مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”46″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثالث من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
- المحور الثالث: تحرّر الإسلام ونهوض أهله
الفصل العاشر: الإسلام يصرخ: أطلقوا يديّ!
- في المعنى
نعني بالإسلام الإسلام المحمّدي الذي تلقاه من الوحي وفهمه وبشّر به وبلّغه ومارسه نبيّ الله المصطفى، زمن نبوّته. أمّا صرخته فنفهم فيها الاستغاثة والألم والغضب والثورة بشأن واقعه المرير. إنه يأمر أهله طالبًا منهم بكل تلاوينهم، أن يحرّروه أو يتحرّر مما كبّلوه ومزّقوه وقزّموه به من اتّباع الهوى في الحكم، وتأليه التنظير فيه، وتحميله ما لا طاقة به له. وإن لتحرّره غاية ستتجلى في إعادة بلورة محمّديّته، ونهوضه بما تقتضيه منه الرسالة العظمى التي جاء بها، ونهوض أهله بما يستلزمه منهم أمر تكليفهم خلائف في الأرض في إطار نعمة إعمال العقل الناقد الحرّ، ومنع الخلط بين السماء والأرض، وصولًا على إجراء مصالحة وإبرام اتّفاق لا بدّ منهما بينه وبين أهله… فإلى النظر في صرخة الإسلام هذه، وليزلزل أهله كل ما بأنفسهم مما يحول دون الاستجابة لماترمي إليه.
- تحرّر الإسلام مما علق به من ظلمات:
إنها شرور ومساوئ وآثام وخطايا وجرائم انعكست نزاعًا وشرذمة وأميّة وفقرًا وقهرًا وظلمًا وفسادًا وتخبّطًا في الحياة، ترتكب باسم الإسلام، وتكاد تذهب بنوره الذي بدّد “ظلمات الجاهلية”… ومما يؤسف له، بل مما يميت القلب أنّه لم يتح للإسلام بقرونه المديدة أن يعتق أهله مما بهم من أهواء اتّبعها متنفذون منهم، فأظلم بهم، وعلى أيديهم، أطبقت تلك الظلمات على أتباعهم. لقد ادّعى ذوو الأهواء التسلطية منهم أنهم يمارسون الحكم والسياسة والسلطة بمشيئة الله وقضائه وقدره؛ وتوهّم ذوو الأهواء النرجسية منهم أنّ تنظيرهم في الإسلام جاء وفقًا لإرادة الله ورسوله حصريًّا بكل منهم دون الآخر… فإذا بالإسلام، وقد أتعبه التململ من التبعية للمختلفين المتخالفين، وأنهكه الصبر على انحرافاتهم وأهوائهم، وأغضبه تماديهم في الشرور، واستفزّه تحميل السماء آثام الأرض، يطلق صرخة مدوّية يريد لها أن تقرع الأسماع، وتهزّ النفوس، وتزلزل ما بها من أهواء يعيها ذووها فيطهرونها؛ منها، ما يفضي إلى إشعاع نور الإسلام من جديد بالهدى والرحمة والعدل، وإلى نهوض خليفة الله في نفوس أهله. إنه صرخة لتحرير السماء من ظلم الأرض وفسادها وإثمها، وتحرير الأرض من طغيان حاكمها وإفساده وارتكابه، لكي يستقيم لأهل الإسلام أن يكونوا سادة وأحرارًا ومسؤولين فيها… إنها صرخة تنادي خليفة الله فيهم، وتستغيث به فيهم، وتغضب له فيهم أيضًا، وتثور من أجله فيهم أيضًا وأيضًا على ما بأنفسهم مما يجعلها تأمر بالسوء. ان الاستجابة للنداء لهي من الضرورة بمكان، ومن دونها تشتدّ الظلمات وتتكثّف وتحلك حتى تذهب بنور الإسلام، فلا يعود قادرًا على النداء ولو بالهمس أو الإشارة. ففيم هذه الاستجابة؟ لعلّنا نغطيها بثلاثة عناوين نذكرها على النحو الذي يلي بإيجاز لكثرة ماجرى الكلام عليها في أكثر من مكان وأكثر من مقام:
2-1- التحرّر من الاستبداد السّياسي في الحكم والسلطة:
لقد ذرّ قرن الاستبداد جليًّا، وصلب مع “الحكم المتغلّب” الذي تجذّرت أصوله، وتمتّنت قواعده مع مصادرة الخلافة الإسلامية التي آلت، باضطرار الحسن بن عليّ بن أبي طالب إلى التنازل عنها، إلى معاوية بن أبي سفيان لرجحان ميزان القوى لصالحه حيث جعلها من أملاكه الخاصّة يؤرّثها لبنيه من بعده، ويكون بذلك قد صادر إرادة الناس جميعهم، موالين ومعارضين له، على حد سواء. إنه هوى السلطة عند “الحاكم المتغلّب” الذي يأمر به طغيانًا وإفسادًا وظلمًا. أما إذا جاءت نفسه ببعض العدل والحق والإصلاح فإنه يفعل ذلك من أجل تثبيت وترسيخ حكمه تحقيقًا لهواه في السلطة، لأن هوي السلطة يتوسّل أي شيء لتبرير أمره وتغطيته، حتى لو كان هذا الشيء الدين الحنيف نفسه. لقد استتبعه في إعطائه الشرعيّة في الحكم، وضد خصومه ومعارضيه في السلطة والحكم والسياسة تحت عنوان “مشيئة الله وقضائه وقدره” عبر تشجيعه ودعمه للمذهب “الجبري” الذي يذهب في فهمه للإسلام إلى أن الإنسان لا يملك من أمره شيئًا، إنما هو القضاء والقدر ليس إلاّ. أضف إلى ذلك أنه قد استتبع إعمال العقل الذائد عن حكمه، والمادح له، والمبرر لمظالمه، والمغطي لارتكاباته، وقبل “نشاط” العقول المنكفئة والمعتزلة والمعتكفة عن شؤون الحياة العامة، وقمع إعمال العقل الناقد الحرّ بذريعة “الحفاظ على السلم الأهلي ووحدة الأمة من رياح الفتنة الأشدّ من القتل”… إن مثل هذا الإنفراد في حكم الناس باتّباع هوى السلطة عند “الحاكم المتغلّب” لهو من أشد ما يمقته الإسلام ويدينه للاعتبارات التالية:
2-1-أ- ان الاستبداد بالحكم والسياسة والسلطة يخالف الشراكة أو المشاركة فيها التي تفهم من تكليف الله الإنسان بخلافة الأرض، حاكمًا يسوس ويدير ويدبّر ويصرّف شؤون الناس وأمورهم، ويحمي حقوقهم وحاجاتهم ومصالحهم وحرياتهم، ومحكومًا يمتثل لنظام الحكم، ويطيع قوانينه في إطار ما له من حقوق وحريات، وما عليه من واجبات والتزامات في ظله. فالاستبداد لا مكان له في الدين، لأن خليفة الله في الأرض هو آدم، هو الإنسان، هو الناس خلائفه فيها. وإذا كان من سويّة، الأمور أن يكون بعضهم حكامًا، وبعضهم محكومين لضرورة استقامة الحياة الاجتماعية، فإنه من سويّة الأمور أيضًا ألاّ تكون الحاكمية مطلقة في السلطة، وألاّ تكون المحكومية خالية منها، الأمر الذي سبق وعبّرنا عنه بالمعادلة: “الحاكم هو محكوم ما، والمحكوم هو حاكم ما” باعتبارهما خليفة الله في الأرض.
2-1-ب- ان الاستبداد بكل إفرازاته السلبية يناقض ما أنزله الله إلى رسوله أو رسله بشأن الحكم، ولا يأتمر بأمره بحيث يكون بين الناس بالعدل والحق اللذين لا يتقاطعان بحقليهما الدلاليين مع الاستبداد وحقله الدلالي في شيء. لعلّنا نكتفي في هذا المقام بأن نذكّر بالآيتين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾(النساء:58) و﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ -﴾(النساء:105).
2-1-جـ- ان الاستبداد لا يتوافق في شيء مع ما نهى عنه الله بعدم اتّباع الهوى في الحكم بين الناس في قوله تعالى لنبيّه داود﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى –﴾( (ص:26)، وبعدم الاعتداء كما في الآية﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾(البقرة:190)،ولا مع مشيئة الله التي قضت بعدم إرادة الظلم للعالمين، وفقًا للآية:﴿-وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾(آل عمران:108).
2-1-د- ان الاستبداد يدنّي في الأمور، ويحط من جدارة الإنسان، بدءًا بالحاكم المستبدّ نفسه الذي يعبث الهوى بسيادته وحرّيته المسؤولة، ثم ينسب لنفسه الاحترام والتقدير العالي، والمكانة العظمى، والقيم العليا وقد أرذلها جميعًا هواه في السلطة، وانتهاءً بالمحكوم الـمُستَبدِّ به الذي انتهكت حرياته، واستلبت حقوقه، وغلبه القهر على أمره. أجل إنه يقوّض الحريات وعلى رأسها حريّة الرأي والتعبير التي يكرّسها الإسلام في أجلى وأجلّ مستوى حيث تخبر الآية:﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ –﴾(الكهف:29)؛ ويستلب الحقوق وفي مقدّمتها حق المشاركة في الحكم فضلًا عن المساءلة والمحاسبة؛ ويرذل القيم العليا من قبيل العدل والحق والمساواة إذ يعلنها شعارًا للحكم، ويجعلها الهوى في الممارسة ظلمًا وباطلاً وتمييزًا.
وبعد كيف يصح لحاكم متغلّب مستبدّ أن يحكم باسم الإسلام، خليفة كان أو ملكًا أو رئيسًا أو أميرًا؟! كيف يقبل أن يُجْعَلَ الدين يغطي أو يبرر الاستبداد بكل إفرازاته من طغيان وظلم وفساد بذرائع من قبيل “الحفاظ على أمن الجماعة، ووحدة الأمّة، ودرء الفتنة” وكأن هذه المتطلبات – الواجبات قد أنيطت كلها باستمرار الاستبداد المقيت البغيض الضارّ بحياة الناس الاجتماعية كلّها بكل المعايير والمقاييس السليمة والصالحة للتقويم؟! ترى، ألم يصر، بعدُ، التحرّر من الاستبداد ضرورة لا بدّ منها للإسلام وأهله؟! أَيُتْرَك فينا خليفة الله كما ظنّه الملائكة مفسدًا في الأرض، وسافكًا للدماء، وقد أُعلن إفلاسه، ورصيده أكبر ما فيها؟!.
2-2- التحرّر من الاستبداد التنظيري المتألّه:
ان الاستبداد بالتنظير المتألّه للإسلام وفيه، لا يقل خطرًا عن الاستبداد السياسي، علمًا بأن إرهاصاته ومقدّماته ومؤشّراته كانت ذات طابع سياسي، أو بالأحرى، كانت نزاعات أسّس لها الصراع السياسي حول السلطة منذ انفجاره تحت “سقيفة بني ساعدة” حول خلافة الرسول في حكم أهل الإسلام، إلى معارضة الخليفة الثالث في أدائه في الحكم، فإلى اشتدادها وتحوّلها إلى صراع أطاح بحياته، فإلى حرب “الجمل”، فإلى حرب “صفين”، فإلى توظيف “القضاء والقدر” في تبرير وتغطية الفعل السياسي، وصولًا إلى تكريس مبدأ أن “الإسلام دين وسياسة”، فإلى تكريس مبدأ آخر غير معلن أو يعلن على عكس ما هو جارٍ تطبيقه في الواقع، ألا وهو “السياسة أولًا” والدين ثانيًا”، أو بصفة أدقّ “السياسة تستتبع الدين”… ان واقع الحال ينطق بحقيقة ما نذهب إليه منذ مصادرة الخلافة وتحويلها إلى إرث خاص في عهد معاوية بن أبي سفيان؛ وإن الدين قد تواطأ مع السياسة الاستبدادية “طوعًا وكرها” وإن تصدّرت بإرادة الله وقضائه وقدره، وإن سمّي الحاكم خليفة المسلمين. وما كان الأمر ليكون خطيرًا، وباهظ الثمن والتكلفة لو توقّف الدين عند التسيّس التابع للاستبداد السياسي في الحكم والسلطة، ترغيبًا وترهيبًا. ولكن، ما إن وضع التنظير للإسلام المحمّدي وفيه على سكة التمذهب والتفرّق حتى نهباه إلى درجة لم يبقَ فيها منه شيء من هويّته ووحدته، وإن ادّعاهما كل تنظير مماهاة فيه دون غيره. أضف إلى ذلك أن الإسلام المحمّدي المنهوب لكل تنظير، وجد التعبير الفعلي عنه في تجسّد تقسيم بل شرذمة أهله في فرق ومذاهب وأحزاب وحركات واتجاهات وتيارات وجماعات وجمعيات وما إلى ذلك يجمعهم الانتساب إلى الإسلام شكلًا حيث يفتقد هويّته، ويفتقر إلى وحدته، ويختلف ويتخالف حيث يمكن للمستقرئ في واقع حال الإسلام وأهله أن يلاحظ أن “الإسلام قد شرذم أهله وقد غلبه منظّروه على أمره” وأن “أهله قد شرذموه بتنظيرهم له وفيه تنظيرًا مختلفًا متخالفًا، ومتألّهًا ومؤدلجًا حتى الاعتداء على السماء”. ومن شرور تأليه التنظيرات تكبيل العقل الناقد الحرّ بعقول المنظّرين واختزال الناس المؤمنين في ما يقتضيه مفهوم “الفرقة الناجية”، وتقويض حريّة الرأي والتعبير، والتوجّس من الآخر المختلف وتهديده ورفضه(1). إنه واقع مرير يسود الإسلام وأهله، واقع لا ينكره عاقل موضوعي ولا يرضاه وقد أراد بالإسلام وأهله خيرًا وتقدّمًا ورقيًّا يستحقها جميعًا منهما خليفة الله في الأرض… وإذا كانت تلك الشرور نتيجة لتأليه التنظيرات، فلا بدّ لنا من أن نتّقي الله في أنفسنا، ونقف عند حدودنا الدنيوية الترابية النسبية البشرية، فنجعل إعمال عقولنا داخل هذه الحدود، فنجد السّبل ميسّرة إلى سلسلة الخيور التي غيّبتها عنّا شرور تأليه التنظيرات وأدلجتها(2). فلنختلف في الفهم والرأي والتفسير والتنظير، ولكن، مع الإبقاء على بشريّة هذا الاختلاف وترابيّته ونسبيته، فيبقى للإسلام هويته ووحدته، ولأهله أسباب التعاون والتكاتف والتعاطف والتعايش والتراحم والتسابق إلى فعل الخير؛ ولنطلق العنان لإعمال العقل الناقد الحرّ، وقد حضّنا الله على إعماله حتى في خلقه؛ ولنمهّد الطريق للإسلام يأخذه واحدًا إلى كافة الناس كما أراد ذلك الله ورسوله؛ ولنتمتّع بحقوقنا وحرّياتنا بمسؤوليّة تحول دون الاعتداء والطغيان والظلم؛ ولنحترم الآخر المختلف وأي آخر، باعتباره مساويًا مكافئًا لنا في الحقوق والواجبات في ظل نظام نتشارك في إنشائه وسيادته وتطويره كلمّا دعت الحاجة إلى ذلك؛ ولنترك ما نختلف فيه بشأن السماء إلى يوم القيامة حيث سيبت فيه ربّ العالمين كما أخبرنا في القرآن الكريم… إن الله يتيح لنا جميع هذه الطلبات، ويريد لنا بها يسرا، فلماذا نجور على أنفسنا وعلى غيرنا فنعسّر الأمور، ونغلو فيها أحيانًا، والله ينهى أهل الكتاب عن الغلو في دينهم، كما تخبر الآية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾(المائدة:77)؟! وكيف نغلو في فهمنا البشري للإسلام فنجعله إلهيًا ونبويًّا بنسبتنا إياه إلى الله ورسوله؟! كيف نسمح لهوى النرجسيّة أن يضلل أنفسنا، فتشتطّ بقدرها هذا الشطط؟! أتظلمنا السماء والآخر المختلف، أم نحن الذين نظلم أنفسنا؟! كيف نستطيب الشرور التي نصطنعها بتأليه فهمنا للإسلام وأدلجته، والتي لا تنفك تثقل على أنفسنا، وتشتدّ عليها، وتصيبها بظلماتها التي تبدو أمامها أقلّ ظلمة وسوءًا، “ظلمات الجاهلية” في ضلالها وجهلها؟! كيف نستمرئ تغييب الخيور التي طلع الإسلام بها علينا نورًا أخرجنا إليه من ظلمات الجاهليّة؟!..
مرة ثانية، لله درّك أيّها الاستبداد، كم لك من الأوجه! ففي السياسة، يؤسس لك ويشحذك بالطاقة هوى السلطة، وفي التنظير للدين، يفعل ذلك هوى النرجسيّة، وفي كلا التنظير والسياسة، تترسخ وتتمتنّ وتتمكّن قاعدتك بتعاضد الهويين، وتكاملهما وحتى تنافسهما في تكثيف تعبئتك وشحنك ومدّك بأسباب الطغيان والعدوان والإفساد في الحكم والسلطة ليصول بك ويجول “الحاكم المتغلّب” المستبدّ، وبأسباب التأليه والأدلجة والتعالي في فهم الدين ليفتخر بك “المنظّر المستبدّ” بادّعاء ملكية المعرفة والحق والحقيقة دون غيره، ويطمئن إلى إحاطة الإسلام وشموله بهذه الملكية متطابقًا مع مقاساتها وأبعادها وحدها، ويغتبط بأنه حظي باكتشاف مشيئة الله في قرآنه، وقبض عليها ولم يحد عنها في شيء، كما حاكى الرسول محاكاة تامّة في ما أراده في سنّته، وقد بلورها في ما ذهب إليه في فهمه دون أي فهم آخر، ومن غير أي وجه من الحق، وأي تكليف من السماء… كيف تخرج بالفهم أو يخرج بك من الأرض، وتتعالى أو يتعالى عليها وقد جعل الله آدم من ترابها يحيا عليها وينعم بنعمها، ويموت ويعود إلى كنفها إلى أن يبعثه الله منها؟! كيف تجور وتطغى وتفسد، وحدود صاحبك دنيوية ترابية بشرية نسبيّة؟! كيف تفعل ذلك كلّه وقد نهى الله صاحبك عنه كله؟!… ألا، إنك الشرّ كلّه؛ إنك الطغيان والعدوان عينهما؛ إنك الفساد والإفساد نفساهما؛ إنك التعبير عن أسوأ ما ظنّ الملائكة أن آدم فاعله في الأرض إفسادًا فيها وسفكًا للدماء… ألا، فليتحرّر منك خليفة الله في أهل الإسلام، وليعبّر عمّا يعلمه الله فيه، ولا يعلمه الملائكة من إرادة وقدرة على فعل الخير، وإحقاق الحق، واقام العدل، وتحقيق المساواة؛ ولينعم بهذا النور الذي آل إليه بعد خروجه من ظلمات الجاهلية. إنه ليس إلاّ شيئًا من الشجاعة الأدبية التي لا تعوز أهل الإسلام، وشيئًا آخر من الإقدام الذي لا يعدمونه، يواجهون بهما ما بأنفسهم من أسباب النرجسيّة الهوية فيغيّرونها حتى تتحوّل النفوس الأمّارة بالسوء إلى نفوس سويّة سمحة طيّبة جديرة بخليفة الله في الأرض تأمر بالقيم العليا من قبيل الخير والحق والعدل والمساواة والنهوض والتقدّم والتمدّن…
ان التحرّر من الاستبداد التنظيري المتألّه والمتأدلج والمتخالف بشأن الدين لهو حاجة ماسّة إلى الإسلام وأهله، وضرورة قصوى لهما، بل هو استحقاق لم يعد مقبولًا السكوت عن تجاهله أو عدم الوفاء به. ولتكن البداية بالإقرار بالحقيقة الموافقة تمامًا للواقع ألا وهي أن فهمنا للإسلام لا يتعدّى كونه بشريًا غير مؤهّل للتألّه والتأدلج، وبنحو أوضح وأدق، غير كفء لمصادرة الإسلام في مذهب، ومماهاة هويّته، ووحدته في هويّة وأحاديّة هذا المذهب.
2-3- التحرّر من المنسوب إلى الإسلام تعسّفًا:
لعلّ المنسوب إلى الإسلام تعسّفا وهو ليس فيه بالقدر الكافي ليسوّغ هذه النسبة الظالمة له ولأهله على حد سواء، لعلّه يندرج في ما يطلق على الإسلام المحمّدي من أمثلية وأكفأيّة من الشمولية والكمالية والمطلقية التي يقدّم بها الإسلام كنظام ومنهج للحياة البشرية في الدنيا والآخرة، الأمر الذي يعني أنّ فيه ما يكفي ويفي من الأنظمة والمناهج والعلوم والمبادئ والقواعد والصيغ والآليات ذات المصدر الإلهي الذي فهمه الناس في كتابه المبين، وسنّته الرشيدة. لذا يصف المنظّرون للإسلام أنه صالح لكل زمان ومكان لا يعوزه شيء في أي ميدان من ميادين الحياة، ولا يعدم أيّ آليّة لمواجهة أي مشكلة ومعالجتها، ويجعل أهله في رخاء ورفاه وتقدّم وتمدّن، ويجعلهم روادًا في هذا وذاك… ولكن، وبكل أسف، ومنذ معارضة الخليفة الثالث، وبعد مصادرة الخلافة الإسلامية، فإن واقع الأمر والحال بشأن ما هو قائم فيه وإن تنوّع وتلوّن بعض الشيء، يخيّب الآمال والأماني والظنون على الرغم من التغطية والتسويغ والتبرير بذرائع تنسب إلى إرادة الله وقضائه وقدره، كما تنسب إلى “الآخر المختلف المتآمر” على الإسلام وأهله دون أي مساءلة أو محاسبة لذوي الفعل الحقيقيين فضلًا عن محاكمتهم لكونهم في مراكز السلطة والقيادة والحكم كأولي الأمر أو ولاته الذين يحكمون باسم الإسلام مباشرة أو مواربة، بل بما يدّعونه من حكم بما أنزله الله، وسنّة نبيّه المصطفى للناس، يعلنون فيه “النظام الإسلامي الشامل الكامل الأمثل، والمنهج القويم الأكفأ المنبثق عن هذا النظام”. أما الاستبداد المزدوج في السياسة والتنظير للدين، بكل ما يفرزه من ظلم وطغيان وإفساد سياسيًا، وتأليه وأدلجة وشرذمة دينيًّا، فإنه،مرة ثانية، “خارج عن الإرادة الخيرة والقصد الشريف” و”داخل في مشيئة الله وقدره، وتآمر الآخر المختلف” وبالتالي، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله. أمّا أولو الأمر المستبدون فإنهم في “حفظ الله” وتبعيّة الناس لهم حتى التأمّع؛ وأما المسؤولية في زحمة الحياة فيدفع ثمنها هؤلاء الناس من حقوقهم المستلبة وحريّاتهم المنتهكة، ومصالحهم البائسة، وحاجاتهم المنقوصة، متذّرعين بالصبر على “الابتلاء من رب العالمين” ومتأملين أن “يستجاب لدعائهم” بتغيير الحال إلى أحسنها… ان القرآن ليس بكتاب علمي يحتوي على نظريات وعلوم وأنظمة ومناهج يمكن وصفها بالعلميّة التي تقتصر على المعارف المتحقّقة بالتجربة، ومن طريق مناهج البحث الخاصة بكل علم من العلوم وفقًا لطبيعة موضوعه التي تتوقف عليها أو ترجع إليها درجة معرفته من اليقين والدقة والشمولية فضلًا عن نسبيّتها في كل المستويات حيث تقل هذه الدرجة في العلوم الإنسانية نسبيًا، وتكبر في علم المادة الحيّة والأحياء، وتعلو في علوم المادة أو العلوم الدقيقة والرياضيات، علمًا بأن المعارف العلمية في تطور دائم، وقابلة للمراجعة والتصحيح وحتى الإلغاء، خلافًا لما يعلمنا به القرآن وأي كتاب آخر موحى به من السماء، لأنه يعتبر كاملًا ومطلقًا وشاملًا لكونه صادرًا عن رب العالمين، فهو لا يغطي سائر النشاط البشري في الحياة، ولا سائر ما يحتاج إليه الإنسان فيها. أضف إلى ذلك أن الموحى به من رب العالمين إلى الناس من طريق الأنبياء والرسل سرعان ما صار ويصير بشريًا من حيث الفهم والممارسة في حياتهم، لأنه تمّ ويتمّ تلقّيه وفهمه وممارسته بمؤهلات وإمكانات بشرية وهي مهما علا شأنها، تبقَ دنيوية ترابية نسبية. أما ما يروّج ويسوّق له المنظرون المختلفون والمتخالفون في الإسلام، من أنظمة كاملة شاملة أمثليّة، ومناهج قويمة واضحة صالحة أكفأيّة، وأُلّفَتْ فيه الكتب والمجلدات والأسفار باعتباره إسلاميًا أي إلهيًّا من وحي السماء فليس هو إلاّ نتاجًا مختلفًا متخالفًا متألهًا لتنظيرهم الذي أنشأؤه وهم مسلمون تأدلجوا به في إطار اتّباعهم نرجسيّية غلواء حتى التألّه، فكان بها ولا يزال من الآثار المدمّرة على الإسلام وأهله الشرور آنفة الذكر، يضاف إليها شرور لا تقل سوءًا وضررًا عنها، ألا وهي شرور “التخبّط والارتباك” اللذين يسودان أهل الإسلام في الحكم والسياسة والسلطة والقضاء والإدارة والاقتصاد والاجتماع والتربية، وفي سائر العلوم الإنسانية، فضلًا عن التقصير والقصور في علوم المادة الحيّة والجامدة… فمن بين ظلمات الإسلام وأهله ما أسميناه بالتخبّط والارتباك الناتجين عمّا يدّعيه أولو الأمر، ذوو السلطة، من أنظمة ومناهج يعتبرونها الأمثل والأكفأ باعتبارها صادرة عن ربّ العالمين، وهي في واقع الأمر نتاج إعمال عقولهم الذي أخذته نرجسيّتهم الهوية إلى مطابقته مع إرادة الله في القرآن، وإرادة رسوله في السّنّة اللذين يخلوان تمامًا مما يدّعون. إنما هي أنظمة ومناهج قاصرة لا تكفي ولا تفي بالمطلوب، وهي لذلك لم ترق إلى صلاحيّة وفاعلية الأنظمة والمناهج العقلية غير المتألّهة التي أفلحت وتقدّم بها الناس في مجمل مناحي حياتهم بفضل إعمال العقل الناقد الحرّ لسيّد الأرض، خليفة الله فيها، بينما أخفقت الأنظمة والمناهج المزعوم أنها إلهية، وأخفق معها المحكومون لها وهم يرتكبون ويتخبّطون ويرزحون وينوؤون تحت قسوة التأخّر والقهر والاستلاب والظلمات التي تكاد حلكتها تذهب بنور الإسلام كلّه…
لعلّ الإسلام، إزاء هذه الظلمات المترتبة على المنسوب إليه تعسّفًا، ينتفض ليتزكّى منها، ويبّرئ القدر منها، ويعرّي المتنفذين المستبدين مما يتذّرعون به، ويضعهم على مرأى من الناس أمام مسؤولياتهم. وها نحن نكتفي بقليل من الكلام على السياسة والاقتصاد والصلاحية المطلقة للإسلام والمبالغة أو المغالاة بالرجوع إلى القضاء والقدر مما ينبغي للإسلام أن ينتفض عليه:
2-3-أ- التحرّر مما يسمّى بـ “النظام الإسلامي العام الشامل للحياة” في السياسة والاقتصاد: بادئ ذي بدء نسارع إلى القول بأنه لا نظام إسلاميًّا عامًّا شاملًا، ولا أنظمة إسلامية خاصّة في الإسلام الذي تلقاه النبي محمد، وفهمه ومارسه وبلّغه، بل هناك نظام أو أنظمة ومناهج وضعها منظّرون مسلمون وفقًا لوجهات نظرهم المختلفة حتى التخالف في ما آل إليه إعمال عقولهم في الإسلام المحمّدي بعد مذهبتهم إياه، وشرذمتهم أهله، ثم نسبوا وجهات النظر هذه إلى الله ورسوله، وجعلوها سقفًا يحدّ عقول الآخرين أتباعًا وغيرهم. فالتحرّر في هذا المقام يعني نزعة صفة “الإلهية” عن وجهات نظرهم بحيث تبقى عند حدودها البشرية والدنيوية والترابية والنسبيّة، كما يعني أيضًا تقويض السقف الذي اصطنعه إعمال عقولهم البشرية، وقيّدوا وكبّلوا به عقول الآخرين باسم الإسلام، بحيث يطلق العنان لإعمال العقل الناقد الحرّ في ما يراه خليفة الله في الأرض في مصلحة الناس وصلاح أمرهم في الحكم الصالح، والسلطة الضابطة، والسياسة الرشيدة، وقد أطرّها بإحقاق الحق وإقام العدل، وتحقيق المساواة بعيدًا من الهوى والظلم والاعتداء، وعلى نحو يحول به هذا التأطير دون الاستبداد المزدوج سيّئ السمعة بكل إفرازاته.. أجل، ليس في الإسلام نظام سياسي أو اقتصادي على النحو المتعارف عليه في إطار العلوم والأنظمة السياسية والاقتصادية. ولو كان الأمر عكس هذا، لكان النبي الأمين هو الأجدر في تحديد طبيعتهما، ورسم معالمهما، وإرساء قواعدهما وأسسهما، ووضع آلياتهما، وبناء مؤسساتها زمن نبوّته وقيادته الناس أو “الأمة الناشئة” في المدينة… صحيح أنه كان ولي أمر هذه الأمة، وقائدها ومعلّمها ومرجعها الوحيد، إلاّ أنه كان نبيًّا رسولًا، وكان الولاء له تامًّا، وكان إلى جانبه الأمين جبريل ينجده عند الحاجة، الأمر الذي لم يتوّفر لأحد سواه من بعده. لقد سبق الكلام ووصفنا به ما يتمتع به في سياسة الأمة بــ “القيادة الرائدة والمبادرة المحسوبة تحت مظلّة العقل” في الظروف والأحوال التي سادت زمن حكمه. بيد أنه عندما انتقل إلى الرفيق الأعلى، لم يكن معروفًا لأصحابه وأتباعه ما سيكون عليه الحكم والسياسة والسلطة والاقتصاد من حيث الطبيعة والشكل والمهام والصلاحيات والالتزامات التي يضطلع بها الحاكم وأعوانه، ومن حيث القواعد والأحكام والآليات الناظمة والضابطة لأمور الناس وشؤونهم، فانفجر الصراع حول السلطة، وذرّ قرن القبليّة بشكل أو بآخر في ميزان القوى الذي آل بالحكم إلى أبي بكر الصدّيق خليفة لرسول الله… أضف إلى ذلك أن النظام الاقتصادي لا يقوم على كيفية توزيع الغنائم، على أهميتها، وهي الموارد المتأتّية من طريق الغزو، علمًا بأنه حتى هذا الأمر لم يكن محدّدًا وواضحًا في زمن الرسول في المدينة على الرغم مما هو شائع في الثقافة الإسلامية المنتشرة في ربوع الإسلام وأهله من أن الرسول لا ينطق عن الهوى وإنما يوحى إليه وحيا: ففي غزوة بدر، وزّع الغنائم بالتساوي قبل أن يكون فيها تشريع في القرآن. وبعد نزول التشريع، كانت غنائم الحرب تذهب للمقاتلين في أربعة أخماسها، وإلى الرسول في خمسها يتدبّره وفقًا للنصّ الشرعي. بيد أن الرسول قد ارتأى أن يعطي “المؤلّفة قلوبهم” من غنائم “حنين”، مع العلم بأن نصيبهم قد جعله التشريع في الصدقات؛ أما أراضي “خيبر وفدك” فجعل الأولى فيئًا للمسلمين، والثانية خالصة له وفقًا للتشريع… لكن هذا التشريع قد خولف في عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي ترك أراضي العراق لمالكيها والعاملين فيها واشترع ضريبة لبيت مال المسلمين أسماها الخراج؛ وبذلك لم يعمل عمر بن الخطاب لا بالتشريع القرآني ولا بسنّة النبي؛ كذلك كان قد فعل في إيقاف العمل بتشريع نصيب “المؤلّفة قلوبهم” بإيعاز أو اقتراح منه في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق…
إذًا، فالإسلام لا ينتفض على نفسه ليتحرّر منها، بل يصرخ بوجه من نسب إليه أنظمة وعلومًا ومناهج ليست منه في شيء ليزكّي نفسه منها، ويعيد الاعتبار والأهمية والقيمة إلى إعمال العقل كما فعل الرسول وبعض الخلفاء من بعده.
2-3.-ب- التحرّر من مطلقيّة صلاحيّة الإسلام: لقد تبيّن لنا أنّ الاعتقاد السائد والشائع في الإسلام وأهله، الذي يذهب إلى أن الإسلام (القرآن أساسًا، والسّنة استتباعًا) صالح لكل زمان ومكان باعتباره دستورًا إلهيًّا للحياة البشرية في الدنيا والآخرة، ما يعني أنه لاتاريخيّ ومطلق، أن هذا الاعتقاد لا يقوم على حقائق واقعية، ولا تسنده البيّنات والأدلة والبراهين التي تقع في دائرة معقوليات الإنسان، كما تبيّن لنا أيضًا أن التشريع الفقهي المحكوم إسلاميًا لثوابت من لدن ربّ العالمين من قبيل المبادئ والقواعد والكليات لم يواكب حركة التغيّر والتطور، ولم يستجب لها بما يفي بالمطلوب، ما جعل ويجعل حياة أهل الإسلام تتعثّر وتتعسّر وتتأخّر، ويشقون فيها فقرًا وأمّية وقهرًا وظلمًا، من غير أن “ينقذهم مما هم فيه القضاء والقدر، أو يبلسم جراحهم ابتلاء الله لهم، أو يحوّل الدعاء حالهم المزرية إلى أحسن حال، أو يأتيهم اتهام الآخر المختلف بالمنّ والسلوى”. لماذا؟ – لأن تغيير الحال متوقّف على تغيير ما بأنفسهم، ألا وهو الفهم البشري المختلف المتألّه المتخالف للإسلام كنظام كامل وشامل وكافٍ ووافٍ للحياة في الدنيا والآخرة، ما جعل “الثوابت الإسلامية” الحاكمة للتشريع الفقهي تختلف وتتباين وتتخالف، علمًا بأن ما فهمه المنظّرون فيه لا يعدو كونه وجهات نظر بشرية دنيوية ترابية غير مؤهّلة للتألّه باعتبار كينونتها هذه… ان تغيير الحال لا يكون إلاّ بالتحرر مما بالأنفس من أسبابها… فكيف يعقل أن يكون الإسلام مطلقًا في صلاحيّته وهو يخلو من الأنظمة والمناهج والعلوم الحاكمة والناظمة والضابطة لمناحي الحياة في غير علاقة الإنسان بربّه في تعبّده له وما يتصل به من فرائض وتكليفات فضلًا عن صيرورته بشريًّا منذ تلقّته الأرض من حيث الفهم والممارسة والتبليغ؟! كيف يكون لاتاريخيًا، ومثله مثل كل ما هو في عالم الشهادة لجهة ارتباطه بالزمان والمكان؟ ألا يعكس ظروف الناس وأحوالهم ونشاطهم وعلاقاتهم في شبه الجزيرة العربية زمن النبوّة؟! هل يعكس مثلًا ظروف الناس وأحوالهم ونشاطهم وعلاقاتهم في الصين أو اليابان أو أمريكا الجنوبية أو (…الخ) في الزمن النبوي؟!
ان الإسلام يخاطب في الناس في هذا المقام قائلًا: “أيها المؤمنون والمؤمنات بي، اتّقوا الله في إيمانكم، وأريحوني من أثقال أوزاركم، وحرّروني مما ألصقتموه بي وأنا لا أسعه ولا أُطيقه. ان ما نسبه إليّ منظرّوكم تعسّفًا لم يزدني انتشارًا ولا اختيارًا؛ ولم ينعم به أتباعهم بالرخاء والرفاه والتقدّم،؛ بل ازددت به ارتباكًا وتقسّمًا، وازدادوا به تخبّطًا وتعسّرًا. فإلى متى يستمر التمادي في ظلمي وظلم أتباعهم وظلم أنفسهم، وهم هم الظالمون؟!”.
2-3- جـ- التحرّر من استلاب سيادة الإنسان: ان المقصود بما يجب التحرّر منه وهو يستلب سيادة الإنسان على أفعاله، هو الفهم الملتبس للقدر، الذي يتجلّى في ردّ النشاط البشري إليه، أو في الإفراط في تغييب القائم به عن سيادته، أو في مصادرة عليّته على أفعاله، وتحميله تبعاتها في الوقت نفسه، والعياذ بالله الذي لا يظلم أحدًا أشياءه، ولا يحمّل أحدًا وزر غيره، كائنًا من كان هذا الغير. ان هذا الفهم يعمّم ثقافة “الاستكانة والتوكّل والدعاء والمفعولية” على حساب “النهوض والاستقلالية والفاعلية والمسؤولية”، الأمر الذي لا يليق بخليفة الله في الأرض. إن ما نرمي إليه في هذا الكلام لا يعني الخروج عن الإيمان بالله المطلق في إرادته وقدرته وخلقه وعلمه وكل ما يعبّر عن ألوهيّته. ولكن، نريد التأكيد على أمرين اثنين في هذا المقام، هما (3): الأول بشأن القدر الذي نرى أنه يصف كل ما يخرج عن إرادة الإنسان الحرة والمسؤولة، أو كل ما لا طاقة به له؛ والثاني بشأن الحريّة البشرية التي نجدها أساسًا في جعل الله آدم (الإنسان) خليفة له في الأرض؛ والخليفة سيّد نشاطه، وحرّ فيه، ومسؤول عنه أمام الله يوم الدنيوية، دينيًا، وأمام كل السلطات المحاسبة الجازية في الحياة الدنيا، دينيًا ووضعيًا. فقدر الإنسان هو أن يكون مريدًا وحرًّا ومسؤولًا بشأن أفعاله وأفكاره وتطلّعاته، وإلاّ، لما كان هناك تكليف ولا ابتلاء ولا حساب ولا جزاء من الله. لقد جاء في الكتاب المبين ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾(التوبة:105). ففي هذه الآية، الأمر بالعمل مقصود به الناس وهم فاعلوه، ولم يوجّه إلى القدر الذي لم يقم به؛ وعمل الناس الذي يعلمه الله والذي سيشاهده الرسول والمؤمنون في الآخرة هو عملهم هم وليس عمل القدر؛ والله سيجزيهم به ثوابًا وعقابًا لأنهم هم فاعلوه في خيره وشرّه، فلا يذهب الجزاء إلى القدر لأنه لم يفعله لا في خيره ولا في شرّه…
ان تحرّر الإسلام من هذا الفهم الملتبس للقدر لهو من الضرورة بمكان، ولهو سواء السبيل ليستعيد به خليفة الله في أهله سيادته وحريّته المسؤولة واستقلاليّته، ويطلق فاعليّته المتناسبة مع أهليّته المتميزة والمتفوقة والمبدعة وقد أعمل عقله الناقد الحر في كل هذا وذاك، ويضع بالتالي حدًّا للتخبّط والارتباك والجمود والتأخّر، ويحدّد معالم الطريق القويم، والرؤية الصائبة، والنهوض المؤمّل باتجاه مواكبة التطوّر والاستجابة له بما يعود عليه بالخير والرخاء واليسر. ولكن، اذا كثرت الإشارات إلى ما سيكون لأهل الإسلام من مسار جديد نتيجة لارتداد دويّ صرخته (4)، فماذا يكون للإسلام نفسه من صدى هذه الصرخة؟



