مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”43″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
4-3-ب-(2)- القرآن يؤرخّ للإسلام: ان القرآن يؤرخّ لنفسه وللسنة النبوية استتباعًا، باعتبارها جاءت في إطاره. إنه من ألفه إلى يائه، وفي تنزيله وتلقيه وفهمه وتبليغه، والعمل به على يدي النبي المختار، قد تحوّل من الطابع الإلهي السماوي إلى الطابع البشري الأرضي، انتقالًا من الأمين جبريل إلى الأمين محمد، ومنه إلى أصحابه وأتباعه، ومنهم جميعًا إلى الناس الذين استجابوا للدعوة ورضوا بالإسلام دينًا في زمن نبوّة الرسول في ثلاث وعشرين سنة، منذ بعثه حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى. وكان فهم القرآن في عهد الرسول فهمًا محمديًّا حصريًّا.
وبذلك دخل عالم الشهادة النسبي والمحدود والتاريخي. إن القرآن الموحى به إلى النبي محمد، والموجّه إلى الناس كافة، يتغلغل في حياتهم انطلاقًا من بيئة العرب في شبه الجزيرة العربية، فيحدث فيهم تغييرًا تمّ لهم بعد تغيير ما بأنفسهم، فيجبّ ما قبله، ويقطع مع كثير مما كان في ماضيهم، وينشئ منهم وممن استجاب له من غيرهم “أمّة” يقودها الرسول في أطره التي بشّر بها، ودعا إليها، وعمل بها زمن نبوّته، فينتقل بها: دينيًا، من الشرك والكفر إلى التوحيد والإيمان بإله واحد أحد لا شريك له، ومن “ظلمات الجاهلية” إلى نور العلم والهدى والصراط المستقيم؛ واجتماعيًا، من القبليّة القائمة على “عصبية رابطة الدم” التي كانت تفرّق الناس وتغذّي الصراعات بينهم، إلى “الأمة القائمة على رابطة توحيد الناس تحت رايته”، فتقضي على النزاعات بينهم، ما يفضي إلى اشتداد قوتهم وتعاظم مكانتهم ومهابتهم في العالم؛ وسياسيًا، ينتقل الرسول بالأمّة من التنازع والتقاتل والتحارب إلى وحدة القوى تحت راية الإسلام فإلى التصدي للقوى المعادية والمهدّدة لأمن الجميع ومصالحهم وسلامتهم، فإلى التمكّن من مواجهة خطر الفرس والروم. وبذلك كان القرآن نقطة تحوّل تاريخي ممتدّ في الزمان والمكان مما صنعه بالأمة الناشئة ومما صنعته به، ليصبح جزءًا من تاريخ هذه الأمة المكتمل بالدور الرائد للرسول في ما أنجزته وحققته في عهده.
وبذلك أصبح القرآن لسان حال أهل الإيمان به كما أنزل على نبيّهم بلسان قومه العرب، ما جعل فهمه متوقّفًا على بنى اللغة العربية وصيغها وإشاراتها وخصوصياتها دون لغات العالم أجمع، على الرغم من كونه دعوة عامة شاملة إلى الناس كل الناس من غير استثناء؛ وبذلك أيضًا كان القرآن، وإن لم يميّز العرب من سواهم في ما لهم وفي ما عليهم في الأوامر والنواهي والأحكام والحلال والحرام والتكليف والتفصيل، كان امتيازًا لهم من قبيل الإنعام الإلهي عليهم دون سواهم لأنه بكل بساطة:
﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾(فصّلت:3). أضف إلى ذلك أن هذا الامتياز أدّى إلى امتياز آخر ألا وهو ان القرآن قد أخذ حيّزه وجودًا في عالم الشهادة في اللغة العربية وبيانها وبلاغتها وبديعها وأساليبها، ما جعل من معرفة “لسان العرب” الكافية الوافية، والإمساك بناصيته، شرطًا لا بدّ منه لفهمه ونقله ونشره بين العرب وسواهم. ولعلّه من المعروف أن لغّة القوم هي وعاء ثقافتهم وحضارتهم ومدنيتهم، فضلًا عن أنها وسيلة وأداة التواصل والتفاهم والتعبير في ما بينهم، وهي بالتالي تتغيّر وتتطوّر في مكانهم وزمانهم وظروفهم وأحوالهم وحاجاتهم وتطلعاتهم، ويسجّل ويؤرخ بها كل ما يعنيهم تسجيله وتأريخه مما أحدثوه ويحدثونه في حياتهم من مظاهر الثقافة الديني والفني والعلمي والتقني.
لقد ارتبط القرآن في تنزيله منجمًا طيلة الزمن المحدود بنبوّة المصطفى في ثلاث عشرة سنة في مكة وعشر في المدينة، ارتبط إلى حد كبير بحيثيات الناس الذين تبلغوه في عهده من مواقف ومناسبات وأحداث وظروف وأحوال وأسباب فضلًا عن حاجات الدعوة وغاياتها التي ائتمن الرسول على احتضانها، وتعهّدها وحققها في طاعة الله ورضاه. ان هذا الارتباط لا يمكن اعتباره بسيطًا أو عابرًا أو كأنه شيء لم يكن، لأنه يعكس الكثير من مناحي حياة هؤلاء الناس. لذا فهو مما يرجع إليه في كل معاني القرآن، وبيان مراميه، وسلامة ممارسة أحكامه، والائتمار بأوامره والانتهاء بنواهيه. ان تفسير القرآن والاجتهاد فيه وتبيين ما فيه وتفصيله وتفقيهه، كلّها موجبات تستدعي ممن يعنى بها الاطلاع الوافي على حيثيات التنزيل ومعرفتها ليتمّ له الاهتداء إلى سواء السبيل وسداد الرأي بشأنها.
ولعلّ دليلنا إلى هذا هو أن “أسباب النزول” وجب أن تكون حاضرة بين يدي كل من يقدم على تفسير القرآن. لذا فقد ألّفت وتؤلّف مؤلفات في أسباب نزول القرآن لما لها من أهمية وقيمة في ما ركّزنا عليه. فالسبب أو الأسباب التي أفضت إلى تنزيل هذه السورة وتلك الآية تجعل وجودهما، ولو نسبيًا، في دائرة عليّتها أو تقييدها واشتراطها على الأقل، وتشركهما، بالتالي، بتاريخيتها. فالقرآن، في هذا السياق، نداء من السماء ترددت أصداؤه، وانتشرت تداعياته، وشاعت وسادت آثاره في أرجاء شبه الجزيرة العربية، ليأخذ منها سبيله إلى مسامع كافة الناس ونفوسهم وقلوبهم وعقولهم في كافة أرجاء المعمورة في عالم الشهادة، مغيّرًا بهم بمقدار ما يغيّرون بأنفسهم، فكان للقرآن وللمستجيبين له في تلك البقعة من العالم زمن النبوّة، تاريخ واحد وإن اختلف فيه منظّرو المذاهب والفرق بهذا القدر أو ذاك. لقد كان القرآن ينظر في ما هو قائم بين الناس من منظوره الذي بشّر به نبي الرحمة المصطفى، ويبتّ فيه، ويحكم عليه في الدنيا والآخرة… وفي هذا السياق، نذكر شيئًا من القرآن من قبيل المثال أو الدليل أو البرهان أو التأكيد على ما ذهبنا إليه:
- إننا نقرأ في الآية: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾(يونس:99)، أن مشيئة الله تقضي ألا يكون الإيمان به وبرسالته الإكراه، بل بالاختيار والرضا والحريّة من قبل الناس؛ ولو كان الأمر غير ذلك، لجعل الناس جميعًا مؤمنين. لذلك نرى أن هذه الآية جاءت تصحيحًا لمسار الدعوة إلى القرآن، التي وجب أن تكون بالتي هي أحسن وبالإقناع بعيدًا من أي منحى من العنف أو الإجبار أو الإكراه، فأوعز إلى رسوله ألاّ يذهب إخلاصه في الدعوة وحرصه على النجاح فيها، إلى الإكراه أو الإجبار عليها.
- يروى أنه عندما حضرت الوفاة أبا طالب(19)، طلب منه النبي أن يوحّد الله بكلمة “لا إله إلا الله” يحاجّ له بها عند الله، فلم يستجب له. فقال الرسول “والله، لاستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك”، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ-﴾(التوبة:113)،وأنزل الله أيضًا في أبي طالب، قائلًا للرسول:﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ-﴾(القصص:56)
– وهذه آية تصف وتعكس ما كان عليه أهل الكتاب، اليهود والنصارى، من تنازع في ما بينهم، إذ جحد اليهود بنبوّة عيسى بن مريم وكفروا بالإنجيل، كما جحد النصارى بنبوّة موسى، وكفروا بالتوراة، كما تصف وتعكس أيضًا ما كان عليه المشركون من تكفير للنبي محمد في دعوته إلى الإسلام، لتنبّه الجميع إلى أن الله سيبتّ في الأمر بينهم، ويحكم في ما كانوا فيه يختلفون، يوم القيامة. أما الآية المعنية فهي:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾(البقرة:113).
– بعد غزوة “أحد” وهزيمة أهل الإيمان فيها بسبب مخالفة بعضهم أوامر الرسول إذ تركوا مواقعهم في الجبل طمعًا في الغنائم حيث أحسن المشركون استغلال ذلك الخلل فتحوّلوا من الهزيمة إلى النصر، جاء الوحي مقوّمًا ما جرى في هذه الغزوة، وما ترتب عليه، وما ينبغي أن تكون عليه الأمور اتّعاظًا واعتبارًا، فتلقاه الرسول ليقرأ فيه أن لينه للمخالفين هو من فضل الله، وان سعة صدره وكبر قلبه، وعظم عطفه، كل ذلك جعلهم يلتفّون حوله، وأن الله يطلب منه أن يسامحهم، ويطلب لهم الغفران من الله، ويقف على رأيهم في ما يراه من الأمور، وأن يتوكّل على الله بعد أن تتمّ له العزيمة. أما الوحي المعني فهو:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران:159).
- وهذه قصة الرسول مع “زيد بن حارثة” (20)، العبد الذي أهدته إياه زوجه خديجة، والذي أعتقه وتبنّاه، وزوّجه ابنة عمه “زينب بنت جحش”… أتى زيد الرسول شاكيًا له زوجه زينب. فقال له النبيّ: احفظ عليك زوجك، ولا تتركها، واخش الله فيها، على الرغم مما كان يخفيه في نفسه من رغبة في التزوّج منها خشية مما قد يقوله الناس من قبيل: “هذا محمد قد تزوج من زوج ابنه”. فنزل الوحي يذكر نعمة الله على زيد بالإسلام، وعلى نعمة الرسول عليه بالتحرير، ويبدي ما كان الرسول يخفيه في نفسه تجاه “زينب” ويخبره بأن الله هو أحق بالخشية من الناس، ويعلمه أيضًا بأن الله قد زوّجه زينب، بعد أن قضى زيد منها حاجته، مبطلًا التبني في الإسلام ومحلّلا التزوج من أزواج الأبناء بالتبني، حيث يقول الوحي:﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب:37).
– ومن سوية الأمور أن يذكّرنا التشريع القرآني في توزيع الغنائم والفيء (في الآية 41 من سورة الأنفال، والآية 6 من سورة الحشر) بما كان قد استنه الرسول في قسمة الغنائم في غزوة بدر بالتساوي الذي نسخه القرآن. وفي السياق نفسه، يأخذنا تشريع الإرث الذي جعل في أولي الأرحام (في الآية 75 من سورة الأنفال) إلى نسخ “التوارث بالمؤاخاة” الذي كان قد استنه الرسول بين الأنصار والمهاجرين في المدينة المنورة (21).
- أما “قصة الإفك” (22) المعروفة بين الأوساط الإسلامية، وهي اتهام أم المؤمنين عائشة في شرفها قذفًا وافتراءً وبهتانًا وكذبًا، فقد تولّاها “عبد الله بن أبي بن سلول”، وخاض فيها من خاض، حتى جاء الوحي يبرّئ أم المؤمنين عائشة، ويخبر بأن الذين افتروا هم جماعة من المؤمنين، وينهى عن اعتباره شرّا للمعنيين به، النبيّ وزوجه والأهل، بل هو خير له حيث سينال كل من خاض في إثم الإفك عقابًا بقدر ما اقترفه منه؛ أما العذاب العظيم فسيكون لمقترفه الأكبر في الآخرة. لنتأمل في الوحي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(النور:11).
وهذه سورة المسد التي نزلت في أبي لهب، عمّ الرسول، وفي زوجه، تؤرّخ ما لاقاه النبي من عداوة عمه أبي لهب له في رسالته، من أذى زوجه التي كان من بعض شرّها له رميها الشوك في طريقه لتؤذيه به. لقد جاءت هذه السورة ردًّا من الله على ما كانا يريدانه من سوء وشر وأذى للرسول. فأخبر الوحي فيها أن الهلاك سينال من أبي لهب في الآخرة، ولن يغني عنه كل ما جمعه من ثروة وأموال، وسيعذّب بالنار المشتعلة. وكذلك سيكون جزاء زوجه الجحيم، وسيلتف على عنقها حبل جيّد الفتل…
ويروى أنه عندما كان الرسول ينذر أقاربه الأقربين بالعذاب الشديد إن هم لم يستجيبوا للدعوة إلى الإسلام ائتمارًا بالآية:
﴿وَأَنْذِرْ [يا محمد] عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾(الشعراء:214)، نهض عمّه أبو لهب قائلًا له: “تبًا لك، سائر اليوم، ألهذا جمعتنا”(23)؟ فنزلت سورة المسد:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾.
أما سورة الإخلاص، ذات الآيات الأربع، فتحفل بالتعبير المزدوج عمّا كان في زمن النبوّة أو ما كان ممتدًا منه، مما لا يتفق مع المنظور القرآني الذي بشّر به النبي المختار، وعمّا كان يراه هذا المنظور صحيحًا ولائقّا بذات الله. فعلى الرغم من أن سبب النزول قد ذكر على أنه “سؤال بعض المشركين الرسول عن وصفه ربّه”(24)، أو “سؤال المشركين الرسول عن نسب ربه”(25)، فإن معاني الآيات تأخذنا مباشرة إلى التعبير المزدوج المذكور:
ففي الآية الأولى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، يطلب الله من نبيّه أن يبلّغ الناس أن الله واحد أحد لا شريك له في الألوهية، خلافًا لأي شكل من الأشكال التي تترك ولو انطباعًا بتعدّدية ما فيها من قبيل الثنائية بإله للخير وإله للشر، وثلاثية الأقانيم باعتبارها إلهًا واحدًا.
وفي الآية الثانية: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، يفهم أهل الإيمان أن الله هو السيد المطاع والمقصود والذي تسند إليه الأمور كلها (26)، أو بمعنى آخر، هو الحاكم في كل شيء، والغني والمستغني، والمعين والمستعان. وفي الآية الثالثة:
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾، ينفي القرآن أي طابع بشري لربّ العالمين. فليس له أب أو أم أو زوج أو ولد. إنه الأزلي الأبدي وله الخلق كله، وبه كان. والكلام في الآية هو ردّ واضح وبيّن على ما ذهب إليه أهل الكتاب من يهود ونصارى وفقًا للآية:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾(التوبة:30)، وما ذهب إليه المشركون من أن الملائكة هم بنات الله، أما الأبناء الذكور فهم لهم هم كما ورد في أكثر من آية في القرآن، ونحن نكتفي بذكر ما تخبرنا به في هذا السياق الآية:
﴿وَيَجْعَلُونَ [المشركون] لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾(النحل:57). علمًا بأن هؤلاء المشركين كانوا ينفرون من أن يرزقوا بالإناث ويكرهونهن في ظروف وقيم اجتماعية واقتصادية وأخلاقية وقبلية قاسية من قبيل الفقر المدقع وإمكانية جلبهن لهم العار في الغزو الذي كان سائدًا في حياة العرب قبل أن يوحدهم الإسلام، والذي كان يستضعف النساء ويجعلهنّ من ضحاياه. لذلك كانوا يتخلصون من البنات المولودات، وأدًا في بعض الأحيان، الأمر الذي وصفه القرآن بالقتل من دون ذنب وبأنه من “ظلمات الجاهلية”، كما يمكننا أن نفهم من الآيتين التاليتين:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾(التكوير:8 و9). وأما الآية الرابعة من سورة الإخلاص﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فإننا نفهم أن الله لا يماثله أحد أو شيء في أي شيء يمت إلى الذات الإلهية بصلة، ولا يضاهى ولا يناظر ولا يشابه في ألوهيّته، ولا يتكافأ ولا يساوى في أي شيء.
بيد أننا نريد أن نذكر ما تقتضيه منّا هذه السورة (“الإخلاص”) من الإشارة إلى أننا في المنظور الإسلامي لا تزال تعوزنا اللغة لجعل ذات الله منزّهة عن أي شيء حتى ولو كان هذا الشيء هو “خليفة الله الإنسان” ولعلّ المهتمين بتطوير لسان العرب أن يبلغوا في ذلك ما يزيل من أذهان أهل الإيمان وغيرهم ما قد تتركه صيغة “أفعل التفضيل” من جعل الله مقارنًا بغيره، مما يعني أن المقارنة تفضي إلى فارق يفضل به الله على هذا الغير من قبيل “الله أكبر” في الأذان، ومما يكثر في أدبيات الخطابة والوعظ من قبيل “الله هو أكرم الأكرمين” و”الله هو أعظم العظماء” و”هو أعلم العالمين” و”هو أكبر الجبارين” و”هو أرحم الراحمين” وما إلى ذلك…
وبعد هذا المقتضى، نذهب مجدّدًا إلى إلقاء المزيد من الضوء على “تاريخيّة”القرآن الذي نراه، وهو يؤرّخ لنفسه في شبه الجزيرة العربية في عهد النبوّة، يتّخذ أحكامًا تصحيحية ومواقف بشأن ما سبقه في الظهور،حديثًا وقديمًا، وكأنه يعيد تصحيح تأريخ ذلك، واستعملنا “كأنه” باعتبار القرآن لا يعتمد العلم الوضعي في ما يخبر ويعلم ويأمر وينهى ويحكم ويحلل ويحرّم. ولكن هذا لا يقلل من شأن ما نحن بصدده. ففي التأريخ لنفسه وقد أشرنا إليه سابقًا، فالقرآن بدأ ببعث محمد بن عبد الله نبيًّا رسولاً مع أول وحيه إليه من الله بواسطة الأمين جبريل بـ “إقرأ” كما هو معروف، واستمرّ النزول منجّمًا حتى انتهى مع وفاة متلقيه الحصري النبي محمّد. فالبداية كانت من المكان “غار حراء”، وفي الزمان “عام 610م”، ووسط ظروف وأحوال العرب الذين كانت تتوزّعهم القبائل في نزاع وخصام دون سلام ووئام في ما بينهم. أضف إلى ذلك ما كان من وقع في نفس النبي من “إقرأ”، ما جعله لشدة أثره وعظم ما بعث من أجله، يرتجف ويضطرب بين يدي الوحي؛ ويكفي ما يعبّر عن هذا مما في سورتيّ “المزّمّل والمدّثر”…
ان لكل ما رافق بدايات نزول الوحي واستمراره منجّمًا حتى انتهائه من انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، له تاريخ في زمانه ومكانه، وناسه وظروفهم وأحوالهم وهمومهم وتطلعاتهم وأعمالهم وأفعالهم، كما سبق كلام كثير في هذا السياق. أما في ما يتعلّق بالماضي الذي سبق ظهور القرآن أو ظهور الإسلام على يدي النبيّ محمّد، فيمكن أن نشير إلى الكم الهائل من معلومات عن الأمم القديمة والحديثة، وعن الأنبياء والرسل الذين عملوا بطاعة الله ورضاه، وعمّا حصل لهم في تبليغ ما كلّفهم به الله، مما سبقت إليه الإشارة أيضًا… ونكتفي في هذا المقام، بإيجاز الموقف القرآني مما كان في الماضي على النحو التالي:
كل ما قيل فيه مخالفًا لما جاء في القرآن من خبر بشأنه أو حتى مختلفًا معه، يعتبر غير صحيح أو محرّفّا أو مزوّرًا أو غارقًا في ضلالات وظلمات “الجاهلية”، ولا يعتدّ به باعتبار أن الخبر القرآني بشأنه هو الوحيد الصحيح الموحى به من الله الذي حفظه من كل عيب أو نقص أو ضلال أو شائبة. ففي هذا السياق، مثلًا، ان اليهود لم يقتلوا ولم يصلبوا السيد المسيح، بل هيّئ لهم أي قتلوا شخصًا آخر يشبهه؛ وانهم مختلفون في ذلك، وليس لديهم علم يقين في قتله سوى التوهم والتكهّن، لأن الله رفعه إليه حيًّا وخلّصه من القوم الكافرين، وفقًا لما أخبرت الآية:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (النساء:157)…
وبعد فإنه قد تأكّدنا في ما استقرأناه في القرآن بشأن تاريخيّته أنه جدير بدارسة تاريخية معمّقة موضوعيّة تتناوله من حيث ارتباطه بناس شبه الجزيرة العربية في عهد النبوّة، كما تأكّد لنا أيضًا من كثرة وشدّة الارتباط المشار إليه أن مثل هذه الدراسة سيكون لها الكثير من الفوائد العميمة والخيّرة للإسلام وأهله…
والآن، لا بدّ لنا من كلمة بشأن تاريخيّة السّنّة النّبويّة ليكتمل الكلام على تاريخية الإسلام.
ان السّنّة النّبويّة بشخص مستنّها لهي تاريخية بإمتياز لا تأتيها “الكماليّة أو الشمولية أو المطلقية” من أي جهة، لأن النبي المصطفى، على أهمية نبوّته وسمّوها، لا يتجاوز بشريّته النسبية والمحدودة في كل ما لها من إمكانات وقابليات ومؤهّلات وما إلى ذلك. وإذا كان قد جرى على يده معجزات خارقة للعادة من قبيل “الإسراء” مثلًا، فإنها لا تعدو كونها قد حدثت بإذنه تعالى وإرادته المطلقة وقضائه وقدره ليس إلاّ. والنبي محمّد هو نبيّ ورسول قد سبقه أنبياء ورسل كثيرون كما أخبرت به الآية:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ-﴾(آل عمران:144)، وما جرى عليهم من تاريخيّة في ما كلّفهم به ربّ العالمين، يجري أيضًا عليه، وكذلك يجري على سنّته ما جرى على القرآن الذي أنزل الله إليه لكي يخرج الناس من “ظلمات الجاهلية” من جهل وشرك وكفر وضلال، إلى نور الهدى والرحمة والتوحيد والإيمان بحسب ما أعلمت الآية:
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾(إبراهيم:1)؛ لأن الرسول قد اختطها لأتباعه، ومارسها بينهم في إطار ما رسمه الله له في كتابه المبين الذي يعتبر الأساس الذي قامت عليه السّنّة في طاعة الله ورضاه. أضف إلى ذلك أن جميع ما عرف من السّنّة أو فيها، من حديث وفعل وتقرير، كان محكومًا بحيثيات ناس شبه الجزيرة العربية في عهد النبوّة، الذين آمنوا برسالة الإسلام، واتبعوا قائدها ومبلّغها وممارسها نبيّ الرحمة والعدل والهدى والإيمان والسلام، المصطفى، فضلًا عن اتّباعه فيها بعد زمن نبوّته، خاضعة لمحاكمات منظّري المذاهب، ومناقبيّة الرواة والنقلة والسمعة، بل خاضعة كما القرآن “للفهم البشري المختلف المتألّه للإسلام” الذي صادر هويّته قرآنًا وسنّة، وفرّق وحدته، وشرذم أهل الإيمان به كما سبق الكلام على ذلك في أكثر من مكان…
وإذا كان القرآن في تغيريّته وتاريخيته وفهمه البشري لم يكن كاملًا أو شاملًا أو مطلقًا في شيء، اللهم إلاّ بإخبارنا عن المطلق الواحد الوحيد الأحد الصمد في ألوهيته، فإن السّنّة قد تعرّضت لكثير من الاجتهادات والتأويلات والمحاكمات والخلافات في التنظير لها وفيها، ما أفقدها، بل ما أبعدها أكثر من القرآن من “الكمالية والشمولية والمطلقية”، ذلك أن السّنة قد خضعت كثيرًا في مدى صحة القول أو الفعل أو التقرير من حيث الدقة والصواب والسلامة، لكثير من القواعد والمبادئ والضوابط. ويكفي الباحث ما قد تعرّفه من كتب تناولت سيرة الرسول وسنّته في أقواله (أحاديثه) وأفعاله وتقريراته حتى يقف على الكم الهائل من الروايات المتباينة والمختلفة والمتخالفة، بالإضافة إلى مذاهب البحث فيها المتباينة والمختلفة والمتخالفة أيضًا، وحتى يعرف بالتالي أن كلّ رواية فيها تاريخ يتشعّب في حيثياتها.
ولكن تبقى رواية ارتبطت بها السّنّة بكل هذه الحيثيات لتكون في نهاية المطاف تاريخية بامتياز. لنتفكر مليًّا في ما يعكسه الحديث النبوي التالي: “الجنة لمن أطاعني ولو كان عبدًا حبشيًا، والنار لمن عصاني ولو كان سيّدًا قرشيًا”.
ان هذا الحديث هو ردّ إسلامي بامتياز يعكس ما كان سائدًا في البيئة العربية في قريش من ظلم اجتماعي لحق العبيد المستلبين في حريتهم وكرامتهم من قبل سادة قريشيين مهيمنين متسلطين بالقوة والمال والطغيان، الذين حرموا هؤلاء من أن يكون لهم مستوى لائق من الإنسانية حيث كانوا يعيشون مرتهنين مقيّدين لا حول لهم ولا قوة، ولا حقوق لهم ولا حريّات وحيث بلغت اللامساواة بين الناس مستوييها المرذولين: في المستوى الأدنى يرزح العبد مسحوقًا وقد فقد وافتقد كل شيء يجعله جديرًا بالإنسانية، وفي المستوى الأعلى يتبختر السيد المستبد المنتهك المستلب المغتصب لكل ما فقده وافتقده العبد من غير وجه حق أو عدل أو حكم شرعي. فجاء الإسلام ليساوي بين الناس في طاعة الله ورسوله بمثابة معيار للجزاء العادل: الجنة لمن أطاع، والنار لمن عصى بصرف النظر عن اللون والمال والجاه والمكانة في الحياة الدنيا.
فالحديث يؤرّخ بشكل أو بآخر لعلاقات اجتماعية كانت قائمة على ظلم اجتماعي كبير في زمن النبوّة، كما يؤرخ لها وقد جعلت قائمة على عدل الإسلام ومساواته. والحديث منسجم تمامًا مع الإسلام كما بشّر به النبي المصطفى: فهل هناك عاقل عادل يرفض أن تكون الجنّة أجرًا لـ”بلال”، والنار عقابًا لـ”أبي لهب”؟! وأيكون النبيّ تاريخيًا ولا يكون قوله أو فعله أو تقريره كذلك؟!
وبعد، فإن الاستقراء قادنا إلى أن الإسلام، قرآنًا وسنّة، تاريخي في ظهوره واستمراره في عهد النبوّة، وتاريخي بامتداد آثاره وتداعياته ومذاهبه وفرقه وأحزابه وتياراته وحركاته واتجاهاته التي تمتد في الزمن الذي عقب زمن النبوّة حتى تاريخه، وفي أمد علمه عند الله.
4-3-جـ- ما يزنه العقل من براهين: لقد أفضى بنا الاستقراء المباشر في القرآن وبالرجوع إليه، إلى أن ما كان قد خلقه الله بأمره “كن”، بالإضافة إلى الرسالات السماوية ومبلّغيها، أنبياء ورسلًا، لم يخرج على دائرة التاريخية ولا حتى عنها. فهل لنا مما يقدّمه إعمال العقل في محاكماته بعض البراهين على صحة القول بتاريخية الإسلام؟
4-3-جـ-(1)- “التفسير المعاصر للإسلام” هو التفاف على تاريخيّته: يذهب بعض المنظّرين الإسلاميين القائلين بصلاحية الإسلام (القرآن بوجه خاص) لكل زمان ومكان، إلى وجوب إعادة تفسير “النصوص في القرآن والسّنّة” في كل عصر لإيجاد الحلول والإجابات للمشكلات المستجدة، والمسائل التي يكون العصر الجديد قد طرحها على الإنسان. وبذلك يكون هؤلاء المنظّرون قد حافظوا على “شكل تلك الصلاحية”، أما “مضمونها” فيكون من المرونة والغنى بين أيديهم بحيث يجدون فيه ضالتهم…
ولكن، لا بدّ لنا من أن نلاحظ أنّ مثل هذا المذهب يثير تساؤلاً خطيرًا: كيف لم تظهر “المعاني الجديدة” (الحلول والإجابات) في النصوص حين تفسيرها في العصر السابق؟! أكانت كامنة فيها غير ناضجة تنتظر عصرًا جديدًا ينضجها بظروفه وبالحاجة إليها؟! وإذا كان الأمر كذلك، فذلك يعني أن النصوص تقبل التغيّر والتطوّر في معانيها نتيجة لعوامل خارجة عنها ومتغيّرة في الزمان والمكان قد أحدثتها فيها، الأمر الذي لا يقبله أصحاب نظرية “صلاحية النصوص لكل زمان ومكان”.
أضف إلى ذلك أنه، في هذا السياق، لم يعد أمام المنظّرين سوى معرفة ما يطرحه العصر الجديد من مشكلات جديدة تقتضي حلولًا جديدة، ثم حمل هذه الهموم الجديدة والتوجّه بها إلى النصوص التي “تتسع في ثناياها دائمًا المساحات الكافية لاستقبال إسقاطات هؤلاء المنظّرين المجدّدين”، ثم العمل على “استبطان هذه الإسقاطات (تظهيرها) وإخراجها وقد ألبسوها حلّة جديدة معاصرة”، بعد أن يكونوا قد أشبعوها اجتهادًا وتأويلًا وتفقيهًا ليواكبوا بها العصر الجديد، ويستجيبوا لمتطلباته…
ومما يمكننا أن نفهمه في هذا المذهب، أنّ منظرّيه يعون تمامًا أن تغيّر الظروف والأحوال لا بدّ له من أن يحدث في الزمان والمكان، لأن “دوام الحال من المحال”، كما أنهم يعون أيضًا أنه من الصعوبة بمكان، إن لم يكن من المحال، إخضاع التغير الجديد لحكم النصوص السابق؛ لذلك جعلوا هذه النصوص تنطق بما ارتأوه وأملوه عليها، ونسبوه إليها، ومنها إلى ما أراده الله في القرآن، وما أراده الرسول في السّنّة، مباشرة أو مواربة. وبذلك يكون “التفسير المعاصر” قد حمى لهم “صلاحية النصوص لكل زمان ومكان” من التغيّريّة والتاريخية!..
بيد أن نظرة معمّقة في ما يضطلع به هذا المذهب، وفي ما يؤول إليه في سعيه لإبعاد التغيرية والتاريخية من “النصوص” تؤدي إليهما فيها. ان الحلّة الجديدة أو المعاني الجديدة أو الحلول والإجابات الجديدة المعاصرة قد صارت في “النصوص” وهي نتيجة تغيّر مرتبط بالزمان والمكان وهي بالتالي:
- إمّا قد تغيّرت وتطوّرت بعد نضوجها في النصوص استجابة لتغيّر وتطوّر في الزمان والمكان، ما يعني أن هذه النصوص لا تبقى جامدة فيهما، بل تتغير وتتطوّر فيهما، وتخضع بالتالي للتأريخ؛
- وإمّا قد أضيفت أو نسبت إلى النصوص باجتهاد، فقبلت هذه النصوص بما طرأ عليها، ما يعني أنها مرنة وقابلة للحذف منها أو الزيادة عليها، أو تعديلها أو تحويلها أو تبديلها، وهذا كلّه تغيّر وتطوّر في النصوص يجعلانها خاضعة للتأريخ في الزمان والمكان؛
- وإمّا قد أسقطها في النصوص المنظّرون إسقاطًا من العصر الراهن يحاكي “التأويل التضميني للنصوص” (27)، علمًا بأن الـمُسْقَط لم يأتِ من الغيب، بل كان نتيجة إعمال عقل المنظّرين تفكيرًا واجتهادًا وتفقيهًا في مجمل الحيثيات والمعطيات والعوامل ذات الصلة بالمشكلة أو المسألة الجديدة التي تحتاج إلى حلّ أو جواب جديد، وكانت بالتالي قابلة للتأريخ…
وبعد، فإن مذهب “التفسير المعاصر للنصوص” لإبعاد صفتيّ التغيريّة والتاريخية منها، باعتبارها صالحة لكل زمان ومكان، ولاتاريخية في منظوره، لا يصمد أمام النظر المتعمق، ولا يتبيّن له اتساق، بل يكثر فيه الارتباك والتناقض وما إلى هذا. ذلك أن كل ما يقوم به المنظرّون لجعل الإسلام، قرآنًا وسنّة، يواكب ويعاصر ويستجيب للمستجدات في كل زمان ومكان، ليس هو في واقع الأمر سوى إعادة نظر بشرية منهم في ما كان “الفهم البشري المذهبيّ المتأله”، الذي يؤطر لهم تنظيرهم، قد اعتمده في وقت أو عصر سابق. لذلك كله، قد أدّت بنا المحاكمة العقلية “للمذهب المعاصر في تفسير النصوص” أو في “تفسير الإسلام المعاصر” لإبعاد “شبهة” التاريخية من النصوص، إلى الحكم بأنه ما هو إلاّ التفاف على تاريخيتها ليس إلاّ.



