مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”6″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود 

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” اليوم، نشر محتويات فصول المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

الفصل الثاني: الحكم والسياسة، والاقتصاد والمال في الإسلام

إن الإسلام يقدّم نفسه أو بالأحرى، يقدّمه القيّمون عليه على أنه دين ودنيا. يقدّم نظامًا عامًا شاملاً كل ما تحتاج إليه حياة البشر من تنظيم وحكم وسياسة وقضاء ومعالجة وتدبير وتصريف في سائر الأمور والشؤون، بالإضافة إلى منهج واضح يهدي إلى سواء السبيل من أجل الحياة الفضلى للإنسان في الدنيا والآخرة. فإلى أي مدى ينطبق هذا على واقع الحال؟ لقد اخترنا، لمعرفة ذلك، ميادين تمس الناس في حياتهم وتعبّر عن اهتماماتهم وحاجاتهم، عنينا بذلك (الحكم والسياسة) وما يدور في فلكهما من القضاء والعدل والمساواة والشورى والحريّة والطاعة، بالإضافة إلى (الاقتصاد والمال) وما يتصل بهما من العمل، وسبل الإنفاق، ومعالجة المشكلات الاجتماعية، والتجارة والرّبا والملكيّة. وإنّنا نلفت النّظر إلى أننا لا نتناول هذه الميادين في إطار ما يسمّى بالنظريات الحاكمة لها، لعلمنا، ومن وجهة نظر نتّفق فيها مع الكثيرين ممن تخصّص أو اختصّ بهذا الميدان أو ذاك في إطار العلوم الوضعيّة، أنه ليس في القرآن نصّ يمكن وصفه بأنه كافٍ ليكون نظرية علمية سوى الدين الذي على أهميته وقيمته ومكانته وبالغ أثره في حياة البشر، لا يصنّف بين العلوم ذات المواضيع المحدّدة القائمة في عالم الشهادة، والقابلة للملاحظة والتحليل والضبط والتجريب، والخاضعة لإعادة النظر والتصحيح والتصويب والتقدّم والتطوّر، بل هو علم من نوع آخر، موضوعه الأساس عالم الغيب الذي تقصّر بل تعجز كل العلوم الوضعيّة عن ارتياده، لأنه يفارق مواضيع سائر العلوم المشار إليها.

فليس في الإسلام كدين نظرية علميّة مثلاً في الرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء أو في غيرها من العلوم الوضعية؛ ومع ذلك، فإن الإسلام كدين ودنيا قد قدّم وشمل الكثير مما قدّمته الأديان السّماوية الأخرى السابقة، واعتبر، من وجهة نظر من آمن به، أنه كمّلها واكتملت به، فكان الأكمل والأتمّ والأشمل بينها، وقدّم نفسه نظامًا ومنهاجًا وشرعًا كافيًا وافيًا لحياة الإنسان المثلى في الدنيا والآخرة. وفي كل حال، فإننا نرى فيه الكثير من الإشارات والإيحاءات والعلامات والمفردات والآيات التي تدلّ وتشير إلى ما ذكرنا من ميادين، وتوحي به بحيث يمكن مع حسن التدبّر وإعمال العقل، وبعد النظر والاجتهاد والتأويل أن يبلغ بها المنكبّون عليها والمشتغلون فيها، منظورات يمكن أن تعالج مصالح الناس، وتقف على صلاح أمرهم. إن الهامّ أن نحسن تلقّف الإيماءات القرآنية، ونيسّر لها السبل لنرى ترجمتها في صيغ أو (نصوص علميّة وعقلية) يمكن تعميمها والعمل بها. وإذا صفتا (علمية وعقلية) تثيران بعض النفور عند  البعض لأسباب يراها، فنقترح بديلا ًمنهما صفة (قانونيّة). والآن إلى المختار من الميادين:

في الحكم والسيّاسة:

في البداية، لا بدّ لنا من أن نشير إلى أن الميدان الذي سيكون عليه الكلام يتركز على “الحكم”؛ أما “السياسة”، فلم يرد لها ذكر في القرآن، والأمر نفسه بالنسبة إلى “الدّولة”؛ ولو جعلنا هذه المفاهيم “الدولة والسياسة والحكم” تتكامل في نظام سياسي واحد باعتبار العلاقة الوثيقة بينها، ثم نسبناه إلى الإسلام، لبقي هذا  النظام وجهًا من وجوه النظام الإسلامي العام الشامل الواحد، أو جزءًا منه، ليس إلاّ. ولكن كلامنا، كما أشرنا، سيكون على الحكم. فماذا عنه؟ – لقد جاء في لسان العرب، لابن منظور أن معنى الحكم  هو “العلم والفقه والقضاء بالعدل”. ولعلّ هذا المعنى هو أكثر ما ينطبق على معناه الوارد في الكثير من الآيات في القرآن.

إنّ الحاكميّة التي هي لله في كل شيء، تستدعي منّا أن نصدّرها ونقدّمها على غيرها مما يطالعنا به القرآن بشأن الحكم. فالحكم لله في الدين والعبادة، إذ حصره فيه من دون سواه، كما أمر أيضًا أن تحصر العبادة فيه، مصداقًا لما جاء في الآية: ﴿– إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ-﴾(يوسف: 40)، وها هو النبي يعقوب يحذّر أبناءه من شرّ قد يصيبهم إنه هم دخلوا مصر من باب واحد، ثم يخبرهم بأن تحذيرهم لا يغني عن قضاء الله شيئًا، وأنّ الحذر لا يمنع القدر؛ فالحكم لله أولاً وأخيرًا، وليس للنّبي الأب سوى تفويض أمره له، والتوكّل عليه، كما ورد في الآية: ﴿ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ… وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ…﴾(يوسف: 67).

وفي يوم الحساب، سيجد العباد الخبر اليقين الصادق الحقيقي بشأن العذاب عند الله، وسيجدون أن الحكم ليس لسواه وهو خير الحاكمين، الذي لا يظلم عنده أحد، بحسب ما ذكر في الآية: ﴿- إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾(الأنعام: 57). وفي اليوم نفسه نفهم في الآية الآتية أن الحكم لله رب العالمين، وأنّ حساب العباد عندما يردّون بالبعث إلى الله، إلهم الحق، يتمّ بسرعة لا تشكو من بطء، وبدقّة لا عيب فيها: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (الأنعام: 62). “إن الله أراد لحكمه أن يأخذ طريقه إلى الناس عبر الرسل. وهو بما أنزله الله عليهم في كتبه إليهم. وهو هنا ما جاء به القرآن وما كان من سنّة نبيّه محمد استتباعًا. حكم به الرسول(1)وسيكون من يحكم من بعده. وهو الصالح لكل زمان ومكان، فما عسانا نجد فيه من مفاهيم ومبادئ تكون من أسسه وغاياته؟

1-1 في القضاء والعدل:لقد جاء في معنى “القضاء” أنه “الحكم” و”القطع والفصل” في الأمور و”الإحكام” لها (2)؛ أمّا الأمور المحكوم والمقطوع أو المفصول فيها على نحو محكم، والتي تهمنا هنا، فهي ذات الخصام والخلاف والنـزاع والظلم والاعتداء بين الناس الذين يعيشون في ظل نظام سياسي يكلّف القضاء بمعالجتها. أما “العدل” فورد في معناه أنه “ما قام في النفوس أنه مستقيم”، وأنه “الحكم بالحق”، وباعتباره من أسماء الله أنه “هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم”(3). والعدل عامّة أساس وغاية معلنان في كل حكم يخضع له الناس سواء أستقام تطبيقه فيه أم لم يستقم. ومن الأمثلة السائرة على ألسنة الناس، القول “العدل أساس الملك”.

ولعلّه من الوضوح بمكان أن العلاقة بين القضاء والعدل في الإسلام علاقة وثيقة لصيقة لازمة؛ ولعلّ الغالب في العدل هنا هو أنه صفة للقضاء يفضي إلى تبيان الحقوق وإحقاقها، وإبطال الباطل وإبعاده، وتوصيل الحقوق إلى أهلها، ودفع الظلم ورفعه عن المظلوم وإنصافه، وفضّ التنازع والتخاصم والتظالم والفصل فيها بالحق، وليس بأي شيء غيره. وليس في القضاء بالعدل، إذا استقام، مكان للهوى أو المحاباة أو التحيّز. فهو يرفع الظلم والجور، ويدفع الاعتداء، ويحق الحق، ويبطل الباطل، كما يحمي ويصون حقوق الناس ومصالحهم… ولقد جاء معنى “الحكم” بصيغة الفعل بمعنى (القضاء) في كثير من الآيات والحالات، يؤكّد أن يكون بالعدل أو القسط والحق الذي هو ضالة العدل لصاحبه. إنّ  الله يأمر الناس أن يردّوا ما في عهدتهم من أمانات إلى أصحابها تبرئة لذممهم حتى لا يكونوا من الجائرين المعتدين الظالمين، ولا على خصومة مع القضاء والعدل، كما يأمرهم بأن يحكموا بالقسط بينهم إذا نهضوا إلى القضاء أو قاموا به حيث تقول الآية:﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ –﴾ (النساء: 58).

وفي الآية التالية، يخاطب الله النبي قائلاً له: إن  أردت أن تقضي بين هؤلاء اليهود الذين لا يودّونك فاقضِ بينهم بالحق والإنصاف والقسط؛ إن الله يحب العادلين المنصفين المحقين، حيث جاء فيها: ﴿-وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (المائدة 42). ويأمر الله المؤمنين أن يسارعوا إلى إصلاح ذات البين بين جماعتين منهم إن اختلفتا واقتتلتا، انطلاقًا من الأخوّة الإسلاميّة، فإن نجحوا، كان الخير للجميع، وإلاّ فليقاتلوا التي ترفض الصلح باغية جائرة على الأخرى، حتى تثوب إلى رشدها وترجع إلى أمر الله، فإن فعلت، فليصلحوا بينهما بالعدل والإنصاف والحق، وليعدلوا، إن الله يحب العادلين الذين لا يجورون، بل يحبون أن يكون الحق لصاحبه. فلنتأمل في الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(الحجرات: 9).

وينبغي لنا أن نعلم أن القضاء والعدل في مضمونهما لا يكونان مطلوبين ولا مرغوبا فيهما لصلاح أمر المسلمين ومصلحتهم إلاّ إذا كانا طبقًا لشريعة الإسلام القائمة على ما أنزله الله في كتابه العزيز ولا شيء غير ذلك؛ فالله أنزل القرآن إلى النبي محمد بالعدل والحقيقة والصدق، مصدّقًا لما سبقه من الكتب السماوية بما اتفق وانسجم معه، ليقضي بين الناس بما أنزل الله من غير أن يتّبع نزواتهم وأغراضهم بحيث لا ينحرف عمّا جاءه من الحق والعدل، مصداقًا لما جاء في الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ-﴾ (المائدة: 48) . أما القضاء بغير ما أنزل الله، بغير القرآن، أو بغير الإسلام فهو كفر وظلم وفسق. ولقد جاء تباعًا في الآيات الثلاث التّالية: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾،﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَاأَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾،﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾(المائدة: 44-45 و47).

وفي السّنة، يحرص الرسول كل الحرص بحيث يأتي القضاء بين الناس بالعدل والحق بعيدًا عن الجور والباطل والجهل، مبشّرًا بالجنّة من عرف من القضاة الحق وحكم به، ومتوعدًا بالنار من عرف منهم الحق فظلم في القضاء، وكذلك من حكم للناس من غير معرفة، قائلاً: “القُضاةُ ثلاثةٌ: واحدٌ في الجنّة واثنان في النار. فأمّا الذي في الجنّة فرَجلٌ عرف الحقّ فقضى به، ورجل عرف الحقّ فجار في الحكمِ فهو في النّار، ورجل قضى للناس على جهلٍ فهو في النّار”(4).

  وأثر عن النبي أيضًا أنه حذّر القاضي من أن يقضي وهو غضبان حتى لا يجعله غضبه يتسرّع في الحكم فيخطئ فيظلم فيفسد العدل والقضاء. وفي حديث له أيضًا يؤكد فيه أن القضاء بالعدل يجب أن يسري على جميع الناس بصرف النظر عن معتقدهم محذّرًا من قضى فظلم ذا عهد من أهل الكتاب أو من غيرهم، أو أعطاه حقه منقوصًا، أو طلب منه ما لا طاقة له به، أو تمتع بشيء منه بغير رضاه، فهو مغالبه ومحاجّه نصرة للمظلوم يوم القيامة، حيث يقول: “مَن ظلم مُعاهِدًا أو انتقص حقًا أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة”؛ كما أنه حذّر من الجور والاعتداء والاستيلاء على حقوق الآخرين مؤكّدًا أن ذلك سيؤدي بمقترفه إلى الجحيم، والعذاب الأليم من رب العالمين يوم الحساب، الأمر الذي يجعل من في قلبه بعض الإيمان أن يستغفر الله ويلوذ بالحق والعدل اللذين هما مما يهدف إليهما التحذير، حيث يقول: “اتّقوا الظُلم فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة”(5).

  وهكذا يمكننا أن نرى من خلال الكلام على القضاء والعدل، أو القضاء بالعدل، وعلى مضمونهما في القرآن والسّنة من الحكم بالقسط والحق، ودفع الظلم ورفع الباطل، أن يكونا مصدرًا أو مرجعًا لحكم سياسي يتأسس عليهما ويسعى ويهدف إلى تحقيقهما في آن معًا.

1-2 في المساواة: إذا استقام الحكم في القضاء بالعدل بين الناس، وإذا العدل حكم بالحق يعطي كل ذي حقٍّ حقه، فمعنى ذلك أن هؤلاء الناس متساوون أمام سلطة الحاكم وبين يدي القاضي العادل، ما يعني أيضًا أن المساواة تقوم بين الناس بمقدار ما يستقيم الحكم عدلاً، مبتعدًا عن الهوى والجور، وما يتنزّه العدل بالحق ويتحصّن به لصاحبه دون تحيّز أو محاباة. فالمساواة على علاقة وثيقة جدًا بالعدل، واستتباعًا بالحكم؛ كما أنها لا تتحقق إلا بوجود وحكم يصدق في إقامة العدل بين الناس، بوجود عدل يحق الحق ويعطيه صاحبه. وفي هذا الإطار، فإن المساواة، وبنحو ما تتحقق، تعطي العدل والحكم كليهما شهادة في مدى سلامتها وصلاحهما، لأنه إذا عبث الهوى والجور في الحكم وفي قضائه، تشوّه العدل وطغى وظلم، وذهبت المساواة في ظلمات الاستبداد والقمع والباطل.

ثم إن المساواة بين الناس تعني أنهم يتمتعون بحقوق واحدة، ويقومون بواجبات واحدة، وأنهم أسواء بالتعامل، وبين يدي القانون دون أي تمييز أو تفرقة أو امتياز بالنظر إلى العرق أو الدين أو النوع، أو اللغة أو اللون أو الثقافة، علمًا بأن البشر يتساوون فعلاً في انتسابهم إلى جنس واحد، وفي الجدارة أو الكرامة  الإنسانية نتيجة الشعور بهذا الانتساب أو الانتماء؛ وفي ما عدا ذلك، فإنّهم يختلفون. فإلى أي مدى، نجد في الإسلام ما يحضن مثل هذه المساواة بين الناس؟

في القرآن، يخاطب الله الناس، ويأمرهم بأن يخافوا إلههم الواحد  الأحد الذي أوجدهم من نفس واحدة أو أصل واحد هو نفس آدم، أبي البشرية جمعاء، وخلق من هذه النفس زوجها أي حواء، أمّ البشرية جمعاء، وجعل من الأب والأم هذين الكثير من الخلائق ذكورًا وإناثًا؛ فالخطاب يشمل البشر جميعًا، وأنهم يرجعون في نشوئهم إلى أبوين اثنين هما آدم وحواء ولا أحد غيرهما، وأنهم سواسية في هذا. فلننظر في الآية الآتية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء: 1). ثم يخاطب الناس ثانية ويخبرهم، وهو أصدق المخبرين، بأنه أنشأهم من آدم وحواء، وجعلهم ينتشرون ويفترقون في شعوب وقبائل وجماعات ليتبادلوا المعرفة في ما بينهم ويعملوا بنسبهم أو انتمائهم الواحد، فهم أسواء في هذا.

أما الأكرم عنده فهو الأكثر خشية وورعًا وتقى، وليس الأكثر جاهًا وثراء، أو من كان عربيًا، أو غير عربيّ، وما إلى ذلك. ولنتفكر في الآية الكريمة التالية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13). فالبشر متساوون في الطبيعة وفي الانتماء إلى النسب الواحد. ولكن هذا لا يعني أنهم أسواء في كل شيء، بل هم مختلفون في الكثير من الأشياء: في النوع واللون واللغة والمعتقد والمهارات والمقدرات(…) ودرجة العلم وخلافه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ-﴾(الزمر: 9)؛ ولكن أيضًا ينبغي ألاّ ينسحب هذا الاختلاف إلى اختلاف في معاملتهم أمام القانون وبين يدي القضاء.

  أمّا في السّنة، فإننا واقعون على الكثير من الشواهد على المساواة في إطار ما ذهب إليه القرآن. ففي حديث للرسول يكاد يكون مطابقًا تمامًا للآية الأولى من سورة  النساء المستشهد بها بشأن المساواة لولا أنه جاء بالشكل أكثر تفصيلاً. فهو يخاطب الناس أيضًا ويؤكد لهم أن إلههم واحد وأن أباهم آدم واحد، وأنه ليس من فضل لكون الإنسان عربيًا أو أعجميًا أو أبيض أو أسود، بل الفضل محصور في التقوى، الخوف من الله، والعمل بأوامره ونواهيه، وأن الإنسان يكرم عند الله بقدر ما يكون تقيًا: “يا أيّها الناس إن ربّكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيّ على أعجمي، ولا لأعجميّ على عربيّ، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلاّ بالتقوى، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم”. وهذا حديث آخر يفهم منه أن الناس أسواء أو متساوون في نسبهم إلى آدم ومن نفسه إلى حواء أيضًا، وآدم من تراب: “كلّكم لآدم وآدم من تراب”. وإنّه من نافل القول إن النبي المصطفى كان الأصدق والأعدل في اعتبار الرّاشدين العاقلين القادرين سواسية في التكليف وبين يدي الحكم والقضاء، مصداقًا لما شاع ونسب إليه: “الناس سواسية كأسنان المشط”.

  وهكذا، فإن المرجعية الإسلامية للمساواة تؤهلها لتكون من أسس الحكم العادل، كما تكون جديرة بأن يعمل على تحقيقها لأهميّتها المزدوجة في تيسير أمر العدالة الاجتماعية وفي الكثير من إقصاء أوجه الجور والظلم… ولكن يجب أن نشير إلى أن المساواة في الإسلام تختلف مع المساواة في لائحة “حقوق الإنسان”، لما هي عليه في  أحكام الأحوال الشخصية لجهة الإرث والزواج، للرجل مثل حظّ  الأنثيين، وله أن يتزوّج من كتابيّة، وليس للمرأة المسلمة أن تتزوّج من كتابيّ، وليس لأي منهما الزواج من طرف ملحد.

========================

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى