مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”35″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
- الموضع السليم للعقل:
لعلّ العقل الواجب وضعه في موضعه السليم وقد تحرّر من الحدود المرسومة له، ومن القيود المفروضة عليه، في ما هو عليه في واقع الحال المحكوم “للاستبداد بكل تلاوينه وإفرازاته” و”للفهم البشري المتعدّد المتأله للدين” والمتواطئ مع الاستبداد عليه حيث يبدو مقبولًا في تبرير استلابه خدمة لطرفي التواطؤ، ومقموعًا ومسفّهًا إذا ما تجرأ ونظر في التواطؤ ناقدًا، فضلًا عن الذهاب بحريّة الرأي والتعبير، وبحق المشاركة بمفاصل الحياة العامة، لعلّ ذاك العقل يأخذ مداه في نشاطه بحيث لا يقف عند حدّ سوى حدّ استنفاد طاقته أو عجزه، ولا يقبل قيدًا غير ما يراه الإنسان يضرّ بسيادته، ولا يليق بخلافته على الأرض. لعلّ العقل هذا الذي يميّز الإنسان من غيره بإعماله بوعي في كل ما يعنيه في اكتساب المعرفة وإنتاجها وتوظيفها، والذي يمتاز به على سواه تفرّدًا وتفوّقًا وتسوّدًا، ما أهّله للتكليف والابتلاء والجزاء، وبه يزن الأشياء، ويفهم ويعرف الأمور ويقدّرها ويقدّمها ويضعها في مواضعها السليمة، لعلّه يستعيد به الإنسان، وقد أحسن التدبّر به، صواب المسار على السكة الصحيحة، وتوجيه الفاعلية نحو الخير، وتفعيل المواجهة الناجعة لتذليل وتجاوز العثرات والعقبات والعوائق التي تحول دون الحياة الكريمة، والإمساك بزمام ما يملكه من مصيره، الأمر الذي يخرجه أو يضعه، على الأقل، على سكة الخروج من “ظلمات الأميّة والفقر والقهر والعجز والظلم والفساد والتأخّر” إلى “نور العلم والعمل به، والقدرة والعدل والشفافيّة والتقدّم”… إن الإنسان ليظلم نفسه كثيرًا وكثيرًا جدًا بوضعه كلًّا من الدين والعقل في غيره موضعه وقد أطبق عليه الجهل في مكان، وعبثت به الأهواء في مكان آخر، واستظلّ بثقافة القضاء والقدر في كل مكان، ناسيًا أنه هو الذي قبل التحدّي، و”حمل الأمانة بعد أن أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها خوفًا مما يترتبّ عليهنّ من أعباء ومشاق حالت دون قبولهن إياها”؛ لقد أقدم على حملها وتحمّل المسؤولية وإن ظلم نفسه في ما جهله من أمر تعهّده بها.. وإننا لنرى أنه مما ينبغي لهذا الإنسان، ويجدر به، في بلاد الإسلام وأهله، بل عليه أن يقبل التحدّي في حمل نفسه على الخروج مما فيه من “الظلمات”، علمًا بأن هذا التحدي هو أقل عبئًا وألزم له من تحدّي “حمل الرسالة” لأن الخروج من هذه “الظلمات” إلى ذلك “النور” هو شرط ضروري لصحة حملها وسلامته، ولا يرى النور بعقل مكبّل ومقيّد ومقموع ومسفّه، بل يتم إنجازه وتحقيقه في الواقع بإطلاق إعماله وقد أحسن التدبّر به. وبذلك يكون الإنسان قد أنصف نفسه وحرّرها من ظلم كثير وجهل كثير، وفقًا لما أوحته إلينا الآية الكريمة ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: 72)؛ كما يكون قد وضع العقل في موضعه السليم ليستحق أن يتبع مقاربته للدين، ويلوذ به لفهم كل ما يعنيه، ويواكب به مسيرة حياته، ويزن ويأتمّ به بعد أن يكون قد حصّنه بالقيم العليا. فماذا عن هذا الذي يستحقه الإنسان بعد وضعه العقل في موضعه السليم؟
3-1- العقل هو سبيل الإنسان الوحيد إلى الدين: لعلّنا نبلور المراد بهذا العنوان بشأن أهمية العقل بالنسبة إلى الدين، إذا ما قلنا أيضًا: “إن العقل هو سبيل الدين الوحيد إلى الإنسان”. ذلك أن إعمال العقل في واقع حال الإنسان يتجلّى، في سائر نشاطه وحياته، في ما يعنيه ويهتمّ به سلبًا وإيجابًا بما فيه الدين، آلة لفهمه ومعرفته بما ييّسر عليه التصرّف وإزاءه، وبما يعبّر عن تفرّده به، وتميزه من سواه، وتفوّقه عليه بالمعرفة اكتسابًا وإنتاجًا وتوظيفًا. إن المعرفة شرط اكتمال لإرادته حتى لا يخبط بها خبط عشواء لغياب نور المعرفة، وإطباق الجهل والحمق على كل شيء، كما هي شرط اكتمال أيضًا لحريّته المسؤولة حتى لا يتحكّم بفاعليته الغرائزية والطغيان والفوضى، ولا يذّر قرن التوحّش، فيضيع الإنسان ليلقى محشورًا في إحدى زمر الحيوانات الضارية. فماذا عن دور العقل في الدين؟
3-1- أ- العقل يعقل الدين: لعلّنا نتذكر مقولة “الدين يعقل العقل” التي تتناسب وتتناغم مع وضع العقل في غير موضعه، والتي أفضت وتفضي إلى تكبيل العقل وتقييده وحبسه من غير وجه حق، وإلى قمعه وتسفيهه خدمة للأهواء؛ بينما هذه المقولة – العنوان تتلاءم مع موضع العقل السليم، وتعني أن إعمال العقل يجعل الدين مفهومًا ومعروفًا يقبله الإنسان العاقل الذي يريد التديّن به أو يرغب فيه أو يسلم به، أو يرفضه لأنه لا يريد التديّن به، أو يتخذ حال اللامبالاة به، وفقًا للقاعدة الكبرى في حريّة المعتقد التي تنص عليها الآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ (البقرة:256). أما الكلام في توّجهنا فيتركّز على الاحتمال الأول. وقد يمعن الإنسان العاقل في المزيد من إعمال عقله، فيتم له التّديّن نتيجة تحليل وتعليل واستدلال وما إليه. فالحقيقة الساطعة المطابقة للواقع في هذا السياق هي أنه يستحيل الحديث عن الدين والتدّيّن به عند الإنسان في غياب العقل. لماذا؟
3-1- أ- (1)- الدين يكون لعاقل والعاقل هو الإنسان: في هذا السياق، لا يكون الدين لغير عاقل. ولعلّه من السهولة بمكان أن نجد ونرى هذه الحقيقة قائمة بوضوح لا لبس فيه عند الناس وقد اعتنقوا دينًا وتديّنوا به بهذا القدر أو ذاك. هؤلاء الناس يتمتعون جميعًا بأهلية عقلية؛ وهي، وإن اختلفت من فرد إلى آخر، فإنها تمكّنهم من أن يكونوا أسوياء في اعتناقهم لدينهم. والعقل يتميّز به الإنسان من سواه لكونه يمثّل الجانب المعرفي لديه، علمًا بأنه يتميّز أيضًا بأنه اجتماعي وأخلاقي وماورائي (يهتم بما وراء الطبيعة في الفلسفة، وبعالم الغيب في الدين)، بيد أن الشهرة في التميز أو التمييز لازمت العقل، أو ذهبت إلى كون الإنسان عاقلًا… ولعلّ أساس تميّز الإنسان من سواه هو أنه يعي نشاطه ويعي أنه يعي. لذلك تتوقف اجتماعيّته وأخلاقيته وماورائيته في واقع حاله على كونه عاقلاً… أما فقدان العقل عند الإنسان فينعكس فيه لا سويّة مرضيّة تصيب تلك الصفات – المميزات بالخلل والاضطراب، كما تهتز وتضطرب به شخصيته وسلوكه حيث يخرج من دائرة التكليف والالتزام والتعهّد والمسؤولية، ويخرج بالتالي من دائرة القدرة على اعتناق الدين وعلى التديّن به. فالدين والتديّن لا يكونان إلاّ لعاقل.
3-1-أ-(2)- القرآن يبيّن ويؤكّد سابقه: لقد جاء في الكتاب المبين ما يبيّن ويؤكّد التباعد بل عدم التساوي بين من يفهم ويعرف ويقبل ويصدّق ما أوحى به الله إلى مبلّغ رسالته النبي المصطفى على أنه الحق والحقيقة يؤمن بهما، وبين من أعمى بصيرته الجهل وأخذه الحمق بعيدًا من ذلك حيث لا يجد إليه سبيلًا؛ كما جاء فيه أيضًا ما يحصر المعرفة بذلك الوحي، ويقصر اعتباره واتخاذ الأمثولات منه على ذوي العقول العالمين، مصداقًا لما قرأناه في الآية ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(الرعد:19). وهذا الكتاب المبارك أنزله رب العالمين إلى رسوله المختار ليتدبّر الناس آياته أو ليحسنوا النظر والتفكّر في عواقب هذه الآيات البيّنات وفي أسرارها ومراميها، وليحسنوا التصرّف والعمل بما فهموه وعرفوه من أحكامها؛ إنه من الوضوح بمكان أن هذا التدبّر لا يتمّ بغير إعمال عقول ذويها، وفقًا لما جاء في الآية:﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(ص:29). أضف إلى ذلك أن الله يضرب الأمثال للناس لييسّر عليهم الإدراك والمعرفة والفهم ثم يحصر فهمها في العارفين ويقصره عليهم. وهل من عارف يفهم من غير عقل؟! لنعتبر في ما تشير إليه الآية:﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت:43)…
لعلّنا نكتفي بهذا الاستشهاد الكريم. فالتفريق بين العلم والجهل، والنظر في عواقب الآيات، والتفكير في أسرارها ومراميها وفهمها، كلّها عمليات عقليّة ترتسم بها سبل الدين والتدّين إلى الإنسان العاقل. ان الإيمان بصحة الأمثال التي يضربها الله، وبالكتاب المبارك، وبالحق المنزل يبيّن هو الآخر ويؤكد ما تذهب إليه حقيقة ان “الدين يكون لعاقل ولا يكون لغيره”.
3-1-ب- العقل يؤرضن الدين: نعني بهذا العنوان أن الدين هو دنيوي الفهم والإيمان والممارسة، لأنه محكوم للفهم البشري في كل ذلك. ولعلّنا نحسن التدبّر بإعمال العقل بحيث نتبيّن السبل التي تنتهي إلى طبيعة المعرفة الدنيوية للدين، وأبعادها ومراميها فهمًا وإيمانًا وممارسة. ذلك أن الدين الموحى به من العالم العلوي الماورائي، عالم الغيب، لم يبقَ نفسه حالمًا دخل عالم الدنيا، عالم الشهادة، من أبواب البشر إذ تقدّم الأمين المصطفى وتلقاه من حامله الأمين جبريل، ثم بلّغه بدوره الناس الذين، هم بدورهم، أيضًا تلقوه منه وآمنوا به، ثم نقلوه إلى من بعدهم، وهكذا دواليك. ففي عالم الشهادة، تلقّى الناس الموحى به بما لديهم من أهليات ومقدرات وقابليات ومعايير بشرية، عرفوه بها وقبلوه وآمنوا به على نحو نسبي ومتفاوت لعلّة فيهم، وبمستوى من اليقين يبقى دائمًا أدنى بقدر أو بآخر من يقينيّة الموحى به المطلقة، لصدوره عن المفارق المطلق الذي لا يجوز فيه أيّ شيء من النسبية والمحدوديّة… وحتى الأنبياء والرسل، وهم المصطفون لله تعالى، فقد عرفوا الموحى به إليهم وفهموه وآمنوا به على نحو صادق ومتفرّد ومتميّز ومتفوّق، ولكن، بأهليات وقدرات بشرية لم ترقَ في صدقها وصلاحيتها وتفرّدها وتميزها وتفوقها، إلى أن تكون إلهية. فنحن لم نسمع عن نبيّ أو رسول أنه قد اتّصف بمقدرات أو أهليات إلهية. وهذا القرآن يؤكّد بشريّة الرسول في الآية:﴿-قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾(الإسراء:93). فالعقل الذي هو الأساس في فهم الدين الموحى به، استقبله ورحّب به برائحة التراب المشبع بها، لينسل هذا الدين إلى نفس الإنسان، ويأنس بجلبابه الجديد، وعطره العتيق حيث يتمظهّر(3) معه وبه فهمًا وإيمانًا وممارسة في عالم الشهادة. غير أن تمظهره في واقع الحال وفي كل ذلك، ليس واحدًا، لأن تلقّيه لم يبقَ على صورته المحمّدية، أي كما تلقاه النّبيّ محمد وبلّغه ومارسه. أضف إلى ذلك ان اختلاف التلقي لم يبقَ اختلافًا ضمن وحدة الهوية للدين، بل سرعان ما صار خلافًا ذهب بوحدة الهويّة ليصير الإسلام مماهًا في متاهات يستعصي الخروج منها ان لم يكن مستحيلًا، لأن الخلاف الممذهب أنشأها مقفلة لا مخارج لها. كيف ذلك؟ إذا كان واقع الحال المتردّي المزري كذلك، أوليس بوسع منشئ الخلاف أن يحدث خَرْقًا فيه، في ما هو قائم، كأن يوجد، مثلًا، مخارج من تلك المتاهات نحو استعادة وحدة هوية الإسلام، ولو بالحد الأدنى بحيث يبقى الفهم البشري له بشريًا يحتمل الصواب والخطأ، أي يبقى وجهة نظر بين وجهات نظر أخرى تتفاوت وتختلف بقدر، وتتقارب تتآلف بقدر آخر، ولكن، لا تتعسّف ولا تستعلي ولا تستبد؟
لنتابع البحث في أرضنة العقل للدين عن إجابات ممكنة لهذه الأسئلة، انطلاقًا من موضع العقل السليم.
3-1-ب-(1)- علّة اختلاف تلقّي الدين: ان تلقي الناس للدين، كتلقيهم لكثير مما يعنيهم من قبيل ما يقترب منه أو يضاهيه من اعتقادات ومنظورات مرجعيّة في حياتهم، ليس واحدًا؛ فهم يختلفون فيه بهذا القدر أو ذاك، نظرًا لعوامل ومعايير يرجعون إليها في تلقيهم المعني بكميات وكيفيات مختلفة؛ لأن الناس، في كل ما يقومون به، وما يستجيبون له، وما يتمتعون به من إمكانات وأهليات، وما ينعمون فيه من حضارات وثقافات، وما يحيط بهم أو يمت إليهم بصلة من عالم الشهادة، في كل هذا وذاك وما إليهما، هم نسيبّون لم يبلغوا في بعضهم أو كلّهم، الكمال أو المطلق في أي شيء، بل هم محدودون في كل شيء على الرغم من أنهم نزعوا وينزعون دائمًا إلى الكمال دون ان يسعدوا ببلوغه. فليس من إنسان على هذا الكوكب قد أفلت من زمان ما، ومكان ما، أو قد تجاوز محدوديّته في شيء أراده وقدر عليه… أضف إلى ذلك أن هؤلاء ليسوا متطابقين في نسبيتهم بالرغم من الكثير الذي يجمعهم، والكثير أيضًا الذي يساوي بينهم، فهم متفرّدون، ومختلفون في تفرّدهم؛ وقد أشار القرآن إلى هذا في الآية:﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾(الزخرف:32). إن هذا الاختلاف في التفرّد الذي يمتد في جذوره إلى ما يجعل التفاعل عند الشخص بين الوراثي والمكتسب يفضي إلى ما يتميّز به من الأشخاص الآخرين المتفرّدين، ينسحب على جميع أوجه نشاطه وفاعليّته وينعكس فيهما في إطار حياته بين الناس حيث يكون له أن يتّخذ الموقف المفضّل له، ويتبّنى الاتجاه الذي يعجبه، ويعتنق المعتقد الذي يهتدي إليه بنور علمه وإعمال عقله، إن لم يبقَ عليه بالتوارث. فمن سوية الأمور أن تلقّي الإنسان للدين، الموحى به من رب العالمين، يجعل هذا الدين بشريًا أرضيًا دنيويًا نسبيّا في بعضه وكلّه، لأن الإنسان وهو النسبي في بعضه وكلّه، يعجز عن تلقي ما ينسب إلى الدين من مطلق وكمال وإن سلّم بهما، وأن اختلاف التفرّد في النسبيّة عند الناس يأخذ كل السبل إلى تحديد مستوى فهمهم للدين من حيث اليقينيّة، وإلى درجات إيمانهم به، وإلى الإطار الذي يحكم ممارسته عندهم. ولعلّ هذا الاختلاف هو من أهم النعم التي ترافق تلقي الدين، لأنه يوسّع هامش الاختيار والحرية عند أهل الإيمان به فيما لو يبقى في موضعه السليم “أرضيًا بشريًا دنيويًا نسبيًا”. ولكن، أين أهل الإيمان من هذا الموضع؟!
3-1-ب-(2) – تأليه الاختلاف يصادر هويّة الدين ويكبّل العقل: لقد أجرينا الكلام على هذا الموضوع أكثر من مرة في أكثر من مكان، تحت عنوان “الفهم البشري المتعدد المتنوّع المتأله للدين”. أما في هذا المكان، فإننا نوجز الحديث عنه بالرجوع إلى ميزان الإنسان الذي يزنه بإعمال العقل الطليق الحر الناقد. لذا فإننا نكتفي بوصف الإسلام وأهله ومدى إعمال العقل عندهم في ما هم عليه من واقع حالهم. ثم نعلّله وننهي بوزنه وتقويمه يميزان الإنسان المنتدب إلى خلافة الأرض:
- ان الإسلام، كما تلقاه النبي المصطفى، وبلّغه ومارسه، لم نعد نراه عند أية مجموعة بشرية في العالم، لأن ما أصابه من “فهم بشري متعدّد” قد صادر هويّته وماهاها فيه، بل في كل ما أفرزه من مذاهب وفرق وما شاكل ذلك، باعتبار كل منها يعبّر دون غيره، عن الإسلام “الصحيح السليم” الذي أوحى به رب العالمين، وأخرج أحكامه ومارسها نبيّه المختار.
- أما أهل الإسلام فهم مذاهب وفرق وجماعات وحركات وتيارات وأحزاب وما شابه ذلك. لقد أخذتهم التبعيّة لهذه “الجمعيات المؤدلجة” (ذات العقائد) المتباينة حتى التضارب والتناقض. فهم لذلك مشرذمون مشتتون يسود بينهم التنافر والتفارق والتنازع، ويشذّ ويندر بينهم التعاطف والتآلف والتسالم. إنهم يكادون لا يُذْكَرون، أو قلّ ما يُذْكرون في أحسن التقدير، من حيث “الحضور القوي الفاعل المؤثّر المتقدّم المواكب” في العالم على الرغم من كبر أعدادهم، وعظم الرسالة التي يظلمون؛ أما من حيث ما هم فيه من “ظلمات الأمية والفقر والقهر والظلم والفساد والوهن والتأخر” فلا يحسدهم عليه حاسد ولا يغبطهم غابط. وكأننا بالآية ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَة قَلِيلَونَ﴾ (الشعراء:54)، تشير إليهم وتعنيهم أيضًا.
- وأما إعمال العقل عندهم فيستلبه هوى السلطة الذي يقبله مادحًا “للحكم المتغلّب”، ومدافعًا عن استبداده، ويقمعه طليقًا حرًّا ناقدًا. أما الدين فيستتبعه، هو الآخر، مبرّرًا به تواطؤه مع الاستبداد، واجتهاده في حدود “النقل”، ويسفهه في غيره. فإعمال العقل عند أهل الإيمان بالإسلام مقبول مبرّرًا ومدافعًا، ومقموع ومسفّه حرًّا ناقدًا، ومسكوت عنه منكفئًا ومعتكفًا ومعتزلًا.
- أما لماذا كل هذا الترّدي وهذا الإزراء في واقع حال أهل الإيمان بالإسلام، فإنه يرجع، بالأساس، إلى “الفهم البشري المختلف المتألّه لهذا الدين” نتيجة لسوء في تدبّر “اختلاف التفرّد في النسبية” الذي سبق الكلام عليه. كيف؟ – إن المنظرين في الإسلام وله، وهم علماء وفقهاء ومجتهدون وأئمة، وهم أيضًا ذوو عقول فاذّة، وأصحاب رأي وكلمة وعلم، وأهل ورع وتقوى وإيمان. إن هؤلاء وقد أنيط بهم تدبير أمور الدين فهمًا وإيمانًا وممارسة ونشرًا، أو قد أناطوا ذلك بأنفسهم، خرج كل واحد منهم بصورة للإسلام قد أدلجها (عقدنها) تقعيدًا وتأطيرًا واجتهادًا وتفقيهًا، في مبادئه، وأركانه، وأصوله وفروعه، وقواعده وأوامره ونواهيه وأحكامه وفرائضه وعقائده، وفي خير الدنيا وزينتها كما في شرّها وشقائها، وفي جنّة الآخرة ونعيمها كما في نارها وجحيمها، خرج بل أخرج صورة للإسلام تختلف بهذا القدر أو ذاك عن كل صورة أخرى من صور سواه… بيد أن هذه الصور المختلفة التي أخرجها هؤلاء المنظرون، لم تبقَ تحت مظلّة الإسلام يحكمها بوحدته وهويّته ومحمّديّته، بل نزع كل منظّر مفرطًا في نزوعه إلى التمسّك بصورة “إسلامه”، بكل ما بلغه في إعمال عقله باعتباره، بنظره، الأصح والأنفذ والأثقب والأشمل والأكمل والأكفأ والأوفى غرضًا، والأدق تعبيرًا عن الإسلام “الصحيح السليم الحقيقي” الذي أراده الله في كتابه المبين، ورسوله في سنّته السّنية، حاصرًا هذا كله في فهمه، وقاصرًا إياه عليه دون سواه، إعجابًا واقتناعًا واكتفاء منه به لدرجة حاكى فيها “المأخوذ بنرجسيّة مفرطة”، على الرغم مما يعرف عن المنظرين المعنيين من “تواضع العلماء”، والإخلاص في العمل والصدق في الإيمان، والورع والتقوى والخشية بين يدي رب العالمين… إذًا، لقد خرجت وجهات النظر المختلفة في الإسلام من تحت عباءة وحدته وهويّته لتتجلّى بمزيد من الاجتهاد والتفقيه والأدلجة، وتتبلور بإحاطتها بالخشوع والورع والتقوى وصدق الإيمان، فتأخذ طريقها وقد تأدلجت، إلى التحول إلى خلافات جذرية يزعم كل من أصحابها المنظرين أن ما ارتآه وبلغه بإعمال عقله هو، يقوم على صحّة الرأي، وصواب الاجتهاد، وشمول الرؤية، وبعد النظر، وعلى صحة الإسلام وسلامته وصوابه وحقيقته وقوامه وجوهره، ويسارع إلى تأليهه إذ ينسبه، مباشرة أو مداورة أو تلميحًا أو اعتبارًا، إلى ما أوحى به الله في القرآن، وما مارسه الرسول في سنّته، الأمر الذي يحصنه ويمنعه بالقدسيّة الإلهية، وهالة القدوة النبوية، من التجرّؤ على نقده فضلًا عن انتقاده؛ ثم يقدّمه إلى مريديه ومناصريه وموافقيه وأتباعه على أنه “الإسلام الصحيح الحقيقي الشامل الكامل” وفقًا لما بلغه في مذهبه دون سواه، وعلى أنهم هم “الفرقة الناجية”…
وهكذا تكون التربة الصالحة قد توافرت لبذور “الفتنة والفرقة ورفض الآخر”، التي لم تتأخر لتنبت وتثمر، وبئس الثمر الخبيث الفاسد: تقويض وحدة “الإسلام المحمدي” ومصادرة هويّته ومماهاتها في “الفرقة الناجية” وما أكثرها! ولعلّ أخبث وأفسد وأسوأ الثمر هو “تكبيل العقل وتقييده وأسره” في حدود وقيود ونهايات إعمال عقل كل من المنظرين، وما أكثرهم أيضًا!.. وهذا يعني أنّ الإسلام الموحى به ليس هو الذي يكبّل ويحدّ ويقيّد إعمال العقل كما هو سائد وشائع، إنما هو “الفهم البشري المتألّه للدين” الذي كثر المنظرون فيه وكثرت وجهات نظرهم المؤدلجة، وحاصر إعمال عقل كل من هؤلاء إعمال عقول الآخرين تعسّفًا وطغيانًا وعدوانًا باسم الدين وهو من ذلك براء. أضف إلى ذلك أنّ حدّ إعمال العقل أو تقييده أو تكبيله ليس واحدًا عند جميع المنظرين لمذاهبهم في الإسلام وله… ولعلّه من الوضوح بمكان أنه بالرجوع إلى ميزان الإنسان يتبيّن لنا أن “الفهم البشري المختلف المتأله للدين” وفقًا لما هو سائد وشائع في الإسلام وأهله، قد وضع في غير موضعه بسبب التأليه “النرجسي” غير المبرّر؛ وإلاّ فما كان ليخرّب وحدة الإسلام، ويفرّق أهله، ويكبّل عقولهم على نحو يسيء إلى سيادة ومكانة خليفة الله في الأرض، علمًا بأن أهل الإيمان بالمذاهب والفرق والحركات والأحزاب والتيارات والجماعات المؤدلجة، والتي يعتبر كل منها أنه هو “الفرقة الناجية”، لا يعترفون بأن “الفهم المعني” قد وضع في غير موضعه، بل يذهبون إلى أنه في الموضع الصحيح والسليم والحقيقي من وجهة نظر كل منهم. ويتبيّن هذا من الردود الجاهزة عندهم على الأسئلة التالية، في ما يشبه الحوار معهم، مع من يأخذ بمفهوم ومضمون “الفرقة الناجية” في ما يلي:
- أين أنتم من الرسالة الموحى بها أو أين هي مما تذهبون إليه؟ فيأتي جواب واحد أوحد من جميعهم:
- إنها في ما نفهمه نحن، وما نؤمن به نحن، وما نمارسه نحن، وما نحكم به نحن.
- ولكن، لماذا أنتم دون سواكم؟
- لأننا نحن وحدنا الفرقة الناجية، يجيبون بثقة تامة.
أما إذا تبادر للذهن أن يقوم سعاة للخير والإصلاح بالمساعي الحميدة لجمع الجميع حول الرسالة الموحى بها، فإن ادّعاء كل فرقة منهم أن رسالة الإسلام هذه، تملأ حياتها وقلبها وعقلها وروحها، يصدم هؤلاء السعاة، ويهدّد توازنهم النفسي، ويسرّب الشكّ إلى نياتهم الطيّبة، وأعمالهم الصالحة، ويحبط مساعيهم… فما العمل لرأب الصدع إذًا؟ هل هو بالرجوع إلى القرآن؟ – لا، لأنه قد اختطف واستلب في التفسير والتأويل والاجتهاد والتفقيه. إذًا، فلنرجع إلى العقل؛ فهو آلة التفسير والتأويل والفهم! صحيح. ولكن المآل ليس بأفضل من سابقه، لأن العقل هو الآخر قد استُتبع وأُخْضِع واستُخدِم للتبرير والتسويغ والبيان والتبيين والاستقراء والاستنباط وما إلى ذلك، في حدود ما رسمته كل فرقة في فهمها للدين، والإيمان به وممارسته. هذا، على الرغم من أن الموضع السائد والشائع “للفهم البشري المختلف المتألّفه للدين” قد أفضى ويفضي بوضوح لا لبس فيه إلى شرور ستة، على الأقل، لا يخطئها عاقل، ألا وهي (“ضياع وحدة الإسلام وهويّته في التألّه والتأدلج المتنوعين” و”أهل الإسلام شراذم وأشتات لا حول لهم ولا قوة” و”تكبيل العقل بإعمال عقول بشرية ألّهت فهمها زورًا وبهتانًا وعدوانًا”، و”اختزال الناس الموجّه إليهم الإسلام في فئة واحدة”، وما أقّلها! بينما هو موجّه إلى الناس كافة”، و”تقويض الأساس المتين للقاعدة الكبرى لحرية الرأي والمعتقد والاختلاف، المعبّر عنه في الآيات الثلاث التالية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ (البقرة:256) و﴿لَكُمْ دِيْنُكُمْ وَلِيَ دِيْنِ﴾(الكافرون:6) و﴿اللهُ يحكُمُ بَيْنَكُم يَومَ القيامةِ فِيمًا كُنتُمْ فيه تَخْتَلفِونَ﴾ (الحج:69)” و”رفض وتهديد الآخر المختلف رأيًا أو اجتهادًا أو دينًا، القريب والبعيد، حتى في وجوده أحيانًا”)، مع ملاحظة أن محور هذه الشرور يكمن في تأليه التنظيرات في الإسلام وله، الذي يبرر ويغطّي أدلجتها، ما جعل كلًا من ذويها يتوهّم أنه يقبض على الحقيقة الكاملة الحصرية به، علمًا بأن “الفهم” المفضي إلى هذه الشرور، والمقترن بثقافة القضاء والقدر، يعلل واقع الحال المتردي والمزري للإسلام وأهله. ماذا بعد؟! أهو “فالج لا تعالج”؟! – كلا. لا نرانا نسلّم بهذا وقد يكون هناك بارقة أمل في ما نراه من موضع سليم للفهم البشري المختلف للدين. كيف؟



