مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”8″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” اليوم، نشر محتويات فصول المحور الأول من كتاب “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

1-4-ب- الحريّة السّياسية في الإسلام: في الحقيقة، يمكن الباحث أن يجد في الإسلام ما يتحدث به عن حريّة المعتقد أو الحرية الدينية، وما يمكن أن يشير إلى  الحرية في التملّك والتجارة أو الحريّة في الاقتصاد، وما يتناول الحريّة في الاجتماع. كما يمكنه أن يجد هذه الحريّات الثلاث التي ليس هنا مجال الحديث عنها، قائمة في نطاق وإطار وأحكام الشريعة الإسلامية. أما الحريّة السياسية وهي  المعنيّة هنا، فليس هناك ما ينص عليها من خلال نظام سياسي أو نظريّة كاملة في الحكم أو سياسته أو نظرية كاملة في الحكم أو سياسته في القرآن والسّنة. فالنّبيّ توفي ولم يكن في سنّته صيغة صريحة وواضحة لطبيعة الحكم من بعده، ولا لآليات اختيار الحاكم ومدة حكمه أو كيفيته، والأمر نفسه ينسحب على القرآن. ولكن، ومع ذلك، يمكن الرجوع إلى الكثير من الإيحاءات بها، والإشارات إليها، والمعاني التي تقاربها بشكل أو بآخر في آيات من القرآن، وأحاديث من السّنة النبويّة، للحديث عنها أو عن الحق السياسي للإنسان. والحديث عنها يصبح أكبر وآصل من وجهة نظر إسلاميّة، بعد أن أصبحت الشورى أساسًا للنظام السياسي والإسلامي في الحكم، وعلامة تفوّقه على غيره من الأنظمة السياسية الوضعيّة التي صاغها وصنعها العقل والتجربة البشريّان عند قسم كبير ممن آمن بالإسلام. فالحرية السياسية لا تكون إلاّ في ظل نظام سياسي حاكم. والحكم هنا إسلامي. وأول ما يطالعنا به القرآن هو أن الحاكمية لله وأنها تقوم بالحكم بما أنزله في كتبه، أي الحكم بشريعته. وأوّل من حكم بما أنزل الله، وطبّقه هو النّبيّ المصطفى. ثم إنّ في ظاهر الكثير من الآيات تتوجّه الدعوة العلوية فيها إلى تنفيذ حكم الله عند الجماعة أو الناس، وإن جاءت في بعضها تنيطه بأولي الأمر من هؤلاء. فهؤلاء المؤمنون الذين إن ثبتّهم الله في الأرض، فجعل لهم سلطة ومالاً ونفوذًا، نهضوا إلى عبادته، وطهّروا أموالهم بالزكاة، ودعوا إلى الخير والحلال، وإلى الابتعاد عن الشّرّ والحرام، وعلموا أن الأمور ترجع إلى ربّ العالمين، مصداقًا للآية: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: 41) . أما الذي يسرق من الرجال والتي تسرق من النساء، فعاقبوهما بقطع أيديهما جزاء لهما من الله على ما ارتكباه من فعل شنيع، فالله بعزّته وحكمته، عادل لا يظلم أحدًا. فلننظر في ما ورد في الآية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: 38) . وفي السّنّة النبويّة، يحرص الرسول على تنظيم الأمور وتدبيرها بين الناس بحيث يكون لهم مرجع له أمر الحكم في ما ينشأ لهم أو بينهم، حتى ولو قلّ عددهم وكانوا ثلاثة في سفر، مثلاً، فليؤمّروا أحدهم عليهم. ولكن تدبّر الحكم بما أنزل الله لا يتمّ عمليًّا وواقعيًّا وعقليًّا من طريق سائر الناس، لذا كان هذا الحكم منوطًا ببعض الناس ينوبون فيه عن الجماعة أو الأمة بآليات قالت بها الشريعة الإسلامية. وعبر هذه الآليات يمكن ملاحظة مدى  الحريّة السياسية التي يتمتع بها كل فرد في المشاركة في الحكم وفي مراقبته. وهذه المشاركة تتمّ عبر آليتي الشورى والبيعة: ففي الشورى يتمّ اختيار الحاكم؛ وهو الخليفة، في الحكم الإسلامي المقصود في توّجهنا، بالتشاور بين أهل “الحل والعقد”، أو أهل العلم والدين والخبرة، أو أهل الشورى، وهم النخبة، وهم قلّة على أيّة حال بالنسبة إلى الأمة أو جماعة المسلمين؛ فالحاكم يكون الذي اختارته أكثرية الآراء من هؤلاء، إذ لم يكن في الشورى إجماع، وهذا طبيعي، وهذا ما كان في خلافة كل من الخلفاء الراشدين؛ ويعتبر رأي الأكثرية هذا البيعة الخاصّة التي على أساسها يصار إلى البيعة العامّة من عامّة الناس أو سائر الأمة. فالفرد، مبدئيًا، يمكن أن يكون الحاكم، أو أحد أعضاء أهل “الحل والعقد”، أو أحد أفراد  الناس في سائر الأمّة؛ كما يمكنه أن يقول نعم أو لا في هذه الممكنات، وبذلك يكون قد شارك في عملية اختيار الحاكم والحكم برأيه المؤيّد أو المعارض أو الممتنع؛ ويمكنه أيضًا في إطار حقه السياسي أو حريته السياسية، أن يراقب الحكم ويقول فيه خيرًا ان رآه مستقيمًا عادلًا ملتزمًا الأحكام الشرعية ذات العلاقة، أو ينتقده إن رأى فيه إهمالاً أو منكرًا أو ظلمًا وما إلى ذلك. فالفرد يمارس هنا في هاتين الحالتين، حريّة التعبير في الرأي والقول، التي لا تستقيم بدونها الحريّة السياسية وكأنه يحاسب بالإضافة إلى المراقبة. طبعًا هذا من حيث المبدأ أو بالاستناد إلى ما يمكن التأسيس عليه في الدّين: ففي القرآن، يصف ربّ العالمين أهل الإيمان بالإسلام الذين آمنوا بوحدانيّة إلوهيته، بأنّهم كانوا خير الأمم للأمم، للناس جميعًا، يقولون بالخير والحلال والهدى والجمال والحق وكل ما ينفع الناس ويؤدّي بهم إلى الفوز بالآخرة، كما أنهم يدعون إلى الابتعاد والنهي عن الشرّ والحرام والضلال والقبح والباطل، وكل ما يضر الناس في دنياهم، ويفضي بهم إلى خسارة الآخرة. لنتفكّر في الآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110). وإذا جعل الإسلام من المؤمن به مثالاً لغيره يعلمه ويرشده ويهديه ويحذّره مما يضرّه وينهاه عمّا يؤذيه في حياته وآخرته، فإنه من باب أولى وأوسع، وبحجة أرجح وأقوى، أن يجعل المؤمن به يحرص على أخيه المؤمن في إرشاده وهدايته اللذين يقتضيان المراقبة التي تحدّد مدى الحاجة إليهما. والمراقبة هذه تمهّد للمحاسبة وفقًا لآليات لا بدّ للشريعة من أن تكون قد وضعتها أو صاغتها لهذه الغاية بالرجوع إلى مثل هذه الآية. وفي آية تحاكي السابقة كثيرًا، إلاّ أنها تضيف فتصف هؤلاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، بالمفلحين أي الناجحين الفائزين لبلائهم الحسن في ما يعبرون به عن رأيهم الناضج الصائب بشأن أوامر الشريعة ونواهيها، وتقول: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَىالْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِۚوَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104). أما في السنّة، فكان هناك ما يدل على الحق السياسي في المشاركة في الحكم ومراقبته بكثير من المباشر. ففي بيعة العقبة الثانية، وبعد أن تمت للرسول بيعة 73 رجلاً وامرأتين اثنتين من الأنصار، أو من الأوس والخزرج حصرًا، قال لهؤلاء: “أخرجوا إليَ منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم”(7). ففعلوا، وفي هذا نوع من الانتخاب المفضي إلى اختيار ممثلين عن جماعة. وفي حديث للرسول أيضًا، يحذّر الناس من شرّ الظلم ويحضهم بالتالي على ممارسة حقهم، فإن هم لم يسارعوا الى وضع الحد لظلم  الظالم، فإنه سيلحق بهم عذاب أو عقاب من الله جرّاء تقصيرهم، إذ يقول فيه: ” إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب منه”(8). ومن حديث له، يأمر الناس بالابتعاد عن التبعيّة المفرطة التي تلغي استقلاليتهم والعمل بآرائهم ووجهات نظرهم حيث قال فيه: “لا تكونوا إمّعة”. ولعله من الشّائع والمتداول بين عامة الناس أن الرسول يدعو إلى تقويم الذي يأتي منكرًا باليد، فإن لم يكن مستطاعًا،  فباللسان، وإن لم يكن مقدورًا عليه، فبالقلب وهذا أضعف الإيمان.

1-4-جـ- الحريّة بين الموالاة للحكم والمعارضة له: ليس من شك في أن هناك الكثير مما يتيح التأسيس عليه، كما رأينا، لممارسة الحق السياسي أو الحريّة السياسية في نطاق واسع وإطار مرجعّي متسامح. ولكن، إلى أي مدى ينطبق ما رأيناه نظريًّا على ما كان واقعيًا؟ وهل الحرية السياسية التي هي حق سياسي للإنسان في مجتمعه وجماعته ودولته، تزان في ميزان واحد في حال مورست موالية للحكم أو معارضته له؟ – نذهب  إلى العهد الراشدي للإجابة عن هذا التساؤل، حيث طرحت مسألة الحكم الإسلامي على نحو مرتبك ومربك بعد وفاة الرسول لعدم تواجد صيغة معيّنة لاختيار الحاكم، فضلاً عن عدم وجود نظام سياسي يرجع إليه، أو يؤمّن لأهل الإسلام الاستمرارية السياسية. ولقد ذكرنا كيف تمّ الحكم خلال العهد الراشدي في معرض الكلام على الشورى، فلا أرانا بحاجة إلى تكرار ذلك. إلاّ أنّه ينبغي أن نؤكّد أن الشورى باعتبارها نظامًا للحكم عند معظم المسلمين لم تمارس بصيغة واحدة في العهد الراشدي، ولم تكن واضحة المعالم، ولا محدّدة الكيفية، منذ بداية خلافة أبي بكر إلى أن اغتصبتها الوراثة مع بداية العهد الأموي، خلافة معاوية؛ أضف إلى ذلك أن أهل الشورى أو أهل “الحل والعقد”، لم يكونوا على رأي واحد، ولكنهم كانوا يخرجون برأي الأكثرية على أنه البيعة الخاصّة؛ أما  البيعة العامة فهي أيضًا لم يكن فيها إجماع؛ وعلى الرغم مما يمكن لنا فهمه من أقوال بعض الخلفاء، على أنه هامش واسع لممارسة حرية التعبير في القول والنقد حيث يقول أبو بكر: “فإن أحسنت أعينوني، وإن أسأت فقوّموني”، ويقول عمر، ردًّا على استعظام أحد الصحابة قول أحدهم للخليفة “اتّق الله”: “لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم”، ويقول عليّ: “لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرًّا”، فهذه الأقوال، وإن كانت تعبّر في معانيها ودلالاتها عن بعد النظر في ممارسة الحكم والسياسة، فضلًا عن التأكيد على حق التعبير عن الرأي واحترامه، والاعتراف بهما، فإنّها لم  تتجاوز ثقافة قائليها لتصبح ثقافة سياسة يتميّز بها الحكم الإسلامي بحيث يتقبّل آراء المعارضين، ويتفهّم موقف اللامبالين، جنبًا إلى جنب مع آراء الموالين الذين يصولون ويجولون تقريبًا وحدهم في طول ساحة الفعل والواقع، وعرضها، في كيل التقدير والمديح والدفاع والتأييد وما إليه، للحاكم والحكم والأعوان… فالمعارضة، سواء أكانت ذات طابع جماعيّ أم فرديّ، لم يكن يرحّب بها، وكانت مثارًا لقلق الحكم. فكم شغل تأخّر عليّ وقلة ممن رأى رأيه على مبايعة أبي بكر، كم شغل وأقلق الخليفة وأصحابه وأعوانه! هذا، ولم يرتح البال ولم تهدأ النفوس حتى تمّت البيعة المتأخّرة، وتمّ معها التعاون التام مع خليفة رسول الله… وفي عهد الخليفة الثالث، وعندما أخذت الاحتجاجات على الحكم تتنامى، والامتعاضات منه تتزايد حيث ساد واستقر في نفوس الممتعضين والمحتجين اعتقادًا بأن الخليفة عثمان مارس ويمارس المحاباة تجاه أقربائه، أو بأنّ هؤلاء طمعوا في تقاه وورعه؛ وعلى  الرغم من النصائح الرشيدة والآراء السديدة والوفيرة التي أسداها إلى الخليفة أهل “حلّ وعقد” كبار، وضعوها بين يديه، ومثلها ذهب باتجاه المحتجين، بغية إصلاح الأمور، وصلاح الأمة، ودرء الفتنة، على الرغم من كل ذلك، فلا الحكم اتّخذ تدابير تزيل مواضع الشكوى من جسمه، ولا المحتجون وجدوا سبلاً تؤدي بهم إلى تحقيق ما يرونه من تصحيح لمسار الحكم وتصويبه… فاشتد الاحتجاج حتى صار معارضة، والمعارضة تمرّدًا وعصيانًا، وهذان ثورة انفجرت لأجل تصويب حكم الإسلام بنظر الثائرين، فقتلت الخليفة وهو يقرأ في ما كان منه وإليه يرجع الإسلام. وبذلك أدّت  الفتنة الكبرى غرضها في شق المسلمين، وقصم ظهر الإسلام، ولما يزل هذا وهؤلاء يعانون من شرورها، واستفحلت آثارها المدمّرة في عهد  الخليفة الرابع، واستمرّت بشكل أو بآخر في العهود التي تلت… فلا الشورى قضت عليها، ولا أهل “الحل والعقد”  تمكنوا من إزالة آثارها، ولملمة شرورها، أما البيعة فتعدّدت اتجاهاتها حتى أصبحت تحت رحمة السّيف والتسلّط…

وتكثر الحدود والقيود بذلك كلّه على الحريّة السياسية، مع كثرة الفرق والمذاهب لاحقًا ليصير مصيرها القمع إن هي خرجت عن الموالاة… لنعد إلى عهد الخليفة الثالث عثمان، وإلى حكاية الصحابي الكبير أبي ذرّ الغفاريّ في حرية التعبير عن الرأي وفي القول حيث كان يحلو له أن يقرأ على مسامع الناس في شوارع الشام (دمشق) الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة: 34) ، طبعًا، لم يكن شيء يمنعه من أن يتبعها بالآية 35 من  السورة نفسها ﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة: 35) ، فاختلف بشأن ما يقرأ مع والي الشام معاوية بن أبي سفيان الذي لم يكن منه إلاّ أن كتب إلى الخليفة عثمان بن عفان يبلغه أن أبا ذرّ قد أفسد  الناس في الشام، فاستدعاه الخليفة، وبعد ذلك، نُحيَّ أبو ذرّ إلى الربذة حيث أمضى بقيّة حياته فيها، وتوفي وانتظر جثمانه عابر سبيل حتى واراه الثرى… ترى، فما كان بإمكانه أن يفعل بمعارضته؟ – بالتأكيد  ليس إلاّ ما ينبّه الناس أو بعض الناس من عاقبة أكل أموال الناس بالباطل أو الحرام، بالإضافة إلى تحذير هؤلاء من كنز الذهب والفضة من دون إنفاقها في سبيل الله، دون أن نغفل أنه كان في قراءاته، يذكّر ويحذّر وينذر من يعنيه  الأمر، أو من هو غارق فيه حتى أذنيه، بعاقبة الأمور، ويفتّح العيون عليه وهو الذي يحكم بقضاء الله وقدره. وفي كل الأحوال، لم يكن أبو ذرّ يأتي بشيء من عنديّاته، بل تجرّأ وغامر في أن لا يخاف من لومة لائم في ما رآه حقًا وعدلاً وصراطًا مستقيمًا. أهذا يعتبر ذنبًا اقترفه الصحابيّ أبو ذر فاستحق أن يموت في الربذة معزولاً، وهو الذي قال فيه رسول الله: “ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء من ذي  لهجة أصدق من أبي ذرّ”(9)؟!

فالإنسان المؤمن بالإسلام والذي يعيش في ظل حكم إسلامي، أساسه نظام الشورى، ومصدره القرآن والسّنة، والذي يتمتع بالحرية السياسية أو الحق السياسي، يجد في النصوص ما يجعله مطمئنًا وآمنًا على نفسه، لكون أصالة هذه النصوص تشرّع له ذلك. ولكن الصورة سرعان ما تتغيّر، عندما يخرج ما تعنيه النصوص إلى ساحة الفعل في الواقع، فيجد معيارًا مثل “لا ضرر ولا ضرار” بين يدي صاحب السلطة، يسيء استعماله، ويرجع إليه ليقمع حرية التعبير عن الحق السياسي وعن الرأي عندما لا يتناغمان مع خط الموالاة للحكم القائم، متذّرعًا بالحرص على المصلحة العامة، وسلامة الأمة من الفتنة، مدّعيًا أن هذا المعارض قد تجاوز الحدود، ووقع في المحظور، وبالتالي فهو يضر ويفسد ويعمل للفتنة، أو يخرج عن الشريعة أو حتى عليها. لذا يجب عقابه وقمعه. أجل، فعلى هذا النحو كان  التعامل مع الصحاببيّ أبي ذرّ الغفاري.

ثم إن مصدري التشريع للحق السياسي، هما نفساهما يجعلان التمتع به مرهونًا ومقيّدًا للشريعة التي هي تبيح وتتسامح، وهي تمنع وتقمع؛ أضف إلى ذلك، أن القيّمين على تفسير الشريعة واستنباط أحكامها وتشريع الأوامر والنواهي، والعمل والقضاء بكل ذلك، هم النخبة من المفتين والعلماء والفقهاء والحكماء والمجتهدين الذين يبلغون مقاصد الشريعة، وأهدافها وأحكامها مستعينين بالله، وجاعلين هذا  المبلوغ  كله مطابقًا تمامًا لما أنزله الله في كتابه العزيز، ولما مارسه نبيّه في سنّته، ثم يعلّمونه الناس ويرشدونهم إليه، فيشيع بينهم ويستقر في نفوسهم على أنه هو كل ما أنزله الله وكل ما أراده، لعباده، وكل ما أمرهم به، وكل ما نهاهم عنه، وكل ما أباحه وحللّه لهم، وكل ما منعه وحرّمه عليهم إلى يوم الدين. وإذا كان الحكم لله كلّه وهو ما أنزله في كتابه، وإذا كان الرسول قد حكم به،  وجعل منه سنّة يقتدي بها من آمن بالإسلام, وإذا كان الحاكم بعد  الرسول يستمد حكمه من كتاب الله وسنّة نبيّه، وإذا كان أهل “الحل والعقد” قد أوصلوه إلى سدّة الحكم بالتأسيس والبناء على هذين المصدرين، وإذا العامّة قد بايعوه على ولائه لهما، فيصبح الحكم في الممارسة حكمًا قد أراده الله وقد كلّف الحاكم به…

وإذا أضفنا إلى هذا وذاك، الدعوة  الصريحة، بل الأمر الصريح الواضح الذي لا لبس فيه من ربّ العالمين أن أطيعوا أولي الأمر منكم وارجعوا بما تختلفون فيه معهم إلى  القرآن والسّنة، علمًا بأن القيّم عليهما هو ولي الأمر (الحاكم) والذين أوصلوه إلى سدّة الحكم؛ فلنتصوّر الآن على أي مستوى من الجرأة والشجاعة والحكمة، ينبغي أن يكون عليه هذا الذي يعبّر عن رأيه ضد الحكم ممارسًا حقّه في المشاركة والمراقبة والمحاسبة والنقد! إنّه يجد نفسه وجهًا لوجه مع كتاب الله وسنّة نبيّه، إن لم يُجْعَل وجهًا لوجه مع الله ونبيّه، بدلاً من أن يكون وجهًا لوجه مع حكم قائم على فهم بشري، ومع حاكم لم تخوّله طبيعته ولا تؤهله لأيّ قداسة. فمثل هذا المعارض إذا كان مؤمنًا عميق الإيمان، فلا يلبث أن يشعر بالذنب ولا يقوى على التخلّص من هذا الشعور لمخالفته الشريعة وأمر الله؛ أما إذا كان ذا إيمان وعقل يفهم به الأمور، وإرادة يرجح بها ما يراه الأصوب والأنسب، فيجد نفسه محاصرًا من الناس والشرع والحكم. فأين المفر؟!… ويسهل التكفير… ويستساغ القمع، ويتبخّر ما يسمّى بالحق السياسي أو الحرية السياسية… فالحريّة بعنوان السياسة حريّة تامّة كاملة في الموالاة للحاكم وحكمه، وحريّة خجولة جدًّا، ومشلولة جدًّا، ومحاصرة في حيّز ضيّق جدًّا، وإلاّ فمقموعة كليًّا في المعارضة للحاكم وحكمه.

1-5 – في الطاعة: لقد ذكرنا الطاعة لأولي الأمر في سياق حريّة التعبير والرأي، فجاءت بمثابة ضغط أو قيد إضافي يحدّ من هذه الحرّيّة المضغوطة والمقيّدة، وحتى المقموعة في ساحة الواقع المتّسعة لكل أشكال حريّة التعبير والرأي الموالية للحاكم والحكم. فما معنى الطاعة؟ وما مكانتها بالنسبة إلى الخالق؟ وما مداها بالنسبة إلى النبيّ المصطفى؟ وكيف تنعكس في الحياة السياسية عبر أولي الأمر الذين خصّهم بها ربّ العالمين بعد رسوله، شرط الرجوع إليه وإلى رسوله في حال الاختلاف في شيء؟.

1-5-أ- في معنى الطاعة: الطاعة هي الاستجابة لأمر آمر، وهي فيه انقياد وامتثال له، وعمل به برضا نفس المأمور وقبولها وخيارها دونما إكراه أو إجبار؛ لأنه إذا خلت الطاعة من الرضا والخيار فلم تعد طاعة لتصير قمعًا أو كرهًا يحصل الآمر عليها بهما. والطاعة في هذا الإطار، يؤدّيها أو يقوم بها مأمور لآمر ذي سلطة عليه؛ كأن يطيع الولد والديه في ما يطلبانه منه، والتلميذ إرشادات معلميه ومعلماته بشأن مصلحته وصلاح أمره، والجندي أوامر رؤسائه في ما يقع ضمن واجباته ومهماته… وقد تكون الطاعة أيضًا بمعنى الرضوخ للقوانين والأحكام والأعراف، والأخذ بها في المجتمع حيث يعيش المطاع والمطيع، والرئيس والمرؤوس، والأمير والمأمور، والحاكم والمحكوم في عقد من العلاقات يرسيها وينظمها نظام سياسي يحكم أهل هذا المجتمع الذين اختاروه بشكل أو بآخر وفقًا لمنظور شرعي معمول به.

1-5-ب- في الطاعة لله ورسوله: إن طاعة المؤمن أو المؤمنة بالإسلام لله هي طاعة تامّة كاملة مطلقة؛ إنها امتثال لما أنزله الله على رسوله، وخضوع تامّ لأوامر الله ونواهيه، وانقياد له فيها وفي القيام بالتكاليف والفرائض، وفي الالتزام بالحلال والحرام، وفي عمل الصالحات والحسنات والخير وتجنّب الطالحات والسيئات والشرّ، وفي الإخلاص في الإيمان وتصديقه توخّيًا، من كل هذا وذاك، مرضاة الله ورحمته وعفوه وغفرانه للفوز بالجنّة ونعيم الآخرة يوم القيامة. أما الطاعة لرسول الله فهي أيضًا كاملة، لا يقيدها قيد ولا يشرطها وشرط، باعتبار أن الرسول قد أطاع الله طاعة تامّة في كل ما أنزله الله وما أوحى به إليه، جاعلاً من هذا وذاك، السّنّة الأقوَم، والقدوة الأحسن لمن آمن بالله ورسالته لنبيّه. فترجمة طاعته هي السّمع والامتثال لإرشاداته وأوامره ونواهيه في ما أنزل الله إليه، وفي ما بلّغه الناس بشأنه، وبشّرهم به، وحذّرهم منه، وهي قبول هذا وفهمه وتصديقه وممارسته بنفس راضية، باعتبار سنّته صراطًا مستقيمًا للدنيا والآخرة، قوامه الرحمة والهدى والخلق العظيم وإنه لعلى خُلقٍ عظيم. فأهل الإيمان يجدون في صراطه مكارم الأخلاق ومصالحهم وصلاح أمرهم، لأنّه يمتدّ في جذوره وأبعاده إلى كلام الله المبين في كتابه العزيز، ولأن سنّته أصبحت القدوة الحسنة  الرشيدة الرائجة لمن آمن بالإسلام دينًا له. أضف إلى ذلك، أن طاعة الله وطاعة رسوله لا تكونان في الكفر والشرك، ولا تصحان في الفسق ومعصية الله ورسوله، ولا تستقيمان في مخالفة ما شرّعه الله في كتابه المبين، وما سنّه نبيّه المصطفى في سنّته السنيّة…

ولعلّ فضيلة بل أهمية الطاعة لله ولرسوله تتجلّى في انتشار دين الله وسنّة نبيّه. فلولا أن أطاع الناس الرسول في ما أنزل إليه، واستجابوا ممتثلين قابلين له، لما عمرت قلوبهم بالإسلام إيمانًا وتصديقًا وممارسة، ولظلّوا غارقين في ظلمات الجهل والشّرك والضلال. ولكن إرادة الله وحكمته قدرّتا مسيرة الدعوة، وقضتا بها، فكانت على نحو ما علم وشاء؛ ذلك أن طاعة الناس للرسول كانت بإذنه تعالى، وكان مداها الإيمان بما أوحى به إليه، والعمل بما بشّر وأمر به، ونهى عنه، والانقياد لما سنّه من أحكام شرعيّةعبر أقواله وأحاديثه وقراراته وإرشاداته؛ فكل هذا بإذنه تعالى ومشيئته وهو القائل:﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ﴾(النساء: 64). وكان أمر الله في طاعته وطاعة نبيّه، واضحًا وصريحًا لا يحتمل أي تأويل أو التباس، جاعلاً الذين لم يستجيبوا ولم يمتثلوا له كافرين لا يحبّهم ولا يفلتون من عقابه لإعراضهم وإثمهم. فلنتأمل في الآية: ﴿قُلْ أَطِيعُوا الله وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ الله لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ﴾ (آل عمران: 32). وفي آية أخرى، يجعل الله فوز المؤمنين في الدنيا والآخرة متوقّفًا على طاعتهم له ولرسوله، في ما أمرا به، ونهيا عنه، وعلى خوفهم من الله وتقاهم في ما أوحى به إلى نبيّه المصطفى حيث تقول هذه الآية: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾(النور: 52) هذا ويغدق الله النعم على المطيعين لله ولرسوله، ويجزيهم خير جزاء، وأعظم ثواب، لما كان لطاعتهم هذه من مكانة وقدر عنده تعالى، فيجعلهم في أخراهم ينعمون ويسعدون مع أنبيائه والمخلصين من عباده والذين نالوا الشهادة في سبيله، ومع فاعلي الخير المتقين الورعين. وهل من رفقة مهما علا حسنها وقدرها تضاهي رفقة المقربين من الله هؤلاء في الحسن والجمال والقدر؟! لنقرأ مقدّرين:﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69) .

وهكذا نرى الطاعة لله ورسوله صريحة واضحة مجزية خير جزاء، وقد خلت من أي قيد أو شرط أو حدّ. فماذا عن الطاعة لأولي الأمر؟.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى