مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”14″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود
خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر محتويات فصول المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

2-5-د- الرسول قاد وساس ودبّر تحت مظّلة العقل: لعلّ المتتبّع لتصرّفات الرسول وتصريفاته منذ وصوله إلى المدينة المنوّرة، وفي ما كان هو والمهاجرون فيه من وضع صعب ومعقّد جدًّا لحاجتهم جميعًا إلى جميع متطلّبات الحياة الضرورية، بالإضافة إلى متطلّبات الدعوة إلى  الدين الجديد من تعليمها ونشرها والدفاع عنها، ومن العمل على التخلّص من صلف قريش وجبروتها، لعلّه يدرك بسرعة وبتثمين عالٍ، ما سارع إليه في قيادته وسياسته وتدبيره تحت مظلّة العقل حيث كان في ذلك حسن التدبير والتصريف في الأمور والشؤون العائدة للدعوة “وللأمة” الناشئة، وبعيد النظر ونافذ البصيرة في تلك الأمور والشؤون، وفي ما يحكمها من ظروف ومعطيات وتعقيدات، سواء أكان ذلك في غياب التشريع أم في حضوره. فكيف بدا الرسول لهذا المتتّبع؟ وفيم كان “النموذج الإسلامي” الصالح للتعميم وفقًا لمجريات الحياة؟

2-5-د-(1)الرسول القائد الرائد المبادر: في السنة الأولى من وصوله إلى  المدينة، وفي غياب التشريع، بادر الرسول على نحو محسوب ومتروٍّ إلى بناء مسجد (قباء)، وإصلاح ذات البين بين الأوس والخزرج، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار الذين لاقوه فيها بكرم وصدق وإخلاص، والكتاب (صحيفة المدينة) الذي نظّم فيه سائر العلاقات بين سائر فئات المجتمع المدني المتنوّع والمتعدّد من عشائر وقبائل، ومهاجرين وأنصار ويهود ومشركين(…الخ). أضف إلى ذلك، ما سارع إليه في السنة الثانية للهجرة وفي غنائم غزوة بدر، من قسمتها بالتساوي دفعًا لأي نتيجة سلبية قد تترتّب على تمادي التنازع بشأنها. فحسن تدبّره وتصرّفه قد أفلح على الرغم من تعقيد الوضع ودقّته وخطورته في غياب التشريع. ولعلّنا لا نبالغ إذا ما لاحظنا أن حضور التشريع القرآني لم يحل دون مبادرته المتروّية والمحسوبة التي تتجنّب التسرّع والتهوّر والشطط بفعل فضيلة بعد النظر والتعقّل. فهذه غنائم يهود بني النضير والتي اعتبرت فيئًا، فقد جعلها فيه وفي المهاجرين دون الأنصار تخفيفًا من وطأة  الفقر عليهم، وتضييقًا للهوة بين الفقراء والأغنياء.

أما مرونته في “صلح الحديبية” فقد تألّقت في ما كان يراه من أبعاد الموقف حيث فتح مكّة بجيش عديده عشرة آلاف بدلاً من سبعمائة أو ألف وأربعمائة كانوا معه في “الحديبية”، فضلاً عن حقن الدماء، ودفعًا للعداوة المترتّبة على دخول مكة حربًا كما بدا لبعض أصحابه حين عقد الصلح. وفي فتح مكة، كان من المتوقّع والمشروع أن يغنم المسلمون، ويقتصوا ويثأروا من الذين كانوا قد وقفوا في وجه الدعوة إلى الإسلام، وناصبوها العداء، ومارسوا ألوان الظلم والاضطهاد والتعذيب كلها، وحاكوا الدسائس والمكائد والمؤامرات للتخلّص من الدعوة وصاحبها. ولكن القائد الرائد المبادر المحتسب كان يرى أن يكسب الإسلام أعداء الأمس، ويقوى ويكبر وينتشر بهم، ويجعلهم مؤمنين به، خيرًا من الغنائم والأموال، ومن الأحقاد والضغائن التي يتركها ويخلّفها الثأر والعقاب فكان العفو الأعظم، ولم يكن كبيرًا على صاحب الخلق العظيم! وهو طبعًا لم ينسَ الفقراء من جيشه فعوّض عليهم بالاقتراض لهم من أغنياء مكّة وتجّارها…

ولعلّ المبادرة المحسوبة والمتروّية قد بلغت قمة عالية في توزيع غنائم حنين، فلم يحل التشريع دون أن يبادر، وهو القدوة في الحكم بما أنزله عليه الله، إلى جعل أربعة أخماسها من نصيب المهاجرين الأولين تعويضَا لهم مما خسروه في سبيل الدعوة، وتحسينًا لأوضاعهم، ومن نصيب المسلمين الجدد أيضًا الذين التحقوا بالجيش بعد فتح مكة، ترسيخًا للإسلام فيهم، وتثبيتًا لإيمانهم به. أضف إلى ذلك، أنه خصّ “الأشراف” من الجدد بهدايا من أموال الخمس العائد لله وله و…الخ، تأليفًا لقلوبهم على الإسلام وترغيبًا لهم فيه. لقد فعل ذلك وهو يعرف أنه حرم الأنصار من حقّهم في الغنائم، ويعرف أيضًا أنه سيستوعب امتعاضهم وتململهم في ما إذا فعلوا ذلك. والحقيقة أنهم فعلوا، وفعل…

2-5-د-(2) الأنموذج الصالح: القيادة الرشيدة والمبادرة المحسوبة: ما أحوجنا إليهما! ليس الأنموذج الصالح للتعميم في ما مارسه النبيّ المصطفى من “نشاط اقتصادي” قوامه ما كسبه من الأعداء بالحرب أو الغزو أو بدونهما من غنائم وأفياء وجزًى. وليس في “نظام سياسي” لم ينزله الله إليه في كتابه الكريم. وليس أيضًا في تكوين “خير أمّة أُخرجت للناس” على أهميته وعظم قدره في فترة من الزمن ليست بما يعتدّ به في تاريخ نشوء الأمم وتطوّرها وتحضّرها وتمدّنها. وليس هو أيضًا وأيضًا في سياسة “موارد طبيعية واصطناعية” لم تكن في حوزة الجماعة التي أنيط به تدبير أمورها وتصريف شؤونها في سائر أعضائها وفئاتها. ليس الأنموذج الصالح للتعميم في كل ما أشرنا إليه بالإجمال. لماذا؟ – لأنه باختصار شديد طارئ وعابر ليس إلاّ…

إذًا، فيم هو الأنموذج القدوة الحسنة؟  – إنّه في المبادرة المحسوبة المتروّية المبنية على إعمال العقل، وبعد النظر، والتبصّر الثاقب في فهم الأمور، وحسن التدّبر والتصرف بها؛ أجل، إنه هذه المبادرة التي تميّزت بها القيادة الرشيدة التي جعل منها الرسول المختار خير قدوة يحتذى بها في تدبير أمور الناس، وتصريف شؤونهم في غياب التشريع وفي حضوره، منطلقًا ممّا لديه من معطيات ألّف منها وبها إمكانات، وقد اجتهد في صحتها وصوابيتها، ليبلغ بها الأهداف والغايات التي اقتضتها مصالح الناس وحاجاتهم في استجابة رائعة لحركة الزمان والمكان المحكومة للظروف الموضوعية من جهة أولى، ولدى فاعليّة الإنسان من الجهة الثانية حيث يسعى الأخير جاهدًا ليكون في ذلك الخير والتقدّم في إطار ما يراه  ويؤمن به من قيم ومثل وتطلّعات…ولقد قرأنا ذلك كلّه في تدبّر وتصرّف الرسول في غياب التشريع وفي حضوره.. ولعلّنا بالخليفة أبي بكر قد قرأ حركة الزمان والمكان على نحو قريب مما قرأها فيهما حيث بادر إلى قسمة الغنائم بالتّساوي بين الناس لقلّتها، رادًّا على من اعترض على عدم التمييز بين أصحاب السّوابق في الإسلام وغيرهم، بقوله:

“سوابقهم في الإسلام أعمال قد وقع أجرهم فيها وإنّما هذا المال معاش يتساوى فيه الناس”(41). أما الخليفة عمر، فقد أحدث “ديوان العطاء” لتسجيل الذين يوزع عليهم العطاء… وقد بادر، وربما لكثرة الغنائم ووفرتها، إلى المفاضلة والتمييز بين هؤلاء، فجعلهم منازل، وجعل العطاء وفقًا لهذه المنازل يكبر ويكثر بقدر ما يتقرب صاحبه من أساس “القرابة من الرسول” وأساس “السابقة في الإسلام”، ويصغر ويقلّ بقدر ما يبتعد عنهما. فجاءت العطاءات متفاوتة بتفاوت المنازل(42).  لقد أثبتنا هاتين الإشارتين إلى  الخليفتين الأولين لنؤكّد على ما نراه من حاجة ماسّة إلى المبادرة المحسوبة والقيادة الرشيدة في ما تستدعيه حركة الزمان والمكان المتغيّرة والمشار إليها في حياة البشر ليس إلاّ.

3- في إشكاليّة الصلاحيّة لكل زمان ومكان: إن قراءة متأنيّة ومتعمّقة لمقولة “الإسلام صالح لكل زمان ومكان”، المتداولة في الأدبيات الدينية على نحو يتنكّر للنسبيّة والتاريخيّة في صلاحيّته، ويتجاهل حركة التغيّر المترتّب على تقاطع الزمكان والظروف الموضوعية، ونشاط الإنسان، فردًا وجماعة، التي تقتضي تغيّرًا ما في ما كان عليه الإسلام حكمًا وأحكامًا في عهد الرسول، تمكينًا للناس من مواكبة التقدّم والتطوّر والمستجدات، إنها تفضي بالقارئ إلى تناقض صادم، ومفارقة تخرج من دائرة معقوليّاتنا. ففيم وكيف ذلك؟

  • من حيث التناقض: تغيّر الظروف وجمود الأحكام:

3-1- أ- إذا المقولة صحيحة: إذا كان الدين صالحًا لكل زمكان في أوامره ونواهيه والأحكام، فهذا يعني أن أحكام القرآن، واستتباعًا، أحكام السّنة المكمّلة والشّارحة لها، والمتناغمة والمتكاملة معها، التي حكمت حياة الناس في ظروفهم وأحوالهم، وحلّت مشكلاتهم ودبّرت أمورهم وصرّفت شؤونهم في عهد النبوّة، هي نفسها التي حكمت وتحكم، أو وجب ويجب أن تحكم كل ما يمتّ إلى الحياة بصلة في ظل الإسلام بعد  العهد النبوّي؛ وإذا كان الأمر كذلك، فنحن أمام أمرين اثنين:

أحدهما هو أن الحياة التي تلت العهد النبويّ لم يطرأ عليها شيء من المتغيّرات أو التعديلات أو الإضافات أو التعقيدات أو المستجدات، وكأنها استمرت تكرّر نفسها في ظروفها وأحوالها وتعقيداتها، كما كانت في عهد الرسول، فلا شيء، إذًا، استدعى تعديلاً أو تغييرًا  أو جديدًا في الأحكام؛ أما الأمر الآخر فهو  أن الحياة قد بلغت غايتها وذروتها وكمالها في كل الظروف والمناحي والأبعاد والشؤون في عهد النبوّة بحيث أصبحت وكأنها الأنموذج الوحيد للحياة، لكل الحياة، وكأن الحياة التي تلته وتتلوه مهما كان شأنها، هي غير قادرة على تجاوزه، وغير مؤهّلة للخروج من سكّته، وغير متمكّنة من أن يكون لها ما يميّزها منه في ما يرى ناسها، وينظرون ويفكرون، وفي ما يقع لهم ويكابدونه، وفي ما ينعمون به أو يشقون، بل وكأن كل ما يعتمل في أنفس هؤلاء، ويدفعهم من تطلّعات وطموحات وغايات يرجع بهم إلى مثال عظيم سبق، قد صنعه النّبيّ المصطفى وناسه (أصحابه) الكمّل لأنفسهم ولغيرهم من بعدهم، وبإذن الله، وما عليهم لبلوغه سوى أن يتنكّروا للحاضر ويديروا الظهر للمستقبل، ويعطّلوا فيهم وظيفتي الإدراك والتخيّل، لكي يعوّضوهما بوظيفة التذكّر الذي يتوجّه بهم نحو “قبلة” الحياة – الأنموذج، التي ما عليهم ليحققوها سوى أن يقلّدوا الأنموذج ويحاكوه، ويقتدوا ويتشبهوا ويتمثّلوا به ليس إلاّ… وبذلك يتم الفوز بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة.

3-1-ب- إعادة التفسير ليس تغييرًا ولا إسقاطًا! وإذا قيل إن في منحى الأمرين السابقين كثيرًا من التبسيط والاختزال والتعسّف، لأنه لا جمود ولا تطابق في مسار ومسيرة الحياة في ظروفها وملابساتها وتعقيداتها، كما يتعذّر على العقل البشري فيهما أن يعقل صوابيّة أو منطقيّة أو عدالة استمرار الأنموذج زمكان النبوّة في ما تلاه ويتلوه من أزمنة وأمكنة، ومن ظروف وأحوال مختلفة، ومن طوارئ ومستجدات تستدعي تعديلا فيه أو إضافة إليه، أو أحكامًا مغايرة أو حتى جديدة أيضًا، يسارع  القائلون بالصلاحيّة المطلقة إلى وجوب إعادة التفسير والاجتهاد والتأويل بحيث تأتي الأحكام بعدها صالحة مناسبة ملائمة لحكم الظروف المستجدة والمغايرة لظروف عهد النبوّة وملابساتها…

وإذا تجرّأ المرء فتساءل قائلاً: ألم تعتبر إعادة النظر هذه في التفسير أو الاجتهاد أو التأويل تعديلاً أو تغييرًا أو تحويلاً أو تجديدًا في القرآن والسّنة؟- يجيء الردّ في أغلب الظن ﴿إنّ بعض الظّن إثم…﴾ (الحجرات: 9)، كلاّ؛ بل كان الأمر على نحو ما أفضت إليه إعادة النظر، ولكن لم يره أحد فيهما سابقًا… وإذا تمادى المرء نفسه في الجرأة بل الشجاعة وقال: ربما كان السؤال الأصحّ والأدقّ هو: ألم تكن إعادة النظر تلك نوعًا من الإسقاط، إسقاط الحاضر في الماضي حيث يُرى فيه ما يعاش في الوقت الراهن على نحو غائب عن ساحة الوعي أو الشعور؟ – فيأتي الرّد الحاسم القاطع اليقيني الذي لا يرقى إليه الشك من قبل معيدي النظر، الفقهاء المؤمنين بالصلاحية المطلقة للدين في كل زمكان: بل إنّنا نعي تمامًا ما نعيشه في الحاضر، ولم يغب عن ساحة وعينا البتّة كما يزعم المتسائل في ما ذهب إليه، ولكننا نعي أيضًا وتمامًا أن الحل والمعالجة لصلاح أمرنا في ما نحن فيه لا يتمّ لنا منه شيء إلاّ بالرجوع الواعي إلى الأصول والجذور والأسس الراسخة في القرآن والسّنة…

3-1-جــإعمال العقل في الإجماع بحدود القرآن والسّنّة: لم ييأس المتسائل، فتابع وتساءل أيضًا: ألم يكن من أسباب الإجماع في الشرع، عدم كفاية النص، أو غيابه في شأن ما؟ وبالتالي ألم يكن هذا كافيًا ليعطي العقل الضوء الأخضر لابتكار ما به يصبح النص كافيًا، أو للتعويض بإبداع نصّ يرجع إليه في الشأن المشار إليه، وفي ما كان على شاكلته؟… فلم يتأخّر الرّدّ، بل جاء وكأنه يقطع الطريق على الحوار وعلى  المحاور، ليضع المتسائل في مواجهة مع الله ونبيّه المصطفى، قائلاً:

بل إن الأضواء الخضر كلها معطاة لعقول الفقهاء الراسخين في العلم لإعمالها، ولكن على “مثال سبق” لا يخرج عن إطار القرآن والسّنّة، محتجًّا بأن الله قد نزّل الكتاب على  النبي المختار، وبيّن فيه كل شيء، وهدانا إلى الإيمان والحق والصراط المستقيم دون الكفر والباطل والضلال”، ورحمنا برحمته التي وسعت كل شيء، وبشّر المسلمين بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة، مصداقًا لما جاء في الآية: ﴿… وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾(النحل: 89).

3-1-د- التغيّر بعلم الله ومحكوم له مسبقًا: بيد أن المتسائل لم يرَ في ما يتساءل فيه أي نوع من المواجهة مع الله أو مع نبيّه؛ وهل من عاقل ينحو هذا المنحى؟! بل إنه يريد أن يهدّئ من قلق عقله بأسباب يأخذ بها، أسوة بنبيّ الله إبراهيم الذي سأل ربّه أن يريه كيف يحيي الموتى ليطمئنّ قلبه، وهو خليل الله، المؤمن به وبكل صفاته المطلقة كما ورد في الآية:﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾(البقرة: 260).

لهذا استمرّ بتساؤله دون أن يعتبر أن الرّدّ الأخير قد صادر عقله في إعماله، فأضاف قائلًا: إذا كان من السهل علينا اعتبار عهد النبوّة قد تقدّم على الأزمنة والأمكنة الماضية لسكان شبه الجزيرة العربيّة في كماله ومثاله ودينه وجماله، وكان نقطة تحوّل تاريخيّ في تقدّمه هذا؛ وإذا أمكن لنا أن نمارس الإسلام القائم على العلاقة بين الخالق وعباده في الإيمان كلّه، وفي العبادات كلّها على نحو ما كان عليه إبّان الدعوة، فهل يكفينا ما نبذله من الجهد الجهيد، والاجتهاد الملتبس، والتأويل التضميني، والإسقاط المضلّل لنجعل الحيوات التي تلت وتتلو عهد النبوّة تذعن وتخضع لمقاييس ظروف زمكانه، ومعاييرها وأحكامها وقيمها والأعراف، دون اللجوء إلى أي تعديل فيها أو تبديل أو تغيير أو تطوير أو تجديد تقتضيه هذه الحيوات؟! أولسنا بحاجة إلى معجزة – والمعجزات قد جعلها الله تجري على أيدي أنبيائه والرسل – تتجاوز معقوليّاتنا الدنيوية، فتجعلنا نسخة طبق الأصل عن أهل العهد النبوي في ممارستهم الإسلام في غير العلاقة آنفة الذكر، مما يتطرق إلى العلاقات بيننا، وتعاملاتنا وممارستنا وظروفنا وأحوالنا واختلافاتنا وخلافاتنا ومنازعاتنا وأهوائنا وحاجاتنا ومصالحنا المتضاربة، ووجهات نظرنا المتباينة في الحكم والسياسة والاقتصاد والقضاء، وفي تدبير الأمور وتصريف الشؤون، وفي الأحكام والفتاوى بشأن هذا وذاك؟! كيف يتمّ لنا ذلك من دون معجزة، علمًا بأنه “من المحال دوام الحال”؟!

كيف نعيد الماضي المنصرم لنعيشه في حاضرنا من دون معجزة وهذا في معقوليّاتنا محال؟! كيف يمكن لنا أن نعود إلى  الماضي نفسه، مع أن مثل هذه العودة يتناقض مع حركة غائيّة الحياة المتجهة أبدًا نحو المستقبل، كيف يتم لنا هذا من دون معجزة وهو أيضًا محال في ما نعقله؟! ثم أين نذهب بمعارف الحاضر وعلومه وفنونه والخبرات التي مكّنت وتمكّن الإنسان من الإمساك بزمام المبادرة من الكثير من الأحيان من زرع وتثبيت الأنسنة والتمدّن في مواطن الوحشية والتوحّش في طول الأرض وعرضها، وفي جعلها تنصاع لإرادته ورغباته وحاجاته وطموحاته وتطلّعاته بما عليها وما فيها وما يحيط بها؟ هل نلعن “التّقانة” (التكنولوجيا) والتقنيات المتقدّمة والمتطوّرة في سائر ميادين الحياة، التي صنعها العقل الحرّ، وجعلها في خدمة الإنسان وخيره، وسد حاجاته في تذليل تضاريس اليابسة ومعيقاتها، وفي قهر أعماق البحار والمحيطات، وفي غزو الفضاء، وتيسير حياته، فردًا وجماعة، في محاربة الأمراض التي تهدّده، وفي معالجة ما يتعرّض له من طوارئ، وتحسين أسباب معيشته، ومواصلاته ووسائل إتصالاته والتواصل، وفي تجارته وصناعته واقتصاده وحكمه وقضائه والسياسة…الخ؟

وهل من حلول نجدها في الماضي المعني للوجه السلبيّ المترتب بشكل أو بآخر على ما نشير إليه من التطوّر والتقدّم في تساؤلاتنا؟ ماذا عن الأزمات السياسية والاقتصادية والماليّة؟ وماذا عن الفقر والجوع والظلم وانتهاك حقوق  الإنسان، والأسلحة التدميريّة الهائلة والتلوّث..؟ هذا الوجه السلبي، هذا الشرّ المستطير يظلّ يتحدّى الإنسان في رقيّه وترقّيه، وفي تقدّمه وتمدّنه، ويبقى تواجده حائلاً دون بلوغ الإنسان كماله البشري…

ويردّ المتمسكون بــــ “صلاحية الدين لكل زمان ومكان” على التساؤلات كلّها، التي لم تقلق بنظرهم سوى عقل طارحها وعقول أمثاله؛ أمّا العقول المؤمنة فتستهدي بهدى الله وتستنير بهدي نبيّه المصطفى، وتعمل وتجتهد في إطارهما، وتحت سقفهما، لتخرج منهما بالرّدّ الواضح الصريح الصادق القويم القاطع التالي:

إن الله عندما أنزل في كتابه العزيز، دستوره ونظامه ومنهاجه الأمثل لحياة الإنسان المؤمن المهتدي المطيع لله ولرسوله، والعامل بأوامر الرسالة ونواهيها وأحكامها ليفوز بسعادة حياته الدنيا في عالم الشهادة، ويتخذها طريقًا إلى الفوز بنعيم حياته الأخرى الخالدة في عالم الغيب؛ وعندما كلّف نبيّه المختار بتبليغ كل ذلك وتعليمه الناس بكل صدق وإخلاص وتضحية وجهاد واجتهاد، مختطًا لهم قدوة حسنة، وسنّة سنيّة وهو الذي كرمت أخلاقه وعظمت بشهادة ربّ العالمين: ﴿وإنّك لَعَلى خُلْقٍ عَظيم﴾ (القلم:4)، إنّ الله تعالى كان قد علم ويعلم كل ما يأتي ويحدث من زمن أو مكان أو حياة أو تطوّر أو أي شيء آخر، قبل أن يخلق ما ومن خلق؛ لذلك فإنه قد أحكم ما أنزله وأكمله وجعله صالحًا لكل زمان ومكان يعيش فيهما الإنسان.

في هذا الرّد، معطوفًا على الردود السابقة، وإن  تفهّمها المتسائل، فإنه لم يجد ما يهدّئ به قلقه، ولا منفذًا إلى ما يراه ويريده؛ بل أشعرته بالمرارة، وبأنه محاصر في إعمال عقله. فلاذ بالصمت دون أن يشعر باليأس والإحباط أو الهزيمة، عاقدًا  العزم على انتهاز كل ما يتاح له لأجل فكّ الحصار، واستثمار العقل، أعظم رأسمال لدى الإنسان ولخيره…

وهكذا تستمر الحياة البشريّة في تغير ظروفها وأحوالها، وفي تباينها في الزمان والمكان، وفي مستجداتها وتعقيداتها، وبالمقابل يستمر الدين متمسكًا في تعامله معها بجمود أحكامه في كل زمان ومكان، وبالتالي تستمر العلاقة بينهما مأزومة تنطوي على تناقض يغذّي قلق العقل الحرّ.

3-2- من حيث المفارقة في “الصلاحية”: 3-2- أ- الصلاحية في عهد النبوّة تختزل ما لا يختزل: إن ظهور الإسلام على يدي النبيّ محمّد كان نقطة تحوّل تاريخيّ لعظم أثره في بيئته والعالم كلّه؛ لقد صلح في تشريعه وأحكامه وأوامره ونواهيه في القرآن، واستتباعًا، في السّنة لتكوين الأمّة الإسلاميّة، وقيام دولتها وحكمها بقيادة الرسول الرشيدة الرائدة. ولقد ذكرنا في هذا الفصل ما اعتبرناه كافيًا لتكوين صورة عمّا اعتبر إسلاميًّا نظامًا شاملاً ومنهجًا واضحًا يكفي الناس، ويفي بمتطلبات حياتهم في الدنيا والآخرة. أمّا الآن فنحن بصدد فهم تعميم الدين من خلال المقولة “الإسلام صالح لكل زمان ومكان”.

وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ صلاحيّة الإسلام في عهد النبوّة تختزل وتختصر كل ما يعقبه من العهود في أزمنتها وأمكنتها وحياة ناسها في ظروفها وأحوالها ومستجداتها وتعقيداتها، وكأن متغيّرات العهد النبوي قد تقمصت متغيّرات العهود المتعاقبة بعده فجعلتها على شاكلتها، فلا حدث متغيّر ولا  استجدّ جديد، أو كأن تقاطع العهود المتعاقبة وأزمنتها وأمكنتها وأنشطة ناسها والظروف والأحوال، لم يترتّب عليه سوى استنساخ متغيّرات عهد النبوّة، فلا تغيّر ولا تحوّل ولا استجداد. ولكن واقع الحال يختلف عن هذا  الاستنساخ وذاك التقمّص. كيف ذلك؟ لننظر في الوقائع التالية:

3-2-أ-(1) –التفاعل مصدر تغيّر: إن نشاط الإنسان فردًا وجماعة، الذي يشغل حيّزًا ما، أو يتمّ فيه، في زمن معيّن وظروف وأحوال معيّنة، يتفاعل في هذه البنية، ويترتّب على تفاعله هذا مصدر للتغيّرات والمتغيّرات التي لا تكرر نفسها أو لا تتكرّر كما هي إلاّ إذا حدثت من خلال البنية عينها أو في الشروط نفسها. وهذا يعني أن مثل هذا النشاط البشري المتفاعل يشكّل مصدرًا دائمًا للتغيّر طالما كان هناك نشاط بشري أو بشر ينشطون في مكان معيّن وزمان معيّن وظروف معيّنة.

3-2-أ-(2) –الإسلام أحدث متغيّرات في عهد النبوّة: إن الإسلام، قرآنًا وسنّة، في جبّه ما قبله وكمتغيّر محور رئيس أحدث متغيّرات في عهد النبوّة من قبيل التوحيد والإيمان والهدى والرابطة الدينيّة، على أنقاض متغيّرات ماضية من قبيل الشرك والكفر والضلال والرابطة القبلية في عهد ما قبل النبوّة. إن هذه الحقيقة تندرج في سياق سابقتها وفي القانون الذي يحكمها (قانون التغيّر)، كما أنها تعبّر عن  ماضٍ لا يتكرر في ظروف حاضر مختلفة ومتغيّرة  بهذا القدار أو ذاك.

3-2-أ-(3) –تغيّر الإسلام وحال أهله بعد عهد النبوّة: لعلّنا نكتفي بتتبّع الإسلام كمتغيّر محور رئيس، وحال أهله كمتغيّر هام ورئيس أيضًا، بعد عهد النبوّة من خلال وقائع أو أحداث تاريخيّة لا يحول التباين في فهمها وتعليلها وتأريخها دون ما نقصد إليه من إثباتها وقراءتها في إطار هذا العنوان تبيانًا لمضمونه:

أوّلاً: وفاة الرسول تحدث في الإسلام وأهله تغيّرًا: كان لوفاة الرسول من التداعيات والآثار ما أصاب الإسلام وأهله الذين لم يصدّق بعضهم أنه مات، بالإضافة إلى ما اختلفوا فيه بشأن من يحكم… أما الإسلام نفسه فلم يعد المحور الرئيس نفسه الذي كان في عهد النبوّة: لقد افتقد القائم بقيادته وبالدعوة إليه، المكلّف بذلك من الله ربّ العالمين؛ وافتقد رعايته الإلهيّة من طريق حامل الوحي الأمين جبريل؛ فالإسلام وعلى رأسه النبيّ محمّد غيره وعلى رأسه كائنًا من كان.

أضف إلى ذلك، أن الصراع حول السّلطة بدأ بين أهل الإسلام سواء أكان هذا باسم الإسلام أم حرصًا عليه أم طمعًا في السلطة؛ لم يكن الخلاف تحت سقيفة بني ساعدة ناشئًا بين الأنصار والمهاجرين عمّن هو مسلم أكثر أو أعرف بالإسلام أو أقدر على تفسير القرآن أو أفهم في أحكامه أو أقرب إلى الرسول أو أخلص له أو أكثر تبصّرًا بسنّته، أو عما كان في هذا الإطار؛ بل كان حادثًا عمّن يجب أن تؤول إليه السلطة والحكم والقيادة؛ ولعله غني عن البيان أن هذا الصراع –الخلاف قد تمذهب لاحقًا وأخذ بعدًا أقل ما يقال فيه أنه متغيّر كبير قد دخل الإسلام وأهله.

ثانيًا: في حرب الرّدّة انقسم المسلمون والإسلام لم يرأب الصدع: في هذه الحرب، انقسم المسلمون بين مرتّد عن دفع الزكاة أو عن الإسلام، أو متّبع لمدّعي نبوّة، وبين ثابت على إسلامه وإيمانه؛ وفيها لم يكن الإسلام، قرآنًا وسنّة، مرجعًا كافيًا لإصلاح ذات البين أو لرأب الصدع؛ فالإسلام والمسلمون كمتغيرين قد تغيّرا عمّا كانا في عهد النبوّة تغيّرًا واضحًا لا شكّ فيه.

ثالثًا: مصرع الخليفة الثالث والفتنة أكبر وأخطر المتغيّرات: لقد اختلف أهل الإسلام وانقسموا من دون ارتداد بشأن كيفية إدارة الخليفة عثمان بن عفان شؤون الأمّة؛ واستفحل الخلاف بينهم وصار إلى حال حالت دون تمكّن الإسلام من معالجة الأسباب التي  أدّت إلى قتله، فضلاً عن العجز عن معالجة النتائج المترتّبة على هذا القتل؛ إنّه متغيّر خطير أصاب الإسلام وأهله، إنّه  الفتنة الكبرى التي زرعت ونبتت ونمت وأينعت وأثمرت الثمر الـمرّ في حضن الإسلام وكنف أهله، والتي لا تزال تباعد بينهم، وتقسم وتنوّع في هوية الإسلام.

رابعًا: موقعة الجمل وحرب صفين أُلْبِستَا قميص عثمان، والنفوس عبّأها هوى السلطة: لقد بلغ الصراع الداخلي بين أهل الإسلام مستوى الاقتتال العلني المكشوف وعلى مسمعهم ومرآهم جميعًا وعلى مرارة انقسام الصحابة واعتزال بعضهم في موقعة الجمل وحرب صفين… والشيء المؤكّد هو أنّه لم يكن الاقتتال جهادًا لأجل الحكم بما أنزله الله أو لأجل العمل بسنّة نبيّه باستثناء الحائز على شرعيّة الحكم الإمام عليّ؛ الجميع يؤمنون بالإسلام، قرآنًا وسنّة، ولكن إيمانهم هذا لم يحل دون اقتتالهم؛ وهذا وحده متغيّر أخطر من سابقه وإن دار في فلكه بشكل أو بآخر.

ففي موقعة الجمل، كان على رأس الاقتتال أربع شخصيات: الإمام علي (الخليفة الرابع الشرعي) من جهة، ومن الجهة الأخرى، أم المؤمنين عائشة والصحابيان طلحة والزبير. وكان عليّ وطلحة والزبير من العشرة المبشرين بالجنّة. ومع هذا المستوى الرفيع للشخصيات الأربع، لم تتح مكانتهم الرفيعة والجليلة على الرغم من تمايز المواقع، الفرصة لصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، ليصلح لزمانهم ومكانهم فيحكم في ما كانوا يختلفون فيه، ويحول دون سقوط الآلاف والآلاف من المؤمنين بالقرآن والسّنّة على مذبح الصراع على السّلطة. وهكذا يأخذ السّيف محل القرآن والسّنّة كمرجعيّة لحل الخلافات.

أما في حرب صفين، فكان الاقتتال أخطر لاستقطابه معظم أهل الإسلام في فريقين: أحدهما يلتف حول الخليفة عليّ صاحب الشّرعيّة، والآخر حول معاوية المتمرّد على الشرعية بذريعة المطالبة بالاقتصاص من قتله الخليفة الثالث… وكان التحكيم ولم تنته الأزمة، بل تعقّدت الأمور. وخرج الخوارج من جيش الخليفة محتجين على التحكيم. وكفّروا كلًّا من معاوية وعمرو بن العاص والإمام الذي اغتاله أحد رجالهم..

ومع الخوارج، أصبح الإسلام كما يرونه هم. وصار الأمر معهم إلى رفض الرأي الآخر الداخلي في الإسلام أو إلى عدم الاعتراف به؛ وهذا متغيّر خطير في الثقافة الإسلامية وإن كان محدودًا، فإنه من السهولة بمكان أن يمتد إلى ساحة الرأي الآخر خارج الإسلام؛ إنّه ينسف مبدأ الشورى كلّه. وفي الوقت نفسه أصبح للقرآن والسّنّة قراءات مختلفة وحتى متناقضة؛ وهذا أيضًا متغيّر ينافس سابقه خطورة، وأخذ مداه في تفصيل الإسلام، قرآنًا وسنّة، على مقاسات الفرق الراهنة واللاحقة.. فأين حال الإسلام وأهله هذه من حالهما أيام عهد النبوّة؟!

خامسًا: الخلافة إرث يورّث مع العهد الأمويّ: عندما آل أمر الخلافة إلى معاوية بعد تنازل الحسن عنها له، تحوّلت الخلافة إلى إرث أموي؛ واستتبع الإسلام تحت عنوان “إرادة الله في قضائه وقدره” وبرزت الجبريّة لشرعنة حكم بني أمية، وحكم بني العباس من بعدهم. وبتحويل الخلافة من “الشورى” إلى “الوراثة”، يمكننا ملاحظة أكثر من متغيّر: متغيّر أول، نسف نظرية الشورى في اختيار الخليفة أو الحاكم، ليحلّ محلّها الرأي المستبدّ القائم على القوة؛ هذا المتغيّر هو متغيّران في واقع الحال لأنه ألغى متغيّرًا كان قائمًا منذ عهد النبوّة (الشورى)، وأحدث متغيّرًا بديلاً منه (القوة). ومتغيّر ثانٍ أو ثالث هو أن السياسة مع العهد الأموي قد أتمت استتباع الدين ليصبح التشريع تبريرًا متعسّفًا لها:

لقد جعلت الجبريّة مساءلة الحاكم ومحاسبته في ظلمه وطغيانه واستبداده، أمرًا منوطًا بالله ربّ العالمين يبت فيه يوم الحساب، يوم القيامة، الأمر الذي يشرعن الجور ويريح الحكم والحاكم ويحتضن الفساد والإفساد. أما طاعة ولي الأمر فقد أصبحت رضوخًا وتبعيّة لأن المتغيرات المحدثة قد سلبتها عنصري الرضا والخيار؛ وهذا أيضًا متغيّر….الخ. والسؤال الآن هو: أين كل هذا من إسلام عهد النبوّة وأهله؟!

هذا على صعيد الإسلام وحال أهله كمتغيّرين رئيسين في عهد  النبوّة، وما صار إليه بعده حتى بداية العهد الأموي. لعلّنا لاحظنا الكم الكبير من المتغيرات التي حدثت أو أحدثت عقب العهد  النبوّي. وهل معالم ومناحي حياة الناس الأخرى استمرت في العهود المتعاقبة كما كانت عليه في عهد النبوّة؟! ألم تخضع لقانون التغيّر الذي يحكم تفاعل الإنسان مع الحيّز الذي هو فيه في وقت معين وظروف معيّنة؟! إذًا، نحن لم نبالغ في القول إن مقولة “الإسلام صالح لكل زمان ومكان” تفضي إلى  اختزال ما لا يختزل، بل إنه واقع الحال ليس إلاّ.

تفضي إلى  اختزال ما لا يختزل، بل إنه واقع الحال ليس إلاّ.

3-2-ب- الصلاحيّة تتعاقب نسبيّة ومطلقة! إن المتتبّع لحركة صلاحيّة الدين لكل زمان ومكان، لا بدّ له من أن يكشف فيها عن مفارقة عصيّة على الفهم إن لم تكن مستحيلة: تبدو والديّن قيد التطبيق في زمكان معيّن نسبيّة تاريخيّة، وعندما تتعالى عليه تصبح مفارقة مطلقة:

3-2-ب- (1) صلاحيّة الدين نسبيّة تاريخية وهو قيد التطبيق: إن الدين الصالح زمكان النبوّة محدود به، وقد بدأ بـ ﴿إقرأْ﴾ سنة 610 م وانتهى أو  اكتمل بانقطاع الوحي بوفاة الرسول في سنة 632 م؛ إنّه مورس وطُبّق في الفترة ذاتها في أوامره ونواهيه وأحكامه وفرائضه وحلاله وحرامه والتشريع، على يد النّبيّ  المختار الذي كان القدوة الحسنة في الحكم بما أنزله الله إليه؛ إنه عمل على قيامة وحدة جمعت حولها العرب ومن آمن به من غيرهم، على التعاطف والتسالم والتصالح والتكاتف والتكافل والتعاون على البرّ والتقوى بديلاً مما كان بينهم من التنافر والتقاتل والتحارب والتنازع، وقد دفعهم إلى ذلك الأخوة الإسلاميّة بعد إيمانهم بالإسلام، والطاعة لله ولرسوله، ورأوا فيه عزّتهم وصلاح أمرهم، والحكم الرشيد في مكة والمدينة بوجه خاصّ، وفي شبه الجزيرة العربية بوجه عامّ… فصلاحية الدين هذه محدودة لزمكان النبوّة، ولظروف الأمّة التي نشأت في كنف الإسلام، وأخذت بالنماء والتقوى واتساع النفوذ والمكانة به وبفضله؛ كما أنه أخذ هو أيضًا بالانتشار السريع والانسياب السهل إلى قلوب الناس وعقولهم بفضل أمّته وولائها للقيادة الرشيدة الرائدة التي انتهجها الرسول في الحكم والدعوة… فهي إذًا نسبيّة لأنها محدودة زمكانيًا، ومرتبطة بقوم لهم بيئتهم الحاضنة وظروفها ومعطياتها وأحوالها، وهي للسبب نفسه  تاريخيّة حكمت حياتهم في متطلباتها واحتياجاتها وتلويناتها وإيجابياتها وسلبياتها، جاعلة إياهم على سكة الفوز في الدنيا والآخرة.

3-2-ب-(2) صلاحيّة الدين مفارقة مطلقة وهو متعالٍ على زمكانه: إن الدين، وفقًا للمقولة، يصلح للأزمنة كلها والأمكنة كلها، وللحياة البشريّة كلها والعهود التي عقبت عهد النبي وتتعاقب عليه إلى ما شاء الله. فالدين، إذًا، هو هو في عهد النبوّة وفي العهود المتعاقبة هذه. وهذا يعني أن في هذه الصلاحيّة ولها من المزايا والمميزات المفارقة، ما يمكّنها من التعالي على زمكانها وظروفها في عهد النبوّة، والخروج من نسبيتها وتاريخيتها. وهذا لا يصح إلاّ في ما يتعالى على الزمكان وظروف الحياة البشرية وأحوالها. إذًا فهي مفارقة ومطلقة ونحن نعرف في ما نعقل أن المطلق لا يحدّه حد، ولا يقيّده قيد، ولا يحتويه حاوٍ، ولا يخضع لقياس أو ميزان أو محك أو معيار… وعلى هذا النحو، تفارق صلاحيّة الدين عهد النبوّة خارجة من نسبيتها وتاريخيتها، لتعانق زمكان العهد الراشدي في ظروفه وأحواله، عائدة إلى النسبية والتاريخية الخاصتين بالعهد الجديد. وليس من فرق يعتدّ به إذا ما حكمت هذه الصلاحيّة هذا العهد التاريخي أو حُكمت له أو تشاركًا وتفاعلاً في الحكم، لأن المشكلة بل المفارقة هي: كيف لهذا العهد الجديد النسبيّ التاريخيّ أن يحتوي المطلق المعانق لزمكانه وظروفه؟! كيف يمكن للعقل البشري أن يعقل تدجّن وتقزّم المطلق في هذا النسبي التاريخي؟!… ثم يتعالى الدين من جديد في صلاحيّته لكل زمان ومكان، ليفارق العهد الراشدي مطلّقًا نسبيتها وتاريخيتها ليتنازل من جديد أيضًا ويهبط ويعانق العهد الذي يتلو العهد الراشدي ليتلّبس في صلاحيته النسبية والتاريخية… وهكذا دواليك، إلى أن يحدث الله أمرًا كان مقدورًا!

وهكذا يفضي بنا تتبّع حركة صلاحية الدين لكل زمان ومكان إلى أنها تنطوي على مفارقة تكون فيها نسبيّة تاريخيّة تارة، وتارة أخرى تكون متعالية مطلقة؛ يتعاقب فيها النسبي والمطلق وهما صفتان لموصوف واحد!

وننهي هذا الفصل بتساؤل حول ما وصلنا إليه في ما تثيره مقولة “الدين صالح زمان ومكان”، بالمعنى المطلق المروّج له بالفهم البشري الملتبس، هو: من المسؤول عن التناقض والعلاقة المأزومة بين التغيّر وجمود الأحكام؟ من المسؤول عن المفارقة التي تنطوي عليها هذه المقولة نفسها حيث تتعاقب فيها صلاحيّة الدين نسبية تاريخية وهي تعانق الواقع، ومتعالية مطلقة وهي تفارقه إلى واقع يعقبه، وتعانقه ليجعلها نسبيّة تاريخية من جديد وهكذا ودواليك؟ أهو الآخر الذي يريد بالإسلام وأهله الشّرّ والاستغراق في الظلمات، أم هو فهمنا البشري الملتبس الذي يستتبع الدين حيث يحمّله ما ليس فيه، ويستلب بالتالي الأتباع في عقلهم وحريّتهم وفاعليتهم والتقدّم؟

الحواشي

  • باعتبار الزمن الحاضر غير موجود فيزيائيًا.
  • زمكان: تعني الزمان والمكان.
  • السيرة النبويّة لابن هشام – الجزء الرابع – ص 251.
  • محمد رسول الله لمحمد رضا- ص 87.
  • السيرة النبويّة لابن هشام – الجزء الأول – ص 344 و345.
  • المرجع نفسه – من ص 346 إلى ص 353.
  • مختصر سيرة الرسول لمحمد بن عبد الوهاب – ص 95 و 96.
  • محمد رسول الله لمحمد رضا – ص 131.
  • نور اليقين في سيرة سيّد المرسلين – لمحمد الخضري – ص 70 و71.
  • مختصر سيرة الرسول لمحمد بن عبد الوهاب – ص100.
  • محمد رسول الله لمحمد رضا – ص 135. (والكاعة جمع كائع وهو الجبان)
  • مختصر سيرة الرسول لمحمد بن عبد الوهاب، ص 135.
  • محمد رسول الله لمحمد رضا – ص 137 و138.
  • السيرة النبويّة لابن هشام – الجزء الثاني – ص 76.
  • مختصر سيرة الرسول لمحمد بن عبد الوهاب – ص 137.
  • نور اليقين في سيرة سيّد المرسلين لمحمد الخضري – ص 86.
  • السيرة النبويّة لابن هشام – الجزء الثاني – ص 84.
  • محمد رسول الله لمحمد رضا – ص 150.
  • مختصر سيرة الرسول لمحمد بن عبد الوهاب – ص
  • المصدر نفسه، ص 138.
  • محمد رسول الله لمحمد رضا – ص 150.
  • نور اليقين في سيرة سيد المرسلين محمد الخضري – ص 88.
  • السيرة النبوية لابن هشام – الجزء الثاني – ص 150.
  • العقل السياسي العربي للدكتور محمد عابد الجابري – ص 93 و93.
  • نص “الكتاب” في السيرة النبويّة لابن هشام – الجزء الثاني – من ص 147 إلى ص 150.
  • صفوة التفاسير للصابوني – الجزء الأول – ص 414.
  • صفوة التفاسير للصابوني – الجزء الثالث – ص302.
  • صفوة التفاسير للصابوني – الجزء الأول – ص
  • لسان العرب لابن منظور.
  • أنظرها في (2-3-د) من الفصل السابق.
  • محمد رسول الله لمحمد رضا – ص 182.
  • للمزيد من المعلومات والتفاصيل في الغزوات والغنائم: العقل السياسي العربي للجابري – من ص 111 إلى ص 128؛ وللمزيد أيضًا: السيرة النبوية لابن هشام – الجزء الثالث – حتى فتح خيبر وفدك ضمنًا.
  • محمد رسول الله لمحمد رضا – ص 260.
  • العقل السياسي العربي للجابري – ص 115 و116.
  • السيرة النبوية لابن هشام – الجزء الثالث – ض 332: وللمزيد يرجع إلى الصفحات من 321 إلى 337.
  • تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون – ص 205؛ وللمزيد من المعلومات والتفاصيل، يرجع إلى السيرة النبوية لابن هشام –  الجزء الرابع – من ص 31 إلى ص 70)
  • المصدر نفسه – ص 222.
  • للمزيد من المعلومات والتفاصيل، السيرة النبوية لابن هشام –  الجزء الرابع – من ص 159 إلى ص 
  • رواه الحاكم. وفي مضمونه روايات أهمّها: “عترتي، أهل بيتي” بدلًا من “سنّة نبيّه”.
  • استعمال “الأمّة” لا يعني أن “القبليّة” قد غابت عن ساحة الفعل.
  • العقل السياسي العربي للجابري – من ص 171 إلى ص 173.
  • المرجع نفسه – ص 176 و177.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى