولد والعرض والأنفس والأحبّة، لدرجة أن الله، إذا ما أراد بأحد خيرًا أو يسرًا أو تنعيمًا، فإنه يشفع ذلك بشرّ أو عسر أو شدّة. وفي هذا السياق، روى البخاري عن الرسول الحديث “من يرد الله به خيرًا يصب منه”، وشرحه بأن الله “إذا أراد لعبده المؤمن درجة عالية، ينزل عليه المصائب في الدنيا: يحميه من مصائب الدين، ويكثر عليه من مصائب الدنيا”. وفي السياق نفسه نذكر الحديث الشريف التالي: “عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كل خير، وليس ذلك لأحد إلاّ المؤمن، إن أصابته سرّاء، شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له”(12)… وفي تناسب الابتلاء مع الإيمان، نكرر ما قاله الرسول في حديث ذكرناه “… يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة، على حسب دينه…”. وفي السياق نفسه، نقرأ ونفهم حديثه الشريف: “إنّ عِظَمَ الجزاء مع عِظَمِ البلاء وان الله تعالى إذا أحبّ قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط”(13). وفي الدرّة الرابعة للإمام ابن القيّم أنّ ألم المؤمن يعقبه أعظم اللذةّ، ولذة الكافر يعقبها أعظم الألم والمشقّة. وقرأنا للقشيري أن البلاء سمة الولاء، فمن تمّ بلاؤه، صحّ ولاؤه. وننهي مع الإمام جعفر الصادق الذي جعل الابتلاء على قدر منازل العباد عند الله، إذ يقول: “وإنما يبتلي الله عباده على قدر منازلهم عنده”.
2-1-هـ- الابتلاء يقتضي التسليم والرضا به ويتيح التلّطف فيه: لأن الابتلاء قدر (قضاء وقدر) من الله، ولأنه لا رادّ لقضائه وقدره، فإن السائد والشائع في الثقافة الدينية أن يتلقى أهل الإيمان بالإسلام الابتلاء بالقبول والتسليم به، والصبر عليه في جميع الأحوال التي يصيبهم فيها، وبوجه خاص، في أحوال الشرّ والعسر والسّوء والشدائد والكوارث والنوائب والنكبات، سواء أكان هذا في أموالهم أو ولدهم أم أنفسهم أم أحبتهم أم في أي شيء آخر عزيز عليهم… وإذا كانوا من ذوي الإيمان الثابت الصادق، فلا يتشكّون ولا يتذمّرون ولا يتأفّفون ولا يمتعضون، بل يشكرون الله ويحمدونه ويرضون بقضائه. أما إذا لم يتمّ ذلك، فإنهم يكونون قد أخفقوا في الامتحان شرّ إخفاق، ويكونون قد خسروا في الدنيا، لأن أعمالهم تكون قد حبطت، وسيئاتهم قد كبرت، ومعاصيهم قد تفاقمت، نتيجة لهذا الإخفاق، وخسروا في الآخرة لافتقارهم إلى الصالحات والحسنات والصدقات… بيد أن الله بحكمته التي لا تضاهيها حكمة أخرى، وبرحمته التي وسعت كل شيء، وبفضله العظيم في الغفران والعفو، قد ترك لأهل الإيمان هامشًا هامًّا في حياتهم، هامش التلطّف في الابتلاء، قد يخففّون ويلطّفون به من شدّة البلاء وحدّته وقسوته، بالدعاء والصلاة وتلاوة القرآن والصدقة والصبر والتوبة والاستغفار والاستعانة بالله، وتقوية الصلة به، والتسليم بأمره، والتفويض إليه، والتوكّل عليه والشكر والحمد له، والرضا بما أمر به، وبما نهى عنه، وبما ابتلى به…
لعلّ ما استقرأناه في الثقافة السائدة والشائعة بين أهل الإسلام عن الابتلاء، لعلّه يكون قد أتاح لنا تكوين صورة واضحة عنه إلى حد كبير يكفي للمراجعة والنقاش والتعليق بشأن أهمية وخطورة الابتلاء في حياة أهل الإسلام… أما الآن، فماذا عن الابتلاء في القرآن؟
2-2- الابتلاء في القرآن: لقد استقرأنا الابتلاء في أكثر من ثلاثين آية قرآنية حيث بدا لنا عامًّا يغطّي حياة الإنسان كلّها، وتحذيريًّا عامًّا وخاصًّا، وذا هدف معين صريح، وذا هدف محدّد تقديرًا، ووصفًا لمتحقق من الأعمال أو الأحداث. فماذا عنه في كل ما بدا فيه؟
2-2-أ- الابتلاء العام بالحياة: لقد خلق الله الإنسان حاسًّا عاقلًا واسعًا، وقد اختبره في الحياة كلّها، أو لنقل، ليمتحنه فيها كلّها، في خيرها وشرّها، وحلوها ومرّها، ويسرها وعسرها، وسرّائها وضرّائها، وفرحها وترحها، وزينتها والكوارث، وسعادتها والشقاء، وما يندرج في هذا الإطار. والإنسان قد يفلح في مثل هذا الامتحان، فيؤمن ويحسن عملاً، ويمضي في ابتلاءاته في طاعة الله ورسوله شاكرًا حامدًا؛ وقد يخفق، فيكفر ويسيء عملاً، ويكون في ابتلاءاته في معصية الله ورسوله، متشكّيًا جاحدًا؛ وقد تجعله نسبيّة الإفلاح والإخفاق في درجات ومستويات مختلفة بين الإيمان ومستلزماته، وبين الكفر ومستتبعاته. إنه الابتلاء الأكبر والأعمّ والأشمل الذي يترتّب على التكليف الأكبر والأعمّ والأشمل بخلافة الإنسان في الأرض؛ إنّه ما فهمناه من الآية ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: 2). وفي آيات ثلاث، جعل الله “خلق السموات والأرض” وإيجاد “الموت والحياة” و”نِعَمِ الأرض وخيراتها” من أجل اختبار الناس في سائر نشاطاتهم لفرز من يحسن عمله، ويتقنه، ويخلص فيه، ويؤدّيه في إطار ما أمر الله ورسوله به ، وما نهيا عنه وفي طاعتهما، ممّن يسيء عمله، ويقصّر ويغشّ فيه، ويقوم به مخالفًا أوامر الدين وأحكامه وعاصيًا الله ورسوله. فالإنسان، في هذا الامتحان الكبير العام الشامل، يكون أمام تحدٍّ كبير عام شامل: إما يقبله ويفلح في ذلك، فيكون قد استحق الخلافة؛ وإما لا يقبله، فيخفق في ذلك، ويكون قد جعل نفسه على هامش الحياة من غير جدارة بما كلّف به من خلافة. أما الآيات المعنية فهي تباعًا﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا …﴾ (هود:7)، و﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا -﴾ (الملك:2)، و﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ (الكهف:7). ويتكرر الامتحان الكبير نفسه للإنسان المبتلى نفسه بعنونة مادّة الابتلاء بما هو سلبي وشرّ وسيّئ، وبما هو إيجابي وخير وحسن؛ ولا يخفى على عاقل أن الحياة في سلبيّاتها وشرورها وسيئاتها، وفي إيجابياتها وخيراتها وحسناتها، تختلف وتتباين وتتفاوت درجات ومسويات؛ ويرجع إلى الله تقويم نتائج الامتحان حيث سينال الإنسان عنده الجزاء العادل. لنتأمّل ذلك كلّه في الآية ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:35). وننهي الاستشهاد على الابتلاء العام في امتحان الناس، خلائف الأمم السابقة، في ما أوتوا به من وسع وعلم وعقل ودين، وهم مختلفون في ما بينهم درجات ومستويات ورتبًا، وغنىً وفقرًا، وقوة وضعفًا، ورفعة وضعة، وما إلى هذا وذاك، حيث تفضي النتائج إلى تمييز ذوي الإيمان الثابت الراسخ من المنافقين، والشاكرين الحامدين من المتشكّين المتذمّرين والجاحدين، والصابرين الراضين من اللاجّين الغاضبين الساخطين، والصادقين المطيعين لله ورسوله من الكاذبين الخائنين العاصين لله ورسوله، حيث سيجد هؤلاء وأولئك جزاءهم العادل عند ربهم الغفور الرحيم، مصداقًا للآية ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (الأنعام:65).



