مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”40″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

3-1-د- الإسلام يجذّر ثقافة القدر:(3) لقد رأى منظّرو المذاهب والفرق الإسلامية، وإن اختلفوا بهذا القدر أو ذاك، أن الإسلام وأهل الإيمان به تظللهم بل تحكمهم ثقافة القدر في السائد والشائع بينهم، بمعنى أن لا شيء في الوجود يخرج عن إرادة الله؛ بل كل شيء فيه، بمن فيه الإنسان، هو بقضائه وقدره، وبعلمه وإرادته، وبخلقه إياه حيث يقول القادر المقتدر في بعض الآيات في كتابه المبين:

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾(القمر:49) و﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾(الزمر:62)، و﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾(الصافات:96)، و﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير:29)، وحيث يقول نبيّه المصطفى في ردّه على سؤاله عن الإيمان: “الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه”..

لعلّ هذه الخطوط العامّة الأربعة تكفي لتكوين صورة واضحة عن موقع الإسلام، وأهله في ما طرحناه من تساؤل. بيد أن نظرة أولئك المنظرين له، بل لمذاهبهم فيه، تكاد لا تتفق في شيء مع ما يعيشه وأهله، وما يعانيان منه في واقع حالهم المرير المستمرّ بشكل أو بآخر في الزمن منذ  استتباع السياسة المستبدة الدين، وقمعها إعمال العقل الناقد الحر، وقد فاقم الأمور سوءًا وشرًّا “فهمهم البشري المختلف المتألّه للإسلام”، الأمر الذي صادر هويته في ما ذهبوا إليه في هويات مذاهبهم فيه، والذي شرذم أهله وشتت شملهم وذهب بريحهم…

وهكذا يمكننا أن نرى بوضوح أن الإسلام، النظام الأمثل والمنهاج الأكفأ، لم يحل دون الواقع المتردي المشار إليه. أما الآن، فكيف يبدو الإسلام من وجهة نظر مغايرة؟

3-2- الإسلام من منظور عقلاني علمي موضوعيّ: ان هذا العنوان يتيح لنا الوقوف على الإسلام في سياق ما طرحه التساؤل من وجهة نظر مغايرة، إلى حد ما، للمنظور الديني السائد والشائع حتى لا يبقى مأخوذًا بوجهة نظر أحادية تخفي حقائق تراها وجهات نظر أخرى تخفّف من تعسّف واستبداد النظر إلى الأمور بعين واحدة. ففي هذا المنحى، نكتفي بإيجاز نقاط  هامّة من الإسلام بقليل من الكلام الموجز من قبيل ظهوره وأهميته كحدث وقوامه وفهمه:

3-2-أ- ظهور الإسلام: لقد ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية في مكة في القرن  السابع الميلادي على يدي النبي محمّد، المولود بحدود العام 570 م. وبعد أربعين سنة، بشّر به بتاريخ بعثه نبيًّا رسولاً من ربّ العالمين الذي أوحاه إليه من طريق الأمين جبريل بدءًا بـ﴿اقْرَأْ باسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَق﴾ (العلق:1) سنة 610 م. لقد تمّ له تنزيل القرآن في شهر رمضان على مدى ثلاث وعشرين سنة، قضى منها ثلاث عشرة يدعو الناس إليه، مبلّغًا ومبشرًّا ومنذرًا ومفسّرًا وأمينًا وصادقًا وثابتًا ومخلصًا في العمل وصابرًا على المكاره. ومع ذلك، كانت قريش تخشاه والدين الجديد، فتحاصرهما، كما كانت تؤذي صاحب الدعوة، وتظلم من آمن بها…

وفي سنة 622 م، هاجر إلى المدينة المنوّرة، لتنطلق الدعوة وتنتشر في السنوات العشر الباقية. ولقد أسّس الرسول في هذه المدة “الدولة الإسلامية”، وقضى على عنجهيّة قريش وصلفها، كما قضى على الشرك والكفر، وأبلى البلاء العظيم في تحمّل أعباء الدعوة وفي سياسة من آمن بها من الناس. واكتملت الرسالة (الإسلام) تنزيلًا للقرآن كما أخبرت الآية:

﴿-الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا-﴾(المائدة:3)، وممارسة للسّنّة النبوية، لتعاجل المنية النبيّ المصطفى وينتقل إلى الرفيق الأعلى سنة 632 م… ولكن، كيف كان ظهور الإسلام كحدث في تاريخ البشرية؟

3-2-ب- الإسلام نقطة تحوّل تاريخيّ: إن ظهور الإسلام أو حدوثه لم يكن بالأمر البسيط أو العابر أو العادي، بل كان حدثًا شكّل نقطة تحوّل عميق وجذريّ في تاريخ البشري: لقد قضى على “عبادة الأوثان” سواء باعتبارها آلهة بذاتها أو وسائط تقرّب تابعيها من الإله الأكبر، وبلور وحدانية الله وأحديّته وصمديّته ناقضًا الشرك والكفر، وأحيا ملّة إبراهيم، ملّة الحنفاء الذين كانوا لا يزالون يؤمنون بها، ولكن من غير أن يكون لهم موقع مؤثر في ظل الهيمنة الوثنيّة على القلوب والنفوس، ووحّد العرب الذين كانت تحكم علاقاتهم القبليّة وطغيان البداوة، تحت لوائه، وأخذ بيدهم إلى  التحضّر، وجعل منهم وممن آمن به من غيرهم أمّة فاعلة قوية ومهيبة الجانب تمكّنت من هزيمة الفرس والروم، ومن إنجاز نشر الإسلام حيث حطّت بها رحلة الفتوحات في العالم لم يتجاهل أهميتها وخطورتها مؤرّخو البشرية في تأريخهم.

وقد كان للإسلام من الآثار الفاعلة، والنتائج الكبرى، والتداعيات العظمى، ما جعل العالم قبله غيره بعده حيث كان التأريخ الهجري تعبيرًا عن التحوّل التاريخي الكبير في عالم الشهادة. أضف إلى ذلك أن أثره الفاعل لا يزال مستمرًا، وعابرًا من الماضي إلى الحاضر فإلى المستقبل، إلاّ أنه ليس عبورًا خارج الزمان والمكان في ما يرتبط بهما من ظروف وأحوال… وها هو الكلام يلّح علينا في ماهية هذا الحدث التحولي التاريخي الجذري في ما يكون به، في قوامه. فماذا عنه؟

3-2-جـ- قوام الإسلام القرآن والسنة: ان الدين الإسلامي بما هو كائن به، قوامه القرآن والسنة وقد اكتملا فيه في ثلاث وعشرين سنة، منذ بعث الله محمدًا نبيًا ورسولًا وإلى أن توفاه حيث اكتمل القرآن وانقطع الوحي، كما تمّت السّنّة بانتقال صاحبها إلى الرفيق الأعلى. فماذا عنهما؟.

3-2-جـ-(1)- في القرآن: ان القرآن رسالة سماوية أوحى بها الله إلى الناس كافّة، مكلّفًا الأمين جبريل بنقلها إلى الأمين محمد، نبيّ الله ورسوله، لتبليغها هؤلاء الناس. لقد تلقى النبي المختار القرآن من جبريل في شهر رمضان طيلة ثلاث وعشرين سنة، وفهم خبره عن عالم الغيب وعالم الشهادة، وبلّغه الناس ومارسه وطبّقه بينهم وهو رسول وقائد ومتحمّل أعباء الدعوة إليه، وأوزار قيادة من آمن به من الناس في ظروف وأحوال ومناسبات ومواقف معروفة الزمان والمكان… لقد كانت لغته، تنزيلًا وتبليغًا وكتابة وتلاوة، لسان العرب دون ألسنة أمم الأرض الأخرى.

وقد تميّز بأسلوب فيه من سمو البيان والفصاحة والبلاغة ما جعله فريدًا في ذاته. وقد تمّ، في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، جمعه وترتيبه في مائة وأربع عشرة سورة تحتوي أكثر من ستة آلاف آية في نصوصه التي يقرأها أهل الإيمان ويتداولون فيها ولا يزالون منذ ذلك الحين، بما تحمله من أوامر ونواهٍ وأحكام، علمًا بأن عملية الجمع معروفة بحيثياتها وكيفياتها كلّها.

3-2-جـ- (2)- في السّنّة النبويّة: ان السّنّة النبويّة تعبير يشمل كل ما قام به الرسول في تبليغ الدعوة إلى الإسلام، ونشرها وتعليمها وتأديتها كاملة، والذود عنها، وفي قيادة الأمة التي آمن بها في سائر شؤون الناس وأمورهم في الدنيا والآخرة؛ إنها سائر أقواله وأفعاله، وتقريراته؛ إنها في أدق تفاصيلها ومراميها كانت لأهل الإيمان بالإسلام، وهي في متناول أيديهم  القدوة والمثال والهدى والمنارة، يسترشدون ويهتدون بها، ويرجعون إليها في تسديد خطاهم، وتصحيح مسارهم ليكونوا دائمًا على الصراط المستقيم. أضف إلى ذلك أن أيّ شيء من السّنّة السّنية يحمل بطاقة هوية له أو تذكرة بسائر هويّته، تعرّف به زمانًا ومكانًا، وبما يرتبط بهما من مناسبة أو ظرف أو حال أو سبب أو غاية في إطار المكوّن الأساس للإسلام ألا وهو القرآن.

ولعلّه من نافل القول ان الرسول كان يتميّز من سائر الناس بما له وفيه من علو الهمة وسمو الخلق، واصطفائه للنبوّة من قبل رب العالمين؛ كما كان يمتاز ويتفوّق على الجميع باستعانته بالله من طريق الأمين جبريل؛ بيد أنه لم يبلغ في أي شيء من ذلك صفات كليّة شموليّة من قبيل “المطلق”، وهو المرتبط بالزمان والمكان حتى في إسرائه، أو “الكامل” وهو المستعين بالله، أو “العليم” وهو المستقي علمه من الله في الدنيا والآخرة، أو “القدير” وهو نفس لها وسعها، أو “الغنيّ” وهو المحتاج إلى من يؤمن به وبرسالته، وإلى الله الذي “آواه” وهو يتيم، و”هداه” وهو ضالّ، و”أغناه” وهو عائل… ذلك ان مثل هذه الصفات الكلية الشمولية لا يكون لغير الله، وإلاّ فيصبح له شريك في الإلوهية، والعياذ بالله،.

3-2-د- الإسلام في تلقّيه وفهمه وتبليغه وممارسته: إن الإسلام منذ وفاة الرسول وحتى تاريخه، لا يزال يتعرّض في التعبير عنه وبه للعديد من الصور المختلفة والمتباينة وحتى المتخالفة، والتي يبدو أنها لا تبلغ نهاية أو حدًّا لها، وكأن أمرها قدر ولّاد لا يدفعه قدر آخر. وإننا في هذا المقام، وبشأن ما يطرحه العنوان، نكتفي بالتمييز الموجز بين ما كان عليه الأمر في زمن النبوّة، ثم في الأزمنة التي تلته:

3-2-د- (1)- في زمن النبوّة: مع شروع النبي المصطفى ببناء “دولة الإسلام” في المدينة المنوّرة بعد الهجرة إليها، كانت أمور “الأمة الناشئة” تحت لواء الإسلام، وشؤونها منوطة بالنبيّ يديرها ويصرّفها ويدبرّها ويسوسها ويقودها في الدين والدنيا، وقد تكامل الثلاثي (الدين والسياسة والعقل) في حكمه وسنّته، وكان له الولاء التّام، كما سبق الكلام على ذلك.

لقد اكتملت رسالة الإسلام في زمن النبوّة: قرآنًا وقد تلقّاه الرسول وفهمه وبلّغه ومارسه من ألفه إلى يائه، وسنّة وقد استنها وانتهجها ومارسها وجعلها تكتمل في إطار ورحاب القرآن منذ بعثه رسولًا وحتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى. فالإسلام، في تلقّيه وفهمه وتبليغه وممارسته وفي قرآنه وسنّته، تشكّلت له الصورة البشريّة الأصلية والأصيلة الأولى النبويّة على يدي الأمين الصادق المخلص ذي الخلق العظيم النبي محمد. وقد وصفنا هذه الصورة عن الإسلام بالبشرية لأن الرسول تلقاه وقام بما قام به بشأنه وخدمة للناس بهداه ورحمته وعدله بإمكانات وصفات بشريّة، وإن تميّزت عند المصطفى وامتازت وتفوّقت، فهي لم تخرج عن دائرة النشاط البشري، لأنه ليس للأنبياء الألوهية الواحدة الأحدية الصمدية التي تجعلهم شركاء لله في ذلك، وهم مثال المطيعين له والمحتاجين إليه، والمستعينين والمعتصمين به، والقائمين بأداء رسالاتهم بفضل وعون منه تعالى.

3-2-د-(2)- في أزمنة ما بعد النبوّة: ما إن توفي الرسول حتى انفجر الصراع حول السلطة بين الأنصار والمهاجرين تحت سقيفة بني ساعدة. وما إن حسم الأمر لأبي بكر الصدّيق حتى كانت حروب الرّدّة التي قضي فيها على المرتدين وأقفل الصراع لمصلحة الخلافة الأولى. ومع مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، انفجر الصراع مكشوفًا بين شرعيّة خلافة علي بن أبي طالب وتمرّد معاوية بن أبي سفيان، لتظهر المعارضة سافرة، ويتجلّى عبرها الهوى للسلطة بذرائع مختلفة عند المناوئين لحكم الخليفة الرابع.

فيختل التوازن والتكامل لتتصدّر السياسة المكانة الأبرز والأرفع بالنسبة إلى الدين والعقل، حتى يتكرّس كليًّا تصدّر السياسة واستتباعها الدين والعقل الناقد الحر، مع “الحكم المتغلّب” الذي آل إلى معاوية الذي رجح ميزان القوى لصالحه، ما جعل الخليفة الخامس الحسن يتنازل له عنها، فصادرها وجعلها إرثًا يورّثه من يشاء من بنيه…

ويستمر بعد ذلك الاستبداد السياسي الذي يجعل السلطة تسلّطًا، ويستتبع الدين ويجعله متواطئًا معه، ومسفّها لإعمال العقل في غير النقل، ويقمع العقل الناقد الحرّ، ويقبله مادحًا ومبررًا له أو معتكفًا أو منكفئًا أو معتزلًا بعيدًا عن السياسة… إن الإسلام، في تلقّيه عن متلقّيه الحصري الأول النبيّ محمّد، وفي فهمه، وتبلّغه المتعاقب بتعاقب الأجيال والأزمنة، وفي الإيمان به وممارسته، يتحوّل إلى غربة مع فهم المنظّرين فيه وله من علماء وحكماء ومجتهدين ومؤولين وفقهاء، ليصير بها فهمًا بشريًا مختلفًا متألهًا في صور مختلفة ومتباينة ومتخالفة، ما يطيح أو يغيّب صورته الأولى المحمّدية، ويصادر هويّته ووحدته ويجعلها في هوية ووحدة كل من مذاهب هؤلاء المنظرين، وينعكس كل هذا في شرذمة أهل الإسلام وتشتيتهم وإضعافهم وذهاب ريحهم…

وهكذا، يمكننا أن نرى أنّ الإسلام من منظوره هو، كامل مطلق صالح لكل زمان ومكان، بينما في المنظور المغاير، فهو يشي بكل ما يجعله دون “الكماليّة والمطلقية” ليندرج في دوائر النسبيّة والمحدوديّة والتاريخيّة. فهل فعلاً لا تحتمل سنّة الله التبديل والتحويل؟ وهل صحيح أن الأحكام الشرعيّة في سنّة الله لا تتغيّر في المكان والزمان؟ لننظر في ذلك.

3-3- فيم هما  السّنّة والحكم الشرعي؟ لعلّنا نحسن قراءة السّنّة الإلهية والسّنّة النبوية والحكم الشرعي الذي في مرجعي شريعة الإسلام، القرآن أساسًا، والسّنّة استتباعًا، يستقي حجيّته ومكانته من الكتاب المبين فضلًا عن صدقيّة مستنّه، الرسول المختار، وأمانته وإخلاصه، وولائه التامّ لربّ العالمين الذي يقول في الآية:﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾(النحل:44)، مما جعل نبيّه يقول في حديثه الشريف: “من أطاعني فقد أطاع  الله ومن عصاني فقد عصى الله”(4). فماذا عن معنى السّنّة ومعنى  الحكم الشرعي؟ وبم تتميّز شريعة الإسلام؟

3-3-أ- في معنى السّنّة ومعنى الحكم الشرعي: 3-3-أ- (1)- في معنى السّنّة: تعني “السنّة” في اللغة، “الطريقة أو السيرة” سيئة كانت أو حسنة حميدة. أما في الشرع، فينبغي لنا أن نميّز بين نوعين من السّنّة من حيث المصدر لكل منهما وما يبدو للمستقرئ، هما: سنّة الله في خلقه، وسنّة الرسول في نبوّته. بيد أنهما لا تنفصلان في الإسلام، بل تعبّران عنه في كونه نظامًا ومنهاجًا أمثلين لحياة البشر في عالم الشهادة من وجهة نظر أهل الإسلام، ولا تنفصلان في التهيئة والإعداد لحياتهم الأخرى في عالم الغيب. أما سنّة الله في خلقه فتعني حكمه فيه وقضاءه وأمره ونهيه بحيث يخضع كلّه وبعضه، في كل أموره، لقوانين إلهية لا محيد له عنها، على نحو ما تذهب إليه الآية:

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾(القمر:49)، كما أن مرجعها هو القرآن. وأما السّنّة النبوية فتشمل كل ما قام به النبي والمصطفى في إطار تكليفه بالرسالة (الإسلام) لجهة إدارة شؤون الناس وسياستهم وتدبير أمورهم وتصريفها في إطار الإيمان بالإسلام نظامًا ومنهاجًا، دينًا ودنيا، جاعلًا من أقواله وأفعاله وتقريراته زمن نبوّته سنّة لهم؛ فإن اتبعوها، يكونوا قد اتبعوا سنّة الله، وفازوا بسعادة الدنيا، ونعيم الآخرة؛ وإلاّ، فحبطت أعمالهم، وساء مصيرهم في الدنيا والآخرة.

3-3-أ- (2) – في معنى الحكم الشرعي: ان الحكم الشرعي هو ما تقتضيه شريعة الإسلام أو سنّة الله وسنّة نبيّه في أي أمر يعني أهله، بهذا القدر أو ذاك، في حياتهم؛ إنه يتمثّل في ما يأمر به الدين من خلال هاتين السّنّتين، وما ينهى عنه، وما يحلّله وما يحرّمه، في طاعة الله ورسوله. فمن عمل به في هذا الإطار، يكون قد أفلح وفاز برضا الله ورسوله، ونعم بحياة فاضلة في دنياه، وتهيّأ فيها لحياة هانئة خالدة في آخرته. أما من لم يعمل به فيكون قد ضلّ وعصى واستحق سخط الله ورسوله، وشقي في حياة آثمة في عالم الشهادة، وساء جزاؤه في عالم الغيب.

3-3-أ-(3)- بين السنّتين والحكم الشرعي: ان العلاقة من الوثاقة بمكان بين هذه المفاهيم الثلاثة. فسنّة النبيّ ما هي ألاّ الوجه التطبيقي لسنّة الله كما تلقاها وفهمها من القرآن. والحكم الشرعي في أمر ما هو ما استنّه النبيّ زمن نبوّته لأتباعه في إطار فهمه مما استنّه الله في كتابه العزيز. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار سنن الله أو أحكامه أو قوانينه هي السنن أو الأحكام أو القوانين التي أخذت طريقها إلى حياة أهل الإسلام على يد نبيّه ورسوله المختار.

فالكلام على أي من هذه السنن أو الأحكام يعني في الوقت نفسه المفاهيم الثلاثة المعنيّة في هذا المقام. ولكن، ينبغي لنا تبيان ما إذا كان كلّ من القرآن والسّنّة هو مما أوحاه الله إلى رسوله، لأنه من السائد والشائع في ربوع الإسلام عدم التفريق بينهما باعتبار القرآن وحيًا من الله نقله الأمين جبريل إلى الأمين محمّد، والسّنّة النبوية وحيا من الله أيضًا لأن النبيّ لا ينطق عن الهوى بل ما ينطق به ما هو إلاّ وحي يوحى إليه، بالاستناد إلى الآيتين:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوْحَى﴾(النجم:3 و4). بيد أننا لا نذهب هذا المذهب مع تأكيدنا على أن صاحب “الخلق العظيم” هو أبعد الناس عن اتّباع الهوى، وأكثرهم إعمالًا للعقل، وأهداهم إلى سواء السبيل والصراط المستقيم، بل إننا نعتبر أن السّنّة النبويّة هي ما فهمه المصطفى من القرآن الموحى به إليه من طريق الأمين جبريل، وذلك للاعتبارات التالية:

– إن سياق الآيات الخمس الأولى من سورة النجم﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5)﴾، التي تخبر بل تؤكّد بقسم من الله أن النبي المصطفى لم يبتعد عن الهدى، ولم يأخذ بباطل، ولم يتبع الهوى، بل ظل على الصراط المستقيم والنهج القويم؛ كما تؤكد أيضًا أن القرآن هو من وحي الله أوحى به إليه من طريق الأمين جبريل الذي علّمه إياه وهو المتمتع بالقوى الهائلة، ولم يعلّمه في الأمور التي تقع خارج القرآن، علمًا بأن الرسول معروف بفصاحته وبلاغته ورويّته وحكمته وبعد نظره.

-لم يأمر الرسول في زمن نبوّته بتدوين سنّته كما حرص واهتم بشأن القرآن. ولو كانت السّنّة بمستوى القرآن من حيث الوحي، لعمل النبي على جعلهما في كتاب واحد. ولكن، لم يحصل هذا خوفًا من اختلاط سنّة الله بسنّة نبيّه. وهذا الخوف هو أكثر ما يطالعنا في تعليل عدم تدوين السّنّة النبويّة بالتزامن مع القرآن. وفي هذا السياق، يمكن الاطمئنان إلى الحديث الشريف: “لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه”(5).

– لو كان كل ما صدر عن الرسول وحيًا أوحي إليه، لكان ما استنّه من “توارث بالمؤاخاة” بين الأنصار والمهاجرين أمرًا من الله أوحى به إليه ولم ينسخه ربّ العالمين ليجعله في “أولي الأرحام” والشيء نفسه بالنسبة إلى كيفية قسمة الرسول “عنائم بدر” بالتساوي، التي نسخها الله بتشريع من عنده في سورتي الأنفال والحشر(6).

– لقد حدّد الله لنبيّه الأمين مهامه بشأن الرسالة (القرآن) تحت عناوين “مبلّغ ومبشّر ومنذر ومذكّر ومبيّن وداع وشاهد ورسول” ونفى أن يكون من مهامه ما يندرج تحت عناوين “وكيل وحفيظ وحسيب ومسيطر ورقيب ومُكْرِه”، الأمر الذي يفضي إلى أن طاعته تكون في ما أطاع الله في ما أمر ونهى وحكم وحلّل وحرّم ووعد وتوعّد وما إلى ذلك مما جاء في القرآن واستدعى تدخّلًا منه.

ولعلّه من المفيد أن نشير إلى أننا سنقصر الكلام في إطار ما أوضحناه على ما ييّسر لنا الإجابة عمّا إذا كانت “السّنّة، تتمتّع بـ “الكمالية والمطلقية” أو هي محكومة للنسبيّة والمحدودية في حياة البشر عامّة، وحياة أهل الإسلام خاصة، لاعتبارين اثنين نراهما وجيهين هما:

أولا، ان ذاك الاقتصار يكفي لما  التزمنا به في البحث، ويفي بأغراضه؛ ثانيًا، ان الجنس البشري يتميز من سائر الأجناس الأخرى بجهازه المعرفي الذي به يتفرّد ويتفوّق على سواه، ثم ان الناس هم متفرّدون في ما بينهم بملياراتهم إذ من المتعذّر الوقوع على شخصين اثنين متطابقين تمامًا منهم على الرغم من الكثير الكثير الذي يجمعهم في أحسن تقويم.

3-3- ب- في ما تتميّز به الشريعة أو السّنّة والحكم الشرعي:

إننا في هذه الفقرة، لا نريد الغوص عميقًا في استقراء الشريعة للتمكّن من إصدار أحكام قيمة في السّنّة أو الأحكام الشرعية، بل لنقع على خصائص أو مميزات تمكين من الإجابة عن السؤال الكبير في ما إذا كان الإسلام كاملًا مطلقًا أو نسبيًا محدودًا. فماذا عمّا يميّز ويمكّن في هذا المقام؟

3-3-ب-(1)- الإسلام مقيد باختيار الإنسان وحريّته: لعلّنا نكتفي هنا بثلاثة أمور يؤكّدها الخبر الصادق الصادر عن ربّ العالمين في كتابه العزيز، هي: الأمر الأول هو أن الإسلام ينفي جنس الإكراه أو الإجبار فيه، ما يعني أنه يتوخّى في الدعوة إليه والعمل به رضا الإنسان واختياره، وفقًا للآية:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ (البقرة:256)؛ والأمر الثاني هو أن الله قد جعل التغيير في أحوال البشر وقفًا على البشر أنفسهم، ما يعني أن تقييد الدين برضا الإنسان واختياره يكتمل بحريّته المسؤولة فيه، عملًا بالآية:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11)؛ والأمر الثالث هو أن الله قد جعل الإيمان والكفر رهن مشيئة الإنسان، كما في الآية:﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ-﴾ (الكهف:29).

3-3-ب-(2)- اليسر والمرونة: ان الشريعة الإسلاميّة تنحو نحو اليسر والمرونة بعيدًا عن التعسّر والتصلّب. فلا تحمّل الناس ما لا طاقة لهم به، بل تسعى ليكون ما تأمر أو تنهى عنه في نطاق وسعهم باعتبار التكليف الشرعي يكون بمقدار هذا الوسع. وليس في الدين من حرج جعله الله عليهم، إذ تقول الآية:

﴿وَمَا جَعَلَ [الله] عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ-﴾(الحج:78). ولقد جعل الله فريضة الحج على من استطاع إليه سبيلًا، ورخّص للمسافر قصر الصلاة، ويسّر على الناس صوم رمضان، فرخّص للمريض والمسافر الإفطار أيام المرض والسفر على أن يفيا ما عليهما في حال أخرى يكونان فيها أيسر حيث يأمر في الآية:

﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ-﴾(البقرة:185). والكلام على اليسر والمرونة يطول. فها هو القرآن يحضّ الدّائن على إمهال المدين المعسر إلى أن يتيّسر، كما يشجّعه على التصدّق لما لهذا العمل الصالح من خير وأجر عظيم عند الله، وفقًا لما جاء في الآية:

﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:280)؛ وفي الاعتداء المفضي إلى القتل، يقوم مبدأ العدل على القصاص وهو أخذ الجاني بما اقترف وهو حق لوليّ الدم؛ بيد أن الله الرحمن الرحيم يشجّع ويحضّ على العفو والقبول بالديّة من القاتل تخفيفًا منه تعالى يندرج في رحمته في عباده، إذ أن الديّة عبء قليل على القاتل إذا ما قورن بحياته، ومال ينتفع به أهل القتيل؛ ثم يتشدد بعد ذلك إزاء الاعتداء متوعّدًا المرتكب بالعذاب الأليم. لقد جمع الله في حكمه المرن الميسّر العدل والرحمة، الذي تستنه الآية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾(البقرة:178).

لعلّ ما ذكرناه يكفي لتبيان اليسر والمرونة في الشريعة الإسلامية بالرجوع إلى الكتاب المبين. وفي السياق نفسه، نذيّل الفقرة بالحديثين الشريفين التاليين: “ما خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا؛ فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه”(7)، “إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلّمًا ميسّرًا”(8).

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى