مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”47″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثالث من كتاب “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

  • الإسلام المتحرّر ينهض برسالته العظمى:

 ان الرسالة العظمى التي يخدم الإسلام بها الإنسان عامّة وأهله خاصة تكمن في مراميها وأبعادها وغاياتها، بعد أن يكون قد خرج من الظلمات التي علّقت به وهي دخيلة عليه، والتي تمثّلت بالاستبداد السياسي والاستبداد التنظيري والمنسوب إليه تعسّفًا من الصلاحية المطلقة واللاتاريخية والفهم الملتبس الاستلابي للقضاء والقدر، انها تتجلّى في تكليف الله آدم (الإنسان) القيام بمهام خلافة الأرض وأعبائها.

ان تحرّر الإسلام لا يعني تقزيم دوره، والتقليل من شأنه كنقطة تحوّل تاريخي ممتدّ الأثر في الزمان والمكان. انما هو ضرورة لا بدّ منها له ليطلق ما به من وسع، وما يختزن من طاقات، كما فعل به الرسول الأمين بعد تلقّيه من الأمين جبريل، وفهمه وتبليغه وممارسته بعيدًا من الظلمات سيّئة السّمعة وآنفة الذكر. فإن لم يفلح هذا التحرّر في إلغاء المذاهب وتحويلها إلى وجهات نظر بشرية دنيوية ترابية كما هي فعلًا، ونحن نشعر بأن هذا التحويل محال في ظل ما هو قائم في الواقع، فإننا نتطلّع إلى ضرورة نزع صفتي التأليه والادلجة (العقدنة) عن هذه المذاهب بحيث لا يكون لأيّ منها أي امتياز على غيره، الأمر الذي يتمكّن به الإسلام من العودة إلى الإشراق في التوحيد والهدى والرحمة والسماحة والسلام، العودة التي تحتضن الإنسان في أهل الإسلام، وتظلّل قيامه بمهام الخلافة سيّدًا حرًّا مستقلًا فاعلًا مسؤولًا.

وإننا نذهب إلى تناول الرسالة العظمى للإسلام بتبيان معالمها ووجوهها لما في هذا من جلاء عظمتها، ومن  ترشيد المعرفة بها بحيث تسلك سبيلها إلى الإسهام في بلورة الإسلام المحمّدي في نهوض أهله من جديد، وتسهم في حفظ الإسلام متكاملًا في هويّته ووحدته. ففيم تتجلّى عظمة هذه الرسالة التي يضطلع بها الإسلام المتحرر؟

3-1- الدعوة إلى التعبّد لله: لقد جاء في خلق الله عالمي الغيب والشهادة أنه خلق الجنّ والإنس ليعبدوه وقد آمنوا به واحدًا أحدًا صمدًا لا شريك له ولا نظير، وبملائكته وكتبه ورسله ويوم البعث، وامتثلوا لأوامره ونواهيه وأحكامه، وقاموا بفرائضه وتكليفاته. وأخبر الله في الكتاب المبين بأن هذا الإيمان لا إكراه فيه، وأنه تعالى قد أظهر الحق وبيّن الدين القويم واضحًا لا لبس فيه. ومن شاء من ذوي الألباب والمعرفة والإرادة والحرية المسؤولة والسوية الراشدة فليؤمن ومن شاء منهم فليكفر. ولكل منهم جزاؤه يوم الدينونة بين يدي الله الذي لا يظلم نفسًا أشياءها.

أضف إلى ذلك أن الله قد أعلم الناس من طريق الوحي الذي حمله رسوله الأمين جبريل إلى نبيّه المصطفى أن للمشركين الكافرين دينهم (أوثانهم التي يعبدون)، وله ولأتباعه دينهم، وأن الله قد جعل لكل فئة أو أمّة من الناس شِرْعَةً ومنهاجًا، الأمر الذي يؤكد أن التعبّد لله الذي كلّف الإنسان به يكون طوعًا واختيارًا وحريّة، وكذلك يكون الاضطلاع بكل ما يمت بصلة إلى علاقته بربّه، والأخذ بما أخبره الله به من عالمي الغيب والشهادة؛ علمًا بأن الله قد جعل الجنة ونعيمها لعباده الصالحين في إيمانهم وأعمالهم، والنار وجحيمها للفاسدين الغارقين في كفرهم وفساد أعمالهم، وقد جزى هؤلاء وأولئك بالحق والعدل، ووسعت رحمته كل شيء وهو الرحمن الرحيم (5)، وان الله ورسوله قد وفّرا لهذه الدعوة كل ما به يستجيب لها أهل الإيمان ويحققون غاياتها.

3-2- الدعوة إلى استعمار الأرض: ان القرآن ليحفل بالكثير من الآيات التي تذهب في معانيها إلى  التركيز على ما يقتضيه من الإنسان أمر الله بتكليفه بخلافة الارض، وإلى بلورته بعد تجلّيه في دعوته إلى عبادته تعالى. ان هذه الخلافة تقتضي في ما تقتضيه أن يستعمر الأرض وقد سخّرها الله له. ولعلّ بلورة هذا الاستعمار تتمّ لنا بجلائه من ثلاثة وجوه تتكامل بوضوحها وإيضاحها في ما يعود على الإنسان بالخير في الدنيا والآخرة:

3-2-أ- ما يدعو إليه القرآن في استعمار الأرض: لقد خلق الله آدم من تراب، وجعله خليفته في الأرض على رغم تساؤل الملائكة وامتعاضهم من دون خروجهم عن طاعته أو عصيانه، إلاّ إبليس الذي استكبر وأبى، فضلّ سواء السبيل إلى يوم الدين. ولقد أخذت مشيئته المعبّر عنها بقوله:

﴿-إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً -﴾(البقرة:30)، طريقها إلى التحقق في أرض الواقع ليعرف كل ما يعنيه الأمر أن استعمار الأرض أو إعمارها أو عمرانها هو أمر واقع بل منوط حصريّا بسيادة الإنسان واستقلاليته وحريّته المسؤولة لكونه الخليفة فيها بتكليف من رب العالمين. لقد ذكّر النبي صالح قومه بهذه الحقيقة وهو يدعوهم إلى عبادة  الله، ذكّرهم بأصلهم الترابي، وبنعمة الله عليهم يجعلهم  يستعمرون الأرض، في الآية﴿هُوَ [الله] أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا –﴾(هود:61). ان الأرض قد صارت منذ أمر التكليف الإلهي بخلافة الإنسان فيها مكانًا يجد فيه استقراره كيف يشاء، ورزقه وفقًا لحاجته إليه، ويعيش فيه بحسب رغباته، ويموت فيه بعد انقطاع أسباب حياته ليحتضن جثمانه حتى يوم البعث. لنتأمّل في الآيتين التاليتين:

﴿وَلَكُمْ [آدم وحواء وإبليس] فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (الأعراف:24)و ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾(الأعراف:25). ولقد فهم الإنسان من القرآن أن كل شيء في عالم الشهادة هو مسخّر له في حياته تقديرًا وتكريمًا وتمييزًا له من قبل رب العالمين، حتى لو كان هذا الشيء في السماوات والأرض وفقًا للآية:

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ-﴾(الجاثية:13). أضف إلى ذلك أن كل ما على الأرض من حسن وجمال ورزق ونعم من جماد ونبات وحيوان، قد وضعه الله في متناول يد الإنسان يتصرّف به وفقًا لإرادته،ويختبره الله فيه حاضّا إياه على البلاء الحسن في العمل الصالح، والتدبير الناجح، والتصريف الحسن في إطار ما أمر به الله ودعا إليه وحثّ عليه في الدنيا والآخرة، كما يؤكّد تعالى في الآية:﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف:7).

ان القرآن يمكّننا بما استشهدنا به منه في هذا المقام، من أن نرى أنّ الأرض التي يستعمرها الإنسان ويستثمرها ما هي إلاّ ساحة لفاعليّته التي تحكمها حاجاته ورغباته ودوافعه، وتوجّهها غاياته وأهدافه وتطلعاته في إطار سيادته عليها. فهي تعمر بما يحدثه فيها مما يؤمّن له السكن من بيوت وبنايات وبلدان ومدن، ويوفّر له الخدمة من صروح ومؤسسات تستجيب لحاجاته في التربية والتعليم والاستشفاء والخدمات، ومما ييسّر عليه الحياة من منشآت متنوّعة من قبيل شقّ الطرقات وتأهليها، وإقامة الأنفاق والجسور والسدود والمطارات والموانئ ومد السكك الحديد…الخ.

ففي كل هذا وذاك، يتوخّى الإنسان السعي الدؤوب لتذليل معيقات الأرض، والذهاب بموحشاتها حيث تواجدت في برّها وبحرها وجوّها جميعًا بحيث يتمكّن من التمتّع بثرواتها ويستثمرها في صلاح أمره وتحصين سيادته، وتوسيع حرّيّته، وتعزيز أهليّته وتدعيم منعتها….

بيد أن الإنسان بما لديه من الأهواء والأطماع “والنفس الأمارة” بالسوء، لا يستجيب للدعوة دائمًا على هذا النحو الإيجابي في استعمار الأرض واستثمارها، بل إنه كثيرًا ما تأخذه الذرائع، وتشتط به المبررات الكاذبة لنجده وقد وقع في المحظور الذي يشوّه الاستجابة الإيجابية للدعوة. ففيم هذا المحظور؟ وما موقف القرآن منه؟

3-2-ب- ما ينهى عنه القرآن في استعمار الأرض: إذا كانت الاستجابة الإيجابية لدعوة الإنسان إلى عمران الأرض تتجلّى في صالح أعماله وصلاح أموره وإصلاح شؤونه، فإن  الاستجابة السلبية لها  تظهر في فاسد الأعمال وفساد الأمور وإفساد الشؤون. فهذا هو المحظور المشار إليه. إنه مما حذّر منه القرآن، ومما أخبر به عن عدم محبّته المفسدين، ومما نهى عنه؛ إنه الفساد والإفساد. إن الفساد يمكن أن يكون عنوانًا لجميع الشرور والمساوئ، لأن فساد الشيء يلغي كل ما فيه من خير أو نفع أو جمال، ويذهب بكل صلاحيّة له.

ولعلّنا لا نغالي إذا ما قلنا إنّ الفساد هو أسوأ وشرّ ما يبشّع ويقبّح النشاط إذا كان القائم به بشرًا. وإذا فسد بلاء الإنسان في استعمار الأرض، ساء فيها كل ما يحدثه. ولنتخيّل ما تؤول إليه الأمور في إقامة مشاريع من قبيل السدود والأنفاق وسكك الحديد والمدارس، إذا ما ضرب الفساد منشئيها بالغش! ولنتصوّر حال الإنسان وقد عرف أنه يعيش في بيئة قد تلوّث هواؤها وماؤها وغذاؤها وترابها!…

فالتلوّث هنا ما هو إلاّ نتيجة لبلاء الإنسان السيئ، وشرّه يعمّ جميع الكائنات الحيّة في هذه البيئة من نبات وحيوان وبشر، وحتى الجماد لا يسلم منه. والغشّ هناك ما هو إلاّ فعل بشري عن سابق تصوّر وتصميم لتحقيق أطماع رخيصة مقابل كوارث من قبيل ما يسبّبه انهيار السدود وأبنية المدارس، وخراب الأنفاق وانسدادها، وخروج القطارات عن سككها! لهذا السبب وغيره كان النهي القرآني عن الفساد والإفساد. لقد اقترن نهي الله قوم موسى عن الفساد لشروره ومساوئه، بأمرهم بأن يأكلوا ويشربوا ما طاب لهم ذلك، ولكن باعتدال وبحسب الحاجة من غير أن يقعوا في محظور الفساد أو الإفساد كأن يفرطوا في الأكل والشرب أو يقتّروا على أنفسهم فيهما حتى لا يكونوا مبذّرين، والتبذير اعتداء على رزق الله، ولا أشحّاء بخلاء، والشحّ والبخل ظلم للنفس التي لها حق الإشباع في حدود العدل والاعتدال، كما جاء في الآية:

﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾(البقرة:60)، وفي الآيتين: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الشعراء:182و183).

      إذًا، ان استعمار الإنسان الأرض مدعوّ إليه، ومحضوض عليه قرآنيًا، ما صلح منه وأصلح، ومنهي عنه قرآنيًا ما فسد منه وأفسد. ولكن، كيف للإنسان أن يحقق هذه المعادلة؟

3-2-جـ- استعمار الأرض يتحقق بإبداع الإنسان: إن الإنسان يقدم على تحقيق المعادلة في صلاح الاستعمار، وتجنّب فساده بقدر ما يكون قد تبنّى واعتمد من القيم العليا من قبيل الخير والعدل والحق والجمال والاستقامة والنزاهة، ضوابط لسلوكه وفاعليّته وطرائقه ووسائله وقد سوّده الله على الأرض، وكلّفه باستعمارها وحضّه على جعله في مصلحته وخدمته، ونهاه عن الانزلاق به إلى المفسدة.

بيد أن الإسلام لم يقدّم البرامج ولا الطرائق ولا الوسائل ولا الآليات التي يتمّ بها للإنسان تحقيق المعادلة المشار إليها، إلاّ من بعض الكلام الذي لا يتعدّى النّصح أو التشجيع أو الحثّ وما إلى ذلك. إذًا، فالمعوّل عليه في الانخراط في هذه المعادلة، والالتزام بها هو ما تجمّع وتراكم للإنسان من معارف وخبرات ومهارات وعلوم وتقنيات وطرائق وآليات كان قد حصل عليها ولا يزال يجدّد ويطوّر فيها بإعمال عقله الناقد الحرّ الذي لم يخذل صاحبه في الإبداع كلّما دعت الحاجة إلى ذلك. إن عمارة الأرض تتجلّى بمثابة الابتلاء (الاختبار) الخطير (عظيم الشأن) لأهلية الإنسان وجدارته حيث يتنافس بل يتنازع فيه نزوعان متجذّران في شخصيته أو يجدان فيها ما به يتحقق كل منهما:

أولهما، النزوع الإيجابي وهو الأفضل في كل نشاطه صلاحًا وخيرًا ونفعًا ورقيًّا؛ وثانيهما، النزوع السلبي وهو الأسوأ الذي ينطوي على الفساد والشر والأذى والتأخّر، فلا يجدر بالإنسان لأنه ينحدر به نحو التوحّش. ولعلّه من الوضوح بمكان ان الإنسان كلّما أنجز وحقّق وتزايد تحقيقه وإنجازه في إطار النزوع الإيجابي، تمدّن وتقدّم رقيّه؛ وكلما تمادى في انزلاقاته إلى الإطار السلبي، تشوّهت سمعته، وانحدر خلقه وتجلّى تأخّره.

3-3- الدعوة إلى  الحكم بين الناس: لقد كان في علم الله وحكمته ضرورة أن يكون في خلائفه في الأرض سلطة ناظمة وضابطة لإيقاع حياتهم، تفض نزاعاتهم، وتحكم فيها وفقًا لقوانين وإجراءات وآليات تضعها لهذه الغاية ولأية غاية أخرى يرمي إليها الحكم، وتكبح أطماع الطامعين وتكف أهواءهم وتحمي حياة الناس، وتؤمّن حاجاتهم ومصالحهم، وتصون حقوقهم وحرياتهم وتدير شؤونهم العامّة، وتدبّر أمورهم، وتعمل على جعلهم يحترمون القيام بواجباتهم، والوفاء بتعهداتهم في ما بينهم أنفسهم، وفي ما بينهم وبين السلطة الحاكمة بحيث تنتظم حياتهم وترقى بهم ويرقون بها بما يتناسب مع أهلية الإنسان المتميزة والمتفردة والمتفوقة، ومع جدارته بخلافة الأرض. ولعلّ الحكم بين الناس ومنهم ولهم أهم وأعظم ابتلاء لأهليّة الإنسان، وأخطر ما يترتّب عليه من  أمر الله بتكليفه خلافة الأرض.

ان خطورة هذا الابتلاء تتجلّى في ما تؤول إليه عمليّته أو عمليّة الحكم من نتائج وآثار على الناس، كل الناس حيث ستكون بقدر ما يأتي بلاء الحاكم سيئًا. ولعلّنا لا نغفل أن بين حسن البلاء في الحكم وسوئه درجات ومستويات تحدّدها معايير وقيم ووجهات نظر في العلوم السياسية وشؤون الحكم وأشكاله. وفي هذا السياق، أمر الله في كتابه المبين بأن يكون الحكم بين الناس بالعدل والحق والمساواة إحقاقًا للحق وإقامًا للعدل، كما نهى الله فيه عن اتّباع الهوى، وبيّن أنه لا يريد الظلم ولا يحب الاعتداء(6)، الأمر الذي يفضي بالمشترع الأريب، وذي  العقل المتنوّر إلى أن يجعل من الثلاثي (العدل والحق والمساواة) في الحكم إطارًا مرجعيًّا بعد تعريفه وتحديد غاياته وصياغة آلياته وقوانينه التي تليق بخليفة الله في الأرض، حاكمًا ومحكومًا، وتحميه من الأهواء وتمنعه من الظلم والاعتداء، وتصون حقوقه وحرياته ومصالحه وحاجاته وتطلعاته، لأن الإسلام لا ينصّ على أي نظام أو منهاج في الحكم والسياسة والاقتصاد وما إلى ذلك، كما أجرينا الكلام على ذلك في أكثر من  مكان. فالحكم بكل أشكاله ومناهجه وقوانينه وآلياته الناظمة والضابطة له هو صناعة بشرية من طريق إعمال العقل ليس إلاّ، فلا يشذّ عن هذه الصناعة حتى أشكال الحكم القائمة والمنوي إقامتها باسم الدين (الإسلام) لأنها لا تخرج عن كونها فهمًا بشريًا متألّهًا كما سبق الكلام على ذلك أيضًا. ويتبيّن لنا بعد عرض الدعوتين إلى استعمار الأرض والحكم بين الناس من رسالة الإسلام العظمى، عظم تكاملهما وترابطهما حتى أنه ليمكننا إدخال إحداهما في الأخرى، وإجراء الكلام عليهما واحدة.

3-4- الدعوة إلى حقوق الإنسان والقيم العليا: لعلّه من السوية والأهمية والضرورة بمكان أن ينهض الإسلام في إطار حقوق الإنسان والقيم العليا لما فيه من إقرار بهما، وتثمين عال لهما، وحضّ عليهما؛ ولما يتناغم هذا النهوض مع رسالته الموجّهة إلى الناس كافّة، ويحقق لهم رقيًّا وتمدّنًا يجدران بهم. فالدعوة إليهما لا تقل عن التعهّد بهما. فماذا عنهما؟

3-4-أ- في تعهّد حقوق الإنسان: ان صرخة التحرّر التي يطلقها الإسلام تجعله على  السكة الصحيحة التي يمدّها في كل الاتجاهات بحيث يصل إلى الناس كافة كما هي رسالته العظمى لكونه خاتم الأديان، وموجّهًا إلى البشر جميعًا، ولكون المبشّر به والداعي إليه النبي الأمين، خاتم النبيين، الأمر الذي يقتضي منه تعهد حقوق الإنسان فيهم ولهم بحيث يتخطى كل ما يجعله اجتزائيًا أو أقل شمولية كما يرى المستقرئ في بيان “المجلس الإسلامي لحقوق الإنسان في الإسلام” المعلن في باريس 21 ذي القعدة 1401 ه الموافق لـ 19 أيلول 1981 م، بالمقارنة مع “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول 1948 م.

أما ما نشير إليه من اجتزائية في ما يعلن باسم الإسلام من حقوق للإنسان فيتجلّى في حصرها في أهل الإسلام واقتصارها على أتباعه دون بقيّة البشر التي تمثّل الأكثرية الساحقة من الناس؛ وكم تبدو ساحقة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما هم عليه أهل الإسلام من شرذمة نتيجة لمذهبته حيث تتلوّن تلك الحقوق بتلاوين شريعة الإسلام القائمة على مقاسات منظور كلّ من المذاهب والفرق والحركات والتيارات والجماعات والأحزاب والاتجاهات التي صادرت هوية الإسلام، وأطاحت بوحدته، وشرذمت أهله في الواقع المؤسف والمؤلم والمرير والمحبط الذي يتخبّط في ظلمات أين منها “ظلمات  الجاهلية”!

أضف إلى ذلك أن الموقف القاصر والظالم من إعمال العقل الناقد الحر الفاعل المسؤول، وإبعاده عن ساحة الفعل، واتّهامه بالعجز عن “وضع المنهاج الأقوم للحياة مستقلًا عن هداية الله ووحيه”(7)، وكأنه قدر، أن هذا  التسليم بعجز العقل ينسحب تأثيره السلبي على الإسلام وأهله تكبيلًا وإعاقة وتعسيرًا في مواكبة تطوّر الحياة والاستجابة له بما يقتضيه من مرونة ونهوض وإبداع، وعلى عقول منظّري المذاهب ترسيخًا وتأييدًا له وقد ألّهوا تنظيراتهم وأدلجوها في الوقت الذي لا تخرج عن دائرة وجهات النظر البشرية النسبية الدنيوية الترابية. كيف يتّهم العقل بالعجز، وهو يحمل شهادات إثبات الكفاءة والجدارة والأهلية والكفاية في صناعة “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، وفي كافة الميادين التي ظهر ويظهر فيها  تقدّم الشعوب وتمدّنها ورقيّها ورفاهيّتها؟! كيف يظلم إعمال العقل الحر بإلصاق تهمة العجز به عن وضع أنظمة ومناهج قويمة للحياة وقد استدرك تقصير الفهم البشري المتألّه للدين عن شموليته، وعوّض عنه بالسعي الحثيث لجعل الرقّي البشري بممارسة حقوقه وحرياته يتناغم ويتكامل مع وحدة الانتماء البشري وأهليّته المتفرّدة والمتقدّمة والمتميزة، ويعبّر عنها تعبيرًا لائقًا باستخلاف الله الإنسان في الأرض؟! كيف يتهم إعمال العقل بالعجز، ولولا نعمته وفضله، لما كان هناك دين أو إيمان أو حق أو أي معرفة بأي شيء؟!…

مهلًا، لا يظنن أحد أننا نريد القول بأن العقل مطلق في ما يعمل فيه، بل كل ما نريد قوله هو أن إمكانات العقل جعلته كافيًا للإنسان لتكليفه بخلافة الأرض وابتلائه بها من قبل ربّ العالمين أو أن الله قد جعل عقل آدم (الإنسان) يسع الابتلاء والتكليف كليهما. ولكن، هل في الإسلام ما يسوّغ صرخته للتحرّر من أجل حقوق الإنسان أم نحن نحمّله ما لا طاقة له به، وننسب إليه ما ليس فيه تعسّفًا؟ لننظر في الأمر.

ان حسن استقراء الواقع المزري لحال الإسلام وأهله، وحسن تدبّر الإسلام في إطار حقوق الإنسان التي تبناها “الإعلان العالمي” ليفضيان بالمستقرئ إلى تفهّم الغربة الموحشة بينهما(8) وإلى  تسويغ تبني الإسلام حقوق الإنسان التي سبق إليهما إعمال العقل الحر في صياغتها والإعلام بها، والسعي الحثيث للاعتراف بها وإقرارها وحمايتها وقد تمتع بها الناس كافّة. ان ما في الإسلام من أسس ليكفي لتغطية الحقوق التي أعلنها “المجلس الإسلامي” آنف الذكر، كما يكفي أيضًا لتخطيها بحيث تشمل البشر جميعًا، ويكفي ثالثًا لتعهّد حقوق الإنسان الواردة في “الإعلان العالمي” كلّها، وإغنائها بما يستحق خليفة الله في الأرض من الحقوق المدنية والسياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لأن الرسالات السماوية في خبرها عن الغيب وهداها ورحمتها وجوهرها وغاياتها ورعايتها وعنايتها لا يمكن لعاقل إلاّ أن يراها تعني الإنسان مصداقًا للآية:

﴿وَمَا أرْسَلْنَاكَ [يا محمّد] إِلّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيْرًا ونَذِيرًا-﴾ (سبأ:28).ولعلّ أهم ما نراه من الأسس المشار إليها والتي يلزمها الاعتراف بها وبما يترتب عليها من الحقوق حتى يتم للإنسان بنيان حقوقه وحرياته، قائم في ما يلي:

3-4-أ- (1)- المساواة الإنسانية: إنها مساواة البشر في مادة خلقهم، التراب، وروح من الله أحيتها، تقوم في الأصل المشترك لجميع أعضاء الجنس البشري. ان الناس سواء فيها بمعزل عن أعراقهم أو ألوانهم أو لغاتهم أو أديانهم أو ثقافاتهم أو كونهم ذكورًا أو إناثًا. أجل، إن الأصل المشترك للإنسان الذي تتأصّل فيه مساواة البشر هو التراب وقد سوّاه الله في أحسن شكل كما تخبر الآية:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين:4)، ونفخ فيه من روحه فكان آدم أبو البشرية كما تعلم الآية ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي-﴾(الحجر:29)، ومنه خلق زوجه حواء، أم البشرية، ومنهما جعل الله جنس البشري يأخذ سبيله إلى الوجود، فانظر إلى ما يخبر الله به الناس﴿-فَإِنَّا [الله]خَلَقْنَاكُمْ [أيّها الناس] مِنْ تُرَابٍ -﴾(الحج:5)، ومن نفس واحدة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً –﴾ (النساء:1)، لا تفضيل بينهم إلاّ بالتقوى﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ -﴾(الحجرات: 13).

وفي السياق نفسه، نفهم ما جاء من كلام الرسول في خطبة له: “كلكم من آدم وآدم من تراب”، و”أيها  الناس ان ربكم واحد، وأباكم واحد، ألا لا فضل لعربيّ على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلاّ بالتقوى”… ولعلّه من الوضوح بمكان أن هذه المساواة تنسحب على جميع حقوق الإنسان بحيث تكون واحدة وثابتة ومتساوية حتى بين الرجل والمرأة، أو الذكر والأنثى خلافًا للفهم البشري المختلف حتى التخالف، والمتألّه والمتأدلج للإسلام والمتحيّز للذكورة. أما  الاعتبارات الوجيهة التي نراها تؤكّد هذه المساواة فنذكر منها ما يلي:

  • أولًا، إن ما ورد في الآيات الأربع الأخيرة لهو واضح وبيّن وجلّي لا لبس فيه من حيث طبيعة الأصل ووحدته دون أي تمييز بين الذكور والإناث إلاّ بالتقوى عند الله، الأمر الذي صدّقه كلام الرسول وأكّده. إن هذا الاعتبار يكفي وحده، ويفي بالغرض عند من يتبصّر في الأمر، ويحسن تدبّر الآيات وكلام الرسول. بيد أننا آثرنا تدعيمه أيضًا.
  • ثانيًا، ليس في الآيتين ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ -﴾(المائدة:5)، و ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ –﴾(البقرة: 221)، ليس فيهما أيّ نصّ يعطي الرجل ما لا يعطيه المرأة في التزوّج.
  • ثالثًا، أن يكون من منيّ الرجل وبويضة المرأة ضرورة لا بدّ منها لتكوين الكائن البشري، لا يعطي الرجل أية أفضلية على المرأة. أما الحسب والنسب والقوة الفيزيائية فأمور مكتسبة وذات طابع تربوي اجتماعي ثقافي بشكل أو بآخر، وليست من التقوى في شيء.
  • رابعًا، إذا جاء النص يفضّل في ظاهره الرجل على المرأة، ويعلل التفضيل كما جاء في الآية ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ -﴾(النساء:34)، فإننا نرى أن يدرج المعنى في إطار الآيات التي أكّدت المساواة، كأن نقول في هذه الآية إن التفضيل يكون بمقدار التقوى، وينتفي أن يكون الإنفاق علّة قيام الرجل على المرأة أمرًا ونهيًا وتوجيهًا بمجرّد تمكّن المرأة من الإنفاق مثل الرجل نتيجة لعملها وإنتاجها، لأن الفروق في أمور من قبيل إعمال العقل وطاقته، وحسن التدبّر، والذكاء والوعي والإدراك والتذكّر والتخيّل وما إلى ذلك، متواجدة بين أفراد النوع الواحد أكثر مما هي بين النوعين علمًا بأن النوعين هذين هما من جنس واحد.
  • خامسًا، ونذكر في إطار الآيات المؤكدة للمساواة، الآية التي تذكّر الرجال والنساء على قدم المساواة، بأنهم جميعًا من نفس واحدة وهي عينها في الرجل وفي المرأة، وجعل الله بينهما المودّة والرحمة بحيث يود ويرحم كل منهما الآخر، وحضّ الناس على التأمّل والتفكّر في عظم المساواة التي يتكافأ فيها الرجل والمرأة، ألا وهي:﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الروم:21). وهل يتناغم التوادد والتراحم مع دونية المرأة أو فوقيّة الرجل؟! وهل يطيب سكن الرجل إلى المرأة وقد غلبت نفسه نفسها، وهما من نفس واحدة؟!

سادسًا، لما كان الدين في كلّه وبعضه لا يعدو كونه فهمًا بشريًا، ولما كان الفهم البشري الدنيوي الترابي النسبي لا يعدو كونه نتيجة لإعمال العقل، أيًا كان هذا  الفهم، فلماذا لا يطمئن ذوو الألباب إلى ملاذية العقل بشأن المساواة بين الرجل والمرأة بعد أن يكونوا قد حرّروا أنفسهم من مغالاة نرجسياتهم في ما يبلغ بهم نظرهم، ومن تأليه وجهات نظرهم وأدلجتها، علمًا بأنهم يعلمون حق العلم أنه ليس من حقهم أن يؤلهوها وليس من حقهم أيضًا أن يؤدلجوها؟! ان الله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر. فلماذا يعسّر المنظّرون على أنفسهم وعلى غيرهم؟!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى