مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”41″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

3-3-ب-(3)- التدّرج ومراعاة الظروف: ان اليسر والمرونة اللذين تتميز بهما الشريعة الإسلامية لا ينفصلان عن تميّزها بالتدّرج ومراعاة الظروف، بل هما يتيحانهما ويفضيان إليهما بأثرهما بشكل أو بآخر. كما أن التدرّج يتداخل في مراعاة الظروف والأحوال، إذ نرى بقليل من الملاحظة، تكاملًا في ما نحن بصدده من مميزات “السنّة والحكم الشرعي”.

فالتنزيل في ثلاث وعشرين سنة كان تدرّجًا ضروريًا، لتعلّم الرسالة وتعليمها واستيعابها وإنجاحها في تهيئة النفوس، للإيمان بالدّين الجديد والتخلّص من ظلمات جاهلية من قبيل الشرك، ووأد البنات وإيتاء المحرمات، وظلم المرأة في الإرث، للتمكّن من الدخول إلى نور التوحيد الإلهي وهدى التشريع الجديد. أضف إلى ذلك، أن مدة التنزيل كانت فرصة للرسول وأتباعه من أجل مواكبة الكثير من الأحداث والمواقف والمشكلات لتفسيرها وتبيان الأحكام الشرعية بشأنها. نذكر مما أشرنا إليه على سبيل المثال ما يلي:

– قصة “الإفك” وهو كذب وافتراء وبهتان رميت به أم المؤمنين عائشة، وقد برّأها رب العالمين، وأثّم المفترين، وتوعدهم بعذاب عظيم، الأمر الذي نفهمه في الآية:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور:11).

– “تزويج الله الرسول من زينب” زوجة زيد الذي كان قد أعتقه النّبي وتبنّاه وعندما علم الله بما أخفاه في نفسه نحوها خشية الناس، زوّجه إياها، وحلّل الزواج من أزواج الأبناء بالتبنيّ بعد أن يكونوا قد قضوا منهن وطرًا، ثم أبطل التبني في الإسلام، وفقًا للآيتين:

﴿وَإِذْ تَقُولُ [يامحمد] لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [بتحريره من العبودية]أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [زينب] وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ و ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب:37و40).

– “تشريع توزيع الغنائم بعد غزوة بدر” ونسخ “التوارث بالمؤاخاة” الذي كان قد استنّه الرسول بين الأنصار والمهاجرين ليجعله الله في أولي الأرحام(9).

– وفي سياق التدرّج يحضر في الذهن ما آل إليه الحكم الشرعي في الخمر والميسر، بعد مروره بأكثر من مرحلة حيث عرضا في البداية على أن فيهما إثمًا ونفعًا للناس ولكن إثمهما أكثر من نفعهما؛ ثم جاء التحذير من خطر الخمر لما تحدثه في شاربها من سكر، فنهى الله الناس عن إقام الصلاة وهم سكارى؛ وبعد ذلك، ينتهي الحكم الشرعي فيهما (الخمر والميسر) باعتبارهما رجسًا من عمل الشيطان، آمرًا باجتنابهما وفقًا للآية:

﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ -﴾(المائدة:90)،(10). هذا من غير أن يعني أن كل الأحكام الشرعية مرّت بمراحل من التدّرج.

أما الأمر في “مراعاة الظروف” في حياة أهل الإيمان فهو أوضح وأبين وأوسع. إن هذه المراعاة تؤكّد في ما تركّز عليه، المدى الكبير الذي يخدم الدين الإنسان المؤمن به باعتباره الغاية في عالم الشهادة. وها نحن نذكر بعض الوقائع والحقائق في هذا النطاق على سبيل المثال:

– بالعودة إلى زمن النبوّة والتنزيل الكريم فيه، فإننا نلاحظ كيف جاء التنزيل طيلة ثلاث عشرة سنة في مكة المكرّمة حيث كان الجو معاديًا ومحاصرًا للدعوة وصاحبها، ومتمحورًا حول القضايا الروحية الإيمانية في توحيد الإلوهية وجعلها كلها لإله واحد أحد صمد هو رب العالمين، وفي الإيمان بالملائكة والكتب والرسل ويوم البعث والحساب والجزاء والجنة والنار وما إلى ذلك. لننظر على سبيل المثال سور “الأنعام والأعراف ومريم والأنبياء…”.

كما نرى التنزيل يتمحور حول التشريع والتنظيم والتدبير والتصريف والمواجهة في كل ما يتعلق بشؤون الناس وأمورهم في شتى مناحي حياتهم، نتيجة للجو المناصر والـمُطْلِق للدعوة في المدينة المنوّرة طيلة عشر سنوات انتهت بانقطاع الوحي مع انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى . لنتأمل في سور “البقرة وآل عمران والنساء والأنفال…” على سبيل المثال.

– قصر الصلاة في ظرف فيه خوف من استغلال العدو الانشغال فيها من قبل أهل الإيمان لإيقاع الأذى والضرر والشر فيهم، تبعًا لما تذهب إليه الآية:

﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾(النساء:101). وفي سياق مراعاة الظروف، طلب الله من نبيّه عدم الجهر بالصلاة والمخافتة بها بحيث يختار مستوى للصوت بين هذه المخافتة وذاك الجهر تجنبًا لإثارة من لا يؤمن بالإسلام دينًا فيسبّه أو يشتمه ومن أنزله حيث تقول الآية:﴿-وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا –﴾(الإسراء:110).

– لا شيء يحول دون المحافظة على الحياة والحرص عليها في حال الاضطرار والضرورة حيث يباح المحظور فيهما. فالإنسان المؤمن الذي يجد نفسه في ظرف قاهر لم يتوفّر فيه سوى أحد المحرّمات من قبيل “الميتة أو الدم أو لحم الخنزير” فله أن يأكل منه دون أن يكون في ذلك أي إثم عليه، وفقًا للآية:

﴿-فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة:173). وفي السياق نفسه، قد يُكْرَهُ الإنسان المؤمن على الكفر بالله بحيث إن لم يمتثل، يدفع حياته ثمنًا لتمسّكه بإيمانه علنًا. فله أن ينحني للظلم هذا ويجهر بالكفر، ولكنّه مبق على قلب مفعم بالإيمان الصادق، فليس في تصرّفه كفر أو ارتداد، لأن الضرورة أباحته له والله غفور رحيم. هذا مما يفهم من الآية:﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ -﴾(النحل:106).

– ان الله يخبرنا في القرآن أن شريعة الإسلام ليست الوحيدة التي استنّها للناس مراعاة لخصوصياتهم في انتماءاتهم إلى أقوالهم وشعوبهم وأممهم حيث يقول تعالى: ﴿-لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (المائدة:48).

وننهي الفقرة بحديث للرسول جاء في إطار الآية 178 من سورة البقرة إذ يقول: “من أصيب بدم أو خبل [جراح] فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتصّ أو يأخذ العقل [الديّة] أو يعفو. فإن أراد رابعة فخذوا على يديه فإن فعل شيئًا من ذلك ثمّ عدا بعد فقتل فله النار خالدًا فيها مخلّدًا” (11).

3-3-ب-(4)- النسبيّة والمحدوديّة: لعلّ القراءة المعمّقة للمميّزات السابقة من خضوع الدين لحريّة الإنسان إلى مرونة شريعته ويسرها فإلى تدرّجها ومراعاتها للظروف والأحوال، تكفي للقول بنسبيتها ومحدوديتها أيضًا. بيد أنه لا يعوزنا المزيد من الأدلة والبيّنات التي تؤكّد على هاتين المميزتين، منها:

– ان استنان الله لكل أمّة أو قوم “شرعة ومنهاجًا” يعني في ما يعنيه أن شرائع السماء، وإن كانت من لدّن الإله الواحد، فإنها تختلف في ما بينها بهذا القدر أو ذاك وهي بالتالي ليست واحدة، الأمر الذي يمكّن من تأليف شريعة واحدة يمتثل لها ويعمل بها جميع الناس المختلفين في الشرائع، والمختلطين في كيان سياسي واحد بحيث يبقى على الخصوصيات الضيقة جدًّا التي لا تؤثّر سلبًا في الحياة والانتظام العامين.

– ان حال الاضطرار وظرف الضرورة اللذين يمثلان للإنسان المؤمن في مواقف حرجة يرى فيها حياته مهدّدة جدّيًا، فلا يجد ما ينقذها سوى ما حرّم عليه ونهي عنه، يرخّص له بل يبيح له المحظورات من الحرام ومن المنهي عنه(12).

– نفهم من الآيتين: ﴿وَهُوَ [الله] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾(الفرقان:47)، و﴿هُوَ [الله] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا -﴾(يونس:67)، أن الله قد جعل لنا الليل للراحة والنوم، والنهار للسعي والعمل. بيد أنه في واقع الأمر لا يعمل بذلك دائمًا في كل الظروف والأحوال: مثلًا، فإن الكثير من المصالح والمصانع والشركات وما إليها تقتضي ظروفها العمل ليلًا، والأغلب، ليلًا ونهارًا، ما يجعل السعي والعمل يتمّان في اللّيل، والراحة والنوم في النهار بالنسبة إلى الكثير من الناس؛ أضف إلى ذلك أن الناس في بعض المناطق يمتدّ فيها كل من الليل والنهار عدّة أشهر، يجدون لزامًا عليهم تقسيم الليل والنهار إلى وحدات زمنية بحدود الـ 24 ساعة يعملون ويسعون فيها، كما يرتاحون وينامون فيها أيضًا، سواء في ليلهم أو نهارهم الممتد أشهرًا.

وفي السياق نفسه، يمكن أهل الإيمان أن يصوموا رمضان ويستفيدوا من الترخيص لهم أو التيسير عليهم في مرضهم وسفرهم، كما يمكنهم التقيّد أو العمل بالمباح لهم من أكل وشرب ليلًا من الغروب حتى الفجر حيث يبدأ الإمساك عن الطعام ويستمر حتى أول الليل (الغروب) كما جاء في الآية:

﴿-وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾(البقرة:187)، في المناطق التي يومها بنهاره وليله يبقى 24 ساعة من الزمن. لكنهم إذا تواجدوا في المناطق التي يمتدّ كل من نهارها وليلها عدة أشهر، فإنهم يلجأون إلى حكم شرعي يتلاءم معهم في هذه المناطق في صيامهم وفي صلواتهم أيضًا.

– وهو هو الله العادل الذي لا يظلم عنده أحد، ولا يريد الظلم لأحد، يحذّر المؤمنين ويخوّفهم من عقاب للظالمين لا يقتصر عليهم بل يصيب غيرهم من المظلومين أيضًا باعتبارهم “سكتوا عن ظَلَمَتِهم” فلم يأخذوا على أيديهم. بيد أن الآية، وإن كان فيها حضّ على مواجهة الظلم وعدم السكوت عنه، فإنها في ظاهرها تساوي أو تجعل الظالم والمظلوم في مستوى واحد من المسؤوليّة، وبالتالي يصبح “فعل الظلم” مستويًا مع “عدم مواجهة الظلم”. فلنتفكّر في الآية المعنية:

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(الأنفال:25). وفي هذا السياق، يحضرنا شعار يستغلّه الاستبداد السياسي أبشع استغلال، ألا وهو “الظلم بالسويّة عدل بالرعيّة”. ومما يدعّم هذا المنحى من التفسير لهذه الآية، الحديث الشريف للرسول الذي جاء في إطارها، الا وهو: “إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمّهم الله بعذاب من عنده”(13)

ولكننا، ودون الغوص بعيدًا في التأويل، نرى أن هذا الحديث وتلك الآية لا يذهبان مذهب الاستواء بين الظالم والمظلوم، بل هما في جوهر الدين الحنيف يخصّان الظالم بالعقاب، والمظلوم بالحضّ على مواجهة الظلم ومقاومته، ليبقى العدل الإلهي عدلًا خالصًا لا تشوبه شائبة من ظلم، كما يؤكّد هذا العديد من الآيات منها الثلاث التالية:

﴿-وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾(فصّلت:46)، و﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ -﴾(الأنبياء:47) و ﴿-وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى -﴾(الأنعام:164)….

وبعد هذا العرض لبعض مميزات شريعة الإسلام، وللدلائل والبيّنات والبراهين والوقائع التي تؤكد عليها، يتبيّن لنا أنه ليس فيها بمرجعيها، القرآن والسنّة، من الكمال والشمولية والمطلق سوى إخبارنا عن الله، ربّ العالمين، الذي وحده المطلق في ذاته وألوهيّته وعلمه وإرادته وقدرته وعدله وكماله وما إلى ذلك. أما ما عداه فيندرج في إطار النسبيّة والمحدودية وما إليهما.

كما يتبيّن لنا أيضًا أنه لا شيء يحول دون التفاعل مع المستجدات والتطوّرات والتغيرات المتلازمة مع حركة الحياة في عالم الشهادة، ومواكبتها بحيث نجعلها تصب في خدمتنا وعلاج مشكلاتنا، وتقدّمنا ورقيّنا، فضلًا عن سعينا الدؤوب لنكون دائمًا شركاء في صناعة حضارة خليفة الله في الأرض، وتعزيز سيادته وحريته المسؤولة وكرامته، لا شيء يحول دون هذا سوى العقول البشرية التي صادرت الإسلام في هويته ووحدته، ونصّبت نفسها وكيلة حصريّة للسماء على الأرض من غير وجه حق تدّعيه في القرآن والسّنّة…ولكن، أيجوز لخليفة الله هذا، وهو المتغيّر والتاريخي في واقع أمره وحاله، أن يرى ما سخّر له ولخدمته، متغيّرًا وتاريخيًا حتى ولو كان من رسالات السماء؟ لنرَ.

  • تغيّريّة الإسلام وتاريخيّته:

ماذا نعني بمصطحليّ “التغيّريّة والتاريخيّة” بشأن الإسلام في هذا المقام؟ وإذا كان التغير يصيب الإسلام، ففيم ذلك؟ وإذا التاريخيّة تصف كل ما حدث في عالم الشهادة منذ وجوده، وإذا هي تصف كل ما يحدث وما سيحدث في هذا العالم بمجرّد اندراجهما في الزمن الماضي، فهل هي تصف الإسلام منذ ظهوره في الزمن الماضي وفي امتداده في هذا الزمن، حتى الزمن الحاضر أو بالأحرى حتى نهاية الزمن الماضي وبدء الزمن المستقبل، ثم ستصف امتداداته وتداعياته المستقبلية حال ولوجها في الزمن الماضي؟ أو باختصار شديد، هل يفلت الإسلام من التاريخية ليكون لاتاريخيًا؟ لنرَ ما يفضي إليه إعمال العقل في هذه التساؤلات، استجابة للحض الإلهي على ذلك ودعوته إيانا إليه ونحن خليفته في هذا الكوكب.

4-1- في المعنى: 4-1-أ- في معنى التغيّرية: ان التغيّريّة هي صفة الشيء المتغيّر؛ والشيء المتغير هو في حال من الحركة مؤدّى ما يتعرّض له أو يصيبه فيها هو على النحو التالي:

4-1-أ-(1)- إما أن يتعدّل بالحذف منه أو الإضافة إليه، أو بإضعافه أو تقويته، أو بتقييده أو إطلاقه، أو بتخصيصه أو تعميمه…الخ.

4-1-أ-(2) – وإما أن يتحوّل بالتنقل من موضع إلى آخر أو بالانتقال من حالة إلى حالة أخرى تختلف عن سابقتها بكثير أو قليل، من قبيل تحوّل الماء إلى جليد أو إلى بخار، وتحوّل بذرة المشمس إلى شجرة المشمش، وتحوّل الجنين إلى طفل بعد الولادة ثم إلى مراهق فإلى راشد وقد بلغ أشدّه فإلى كهل إذا ما امتدت به السّنّ…الخ.

4-1-أ-(3)- وإما أن يتبدّل أي يتم له بدل أو بديل منه أو شيء غيره، من قبيل تبديل عقوبة القتل بالقصاص بعقوبة دفع الدّية أو بالعفو الذي يخفي في طيّاته شيئًا من العقوبة المعنوية…

ان الجدير بالذكر هنا هو أن المتغيّر لا يتعرّض بالضرورة إلى كل هذه الوجوه من التغيرات.

4-1-ب- في معنى التاريخية: ان “التاريخية” هي الأخرى صفة تطلق على أي حدث تمّ حصوله في الزمن الماضي في مكان وزمان معينين ارتبط بهما أوضاع وظروف وأحوال تمت بصلة إلى النشاط البشري وجاء نتيجة لفعل فاعل بشري أراد إحداثه بدوافع معيّنة ولغايات معينة، أو لعمل عوامل لا إرادية أفضت إلى إحداثه من قبل الجماد أو النبات أو الحيوان، أو لقوة خارقة فعّالة على نحو مطلق هي قدرة الله خالق الكون وصانعه في نظر أهل الإيمان به واحدًا أحدًا صمدًا، أو لقوى خارقة أخرى وفقًا لمعتقدات أخرى.

إن الأحداث الموصوفة بالتاريخية ليست واحدة من حيث أثرها وأهميتها وقيمتها في حياة البشر. فبعضها ينتهي أثره في زمن قليل ومحدود في مكان محدود، في جماعة بشرية كبيرة أو صغيرة معينة؛ وبعضها يتسع في أثره فيتجاوز مدى أثر سابقه بكثير أو قليل؛ أما إذا انتشر أثر بعضها وامتد في المكان والزمن المستقبل، وترتّب عليه تغيرات وتحوّلات ذات شأن في حياة الناس، فيوصف بأنه نقطة تحوّل تاريخي في حياتهم؛ وإذا عظم الأثر بما ترتّب عليه، فيصبح منطلقًا لتأريخ الأحداث المغايرة له قبله وبعده، من قبيل حدث ظهور الإنسان (آدم وحواء)، دينيًّا على الأرض، حيث بدأت معه وبه رحلة تمدين الكوكب وأنسنته، ليتقلّص مع تقدّمهما توحّشه في جماده ونباته وحيوانه وحتى في إنسانه، في بره وبحره وجوّه.

ومثل حدث ظهور المسيحية على يديّ السيد المسيح حيث أصبح تاريخ ميلاده نقطة معتمدة لدى الكثير من الشعوب والأمم والدول، لتأريخ الأحداث قبله وبعده؛ ومثل حدث ظهور الإسلام على يدي النبي محمد حيث ارتبط تأريخ الأحداث لدى الكثير من البشر بتاريخ هجرة الرسول من مكة المكرمة إلى المدينة المنوّرة.

هذا فضلًا عن أحداث أخرى شكّلت محطات تاريخية هامّة تذكر بعض الأحداث قبلها وبعدها دون أن يكون لها ما هو كائن للتأريخين الميلادي والهجري، علمًا بأنهما ليسا وحدهما في العالم، إنما ميّزناهما من سواهما لارتباطهما بأغراض البحث الذي نحن بصدده ليس إلّا. ذلك أن الإسلام ظهر في القرن السابع الميلادي وهو محور بحثنا… فإلى أي مدى يمكن الحديث عن “تغيريّة وتاريخيّة” في الإسلام؟

4-2- في تغيّرية الإسلام: لعلّ مقولة “دوام الحال من المحال” ليست بعيدة من الكثير من الآيات القرآنية التي تخبر عن التغيّر في حياة البشر من قبيل “مداولة الأيام بين الناس” في حلوها ومرّها كما في خيرها وشرّها، و”تعاقب العسر واليسر” و”تقليب الليل والنهار”، و”تغيير ما بالأنفس”… أما الآيات المشار إليها فهي تباعًا:

﴿-وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ –﴾(آل عمران: 140)، و﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا-﴾(الطلاق:7)، ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾(النور:44)و :﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11). أضف إلى ذلك أن مميزات الشريعة الآنفة الذكر تعبّر عن التغيّر في الإسلام وشريعته بهذا القدر أو ذاك. بيد أن سنّة الله لا تقبل تغييرًا كما ورد في الآية:

﴿-فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾(فاطر:43). فهل نحن أمام أو في مأزق التناقض؟ – لعلّ في تتبّع استقراء التغيّر في القرآن، يتبدّد هذا التناقض البادي في ظاهر الكلام. فإلى ما يكفي من الأدلّة والبينات والوقائع.

4-2-أ- في السنن الإلهيّة: ان سنّة الله في خلقه ليست واحدة في إطار ما اكتشفه وحصّله وراكمه خليفة الله في الأرض من علم حتى الآن؛ فهي مختلفة في الجماد عنها في النبات وعنها في الحيوان، وعنها في الإنسان. وإن معاييرها من الدقة والإحكام واليقين تطّرد هبوطًا مع انتقالنا من الجماد وطبائعه إلى النبات وطبائعه، فإلى الحيوان وطبائعه، فإلى الإنسان وتفرّادته. فما يحكم المادّة الجامدة يختلف عمّا يحكم المادة الحيّة؛ ويكبر الاختلاف ويعظم في المادة الحية من النبات إلى الحيوان فإلى الإنسان.

وما يعقّد الأمور في السّنّة الحاكمة للبشر هو إرادتهم الحرّة وتفرّدهم في ما بينهم. فليس كل المعنيين “بالقصاص في القتلى” يقبل الدّيّة بديلًا من حق القتل، وليس كلهم يقبل العفو بديلًا من القتل والديّة. فالسّنّة الإلهية تراعي التفرّد بين الناس. والمراعاة تغيّر من “القتل” إلى “الديّة” فإلى “العفو” أو بالعكس.. ان السنن كلّها خضعت للتغيّر أو حكمها التغيّر في الخلق ومعه في إيجاده خلقًا ووجودًا، وسيحكمها التغير إلى ما لا يعرفه الإنسان بعد فناء الخلق أو هلاكه؛ وفي الخبر الإلهي، ستكون الحياة الباقية في الآخرة خلودًا سواء في الجنة أو في النار وفقًا لسنّة أو سنن إلهية لا يعرفها الإنسان أيضًا…

فسنن الله في خلقه تتحوّل وتتبدّل خلافًا للمعنى الظاهر الذي ينفي عنها التبديل والتحويل، ذلك لأن السّنّة مثل الزمن الملازم في وجوده لوجود الخلق؛ إنها جزء لا يتجزأ من الخلق، وهي ملازمة للتغيّر بطبيعتها كما سيتأكّد لنا هذا على صعيد الناس الذين سنقصر الكلام على سنّة الله فيهم لمحوريّتها في البحث الذي نحن بصدده، علمًا بأنها لم ترد في القرآن إلاّ في إطار البشر دون غيرهم من الخلائق.

ففي إحدى عشرة آية (14) وردت لفظة “السّنّة” في تسع منها، ولفظة “السنن” في الاثنتين الباقيتين، وقد أضيفتا إلى “الأولين” أو دلّتا عليهم في الأزمنة القديمة، وهم “الأمم الغابرة”، أقوام الأنبياء نوح وهود وصالح وشعيب ولوط، وقوم فرعون، الذين قضت سنة الله فيهم بإهلاك الكذبة والكفرة والظلمة منهم لعدم تصديقهم رسله إليهم، تباعًا، بالطوفان وريح صرصر والطاغية والصيحة والحاصب واليم، كما قضت في الوقت نفسه بتنجية الأنبياء وأتباعهم من أهل الإيمان. ويفهم من ظاهر الكلام في الآيات المعنية ان شريعة الله واحدة وثابتة لا يأتيها التغيير من أي جهة، وهي وحدها الصحيحة السليمة لمعالجة وإدارة وحكم الناس في مشكلاتهم وشؤونهم وأمورهم على نحو ما أمر به الله ونهى عنه وحكم به، وحلّله وحرّمه، كما يفهم أيضًا أن من عمل بها وأطاع فيها الله ورسوله، فاز في الدنيا والآخرة. لقد نفى الله عن سنّته التغيير بعد  التحويل في الآيتين:

﴿-وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾(الإسراء:77)،﴿-وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾(فاطر:43)؛ ونفاه عنها بعدم التبديل في ثلاث آيات تكررت الصيغة نفسها فيها على  النحو التالي من حيث المعنى:﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾(الأحزاب:62). أضف إلى ذلك أن في الآيات نفسها دعوة من يعقل ويعتبر إلى أخذ الخبرة والعبرة من سيرة الأنبياء. فإلى بعض السنن:

4-2-أ-(1)- سنّة الله في خلق الجنس البشري: إنه من المسلّم به دينيًا أن الجنس البشري أبوه آدم وأمه حواء. لقد خلق الله آدم من “تراب”، وخلق زوجه حواء منه دون إخبارنا كيف. وجعل الناس يتناسلون من طريق الزواج بين آدم وحواء ثم من بين الذكور والرجال والإناث النساء بحيث يأتي الكائن البشري إلى الوجود من طريق إخصاب منيّ الرجل (الأب، الوالد) بويضة المرأة (الأم، الوالدة) لتبدأ حياته جنينًا ثم ولدًا، ثم فتى أو فتاة، ثم رجلاً أو امرأة. ولكن الزواج لا يكون بين الأخوة والأخوات لأنه محرّم، مصداقًا للآية:

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ-﴾(النساء:23). بيد أنه قد حصل بين أبناء وبنات آدم وحواء؛ وإلاّ لما استمرّ الجنس البشري. ترى، أهي “الضرورة التي تبيح المحظور فيحلّل بها الحرام”؟ – نعم، بشريًا، لأنه لم يكن بين يدي الإنسان أية حيلة أخرى ليستمر الجنس البشري؛ أمّا إلهيًّا فلا، لأن أمر الله لا يخضع للضرورة﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(يس:82). ان الله فعّال لما يريد فلا يعوزه شيء. فلو شاء عدم تحليل الحرام المشار إليه، لكان خلق آدمين وحواءين (اللهم، لا اقتراح ولا اعتراض، إنما لتبيان قلّة حيلة الإنسان في حالي الضرورة والاضطرار ليس إلاّ)، لنتأمل في الآية:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً -﴾(النساء:1). وفي الآية ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا –﴾(الأعراف:189).

وفي السياق نفسه لسنّة الله في خلق الجنس البشري، لقد خلق السيد المسيح، عيسى بن مريم بكلمة منه “كن” وروح منه كلّف بها الأمين جبريل كما أخبرت الآية ﴿-إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ-﴾(النساء:171). أضف إلى هذا أن السيدة مريم العذراء عندما استغربت أن يكون لها ولد من غير أن يكون لها زوج أو من غير أن يمسها بشر، جاءها الردّ بأن الله يخلق ما يشاء بأمر منه، كما أعلمت الآية:﴿قَالَتْ[مريم] رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(آل عمران:47).

ان ما أنعم الله به على السيد المسيح وعلى أمّه مريم، من المكانة الرفيعة والأهمية الكبرى والتكريم الإلهي، إذ اختار مريم على سائر نساء العالمين فجعلها أمًّا دون أن يمسها بشر بروح منه، وجعل المسيح ابنا بكلمة منه من غير أب فضلًا عن رسالته ونبوّته، جاعلًا إياهما آية للعالمين، ودليلًا ساطعًا على إرادته وقدرته المطلقتين وفقًا للآية:

﴿وَالَّتِي[مريم] أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء:91).  ان هذا الإنعام الرباني العظيم لا يُخرج السيد المسيح والسيدة العذراء أمه من دائرة الجنس البشري من وجهة النظر الإسلامية. والآن، فما يمكننا أن نرى من وقائع في ما استقرأناه من سنّة الله في خلق الجنس البشري؟ وعلام تنطوي هذه الوقائع من تغيير؟

– أولًا، في الوقائع: خلق الله آدم من تراب ومن غير أب وأم، وخلق حواء من آدم ومن غير أب وأم هي الأخرى، ووضع الجنس البشري على سكة الحياة في عالم الشهادة بزواج آدم وحواء الحلال. واستمر الجنس البشري في الحياة بزواج حرام بين الأخوة والأخوات أبناء وبنات آدم وحواء، أباحته الضرورة. ان بشرية السيد المسيح كانت من أم ومن غير اب، أمكنها الله بأمر وروح منه؛ وأمومة السيدة مريم تمّت بإنجاب ولد من غير أب، من غير أن يمسّها بشر، ولكن بأمر وروح من الله.

– ثانيًا، في ما تنطوي عليه الوقائع من تغيير في السّنّة: ان هذه الوقائع فيها كثير من وجوه الخلق التي أخذت طريقها إلى الوجود بأمر من الله كان عليه يسيرًا. بيد أنها تنطوي على وجوه من التغيير في سنّته تعالى في خلق الجنس البشري، هي: ان اختلاف خلق آدم (أبي البشرية) من تراب عن خلق حواء (أم البشرية) من آدم هو تغيير واضح في سنة الخلق؛ وتغيير هو الآخر الاختلاف بين خلق حواء من آدم وخلق باقي البشر منهما ومن ذريّتهما بفعل الزواج بينهما، على الرغم من ظاهر إخبار الناس أن الله خلقهم وحوّاء من “نفس واحدة”.

كما ورد في الآيتين آنفتي الذكر. ثم ان التغيير من الزواج الحلال في السّنّة إلى الزواج الحرام فيها لهو تحويل لا لبس فيه من حالة إلى حالة أخرى. أما التغيير من التناسل بإخصاب منيّ الرجل بويضة المرأة إلى التناسل من  امرأة بأمر وروح من الله كما تمّ لإنجاب السيد المسيح،  فهو  تبديل كامل لدور بشري بدور إلهي، كما أن التغيير من الأمومة بفعل إنجاب امرأة ولدًا بفعل منها ومن زوجها، إلى الأمومة بفعل إنجاب الولد منها ومن أمر وروح من الله، هو الآخر تبديل كامل لدور الزوج بدور إلهي…

وها نحن أمام نتيجة واضحة لا لبس فيها، ألا وهي “ان سنّة الله في خلق الجنس البشري تنطوي على تغيير، على تحويل وتبديل، في الإطار البشري”.

4-2-أ-(2)- سنّة الله في عقاب الكفرة والظلمة والكذبة: ان المقصودين بالعقاب هم أولئك الأقوام والأمم أو “القرون الأولى” كما سمّاهم القرآن، الذين كفروا بما جاء به رسلهم من الله وظلموهم وكذّبوهم، فقضت سنّة الله في عقابهم بإهلاكهم حتى  الإبادة، وبتنجية الأنبياء وأتباعهم القليلين، كما سبق الكلام على ذلك. أما ما نريد قوله في هذا المقام هو أن هذه السنّة في العقاب لم تعد قائمة بعد “القرون الأولى”، وأصبحت مدعاة لأخذ العبرة، وتغيّرت من العقاب بالإهلاك والإبادة في الدنيا إلى الإمهال فيها والإرجاء إلى يوم الدينونة؛ والدليل الساطع على ذلك، هو كثرة  الجماعات والأقوام والأمم الذين لم يؤمنوا على الأقل برسالة النبي المصطفى، فضلًا عن ظلمه وتكذيبه.

أضف إلى ذلك ان الاختلاف في العقائد بين الناس يرجأ البتّ فيه إلى يوم القيامة حيث حكم الله الفاصل فيه وفقًا لما تخبر به الآية ﴿اللهُ يحكُمُ بَيْنَكُم يَومَ القيامةِ فِيما كُنتُمْ فيه تَخْتَلفِونَ﴾ (الحج:69)، وأن الإيمان والكفر بالدين صارا تابعين لاختيار الإنسان وإرادته وحريّته مصداقًا للآيتين:﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين-﴾ (البقرة:256)، و﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر-﴾(الكهف:29)…. وهكذا نرى أن سنّة الله في العقاب تنطوي على كثير من التغيير، من تنفيذها بكل شدّة في عالم الشهادة إلى الإمهال فيها والإرجاء للبت فيها في عالم الغيب في الآخرة.

4-2-أ-(3)- سنّة الله في الصيام والصلاة: ان حكم الله في الصوم هو الإمساك عن الطعام والشراب من الفجر إلى  الغروب طيلة شهر رمضان من كل سنة، علمًا بأن اليوم بليله ونهاره أربع وعشرون ساعة. وقد يسّر الله على من يكون مريضًا أو مسافرًا، فرخّص لهما الإفطار على أن يصوما بدل الأيام التي أفطرا فيها في وقت آخر. كما أن حكمه في الصلاة هو خمس صلوات في أوقاتها في اليوم: ركعتان صبحًا، وأربع ركعات ظهرًا، ومثلها عصرًا، وثلاث ركعات غروبًا، وأربع ركعات عشاء. وقد يسّر الله أيضًا على المسافر أو  الخائف من عدو، فرخّص لهما القصر في الصلاة (صلاة ركعتين بدل الأربع)، علمًا بأن بعض المسلمين يجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وصلاتي المغرب والعشاء.

بيد أن سنة الله هذه في الصيام والصلاة لا بدّ لهما من التغيّر في ظروف كبيرة الاختلاف: ففي الصيام، هناك مشقة لا يخفّف من وطأتها الأجر العظيم، إذا أطاق أهله ذلك، في السويد حيث تبلع ساعات النهار في بعض المناطق عشرين أو أكثر في الصيف، وفي فنلندا حيث تبلغ ثلاثا وعشرين. وان تجاوزنا هذه المشقة، فهل يمكن الصيام في مناطق من السويد حيث يكون نهارها شهرين في الصيف، وليلها شهرين في الشتاء، ما لم تتغيّر السّنّة؟! والأمر نفسه يتكرر في مناطق يكون فيها كل من الليل والنهار عدّة أشهر، ويبلغ ستة أشهر في القطبين الشمالي والجنوبي، فالسّنة القطبية يوم واحد. فكم من المفاهيم يجب أن تتغيّر بشأن الصلاة والصيام، من قبيل النهار والليل واليوم والأسبوع والشهر والسّنة، والفجر والصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء! أضف إلى ذلك أيضًا أنه من سنّة الله أن يكون الليل للراحة والنوم، والنهار للسعي والعمل.

فكم من الناس أيضًا يعملون ويسعون وينامون ويرتاحون في الليل الواحد الذي طوله عدة أشهر، وفي النهار الواحد الذي طوله أيضًا عدة أشهر! بيد أن خليفة الله لا تعوزه الحيلة في أن يجتهد ويأتي بأحكام يرضي الله بها في عباداته له وفقًا لما تمليه عليه ظروفه وأحواله. ولكن هذا لا يعني أن سنّة الله في الصيام والصلاة واحدة، بل هي تتحوّل وتتبدّل في حياة البشر.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى