مقالات
ممرّ “آيا صوفيا” الى السيطرة على الشعب العربي المأزوم..
خاص “المدارنت”..
قد يجد المرء تبريراً لتحويل السلطان محمد الفاتح، كنيسة آيا صوفيا الى مسجد اثر فتح القسطنطينية، عام 1453، فعاصمة الإمبراطورية البيزنطية لم يكن فيها مساجد للصلاة انذاك.. وربما كان لعملية التحويل هذه رمزية، تجسد وتظهر انتصار السلطنة العثمانية، التي رأت في نفسها استمرارية للخلافة الاسلامية.
علما أن محمد الفاتح، اشترى الكنيسة من حر ماله وامر بتغطية الرسومات المسيحية البيزنطية، التي لا تزال موجودة حتى اليوم، احتراما لمشاعر المسيحيين.
لكن ماذا يبرر تحويل آيا صوفيا اليوم الى مسجد، ومدينة إسطنبول تعجّ بثلاثة الآف و296 مسجد؟ وماذا يضيف مسجداً آخر الى إسلام الامة التركية ذات الغالبية المسلمة، والحكم الاسلامي في مطلق الاحوال؟
لن يغير مسجد آيا صوفيا شيئاً في حال احباط المسلمين، الذين عجزوا حتى اليوم عن استرداد حقهم في القدس ومسجدها الأقصى. لكنه كفيل بدغدغة مشاعر العامة الذين ستحملهم عواطفهم على الخضوع والانجرار وراء حملة دعائية واسعة ومنظمة، تصور الحدث “الدونكيشوتي”، على انه انجاز نوعي وتاريخي، يكتب للسلطان أردوغان “النيو-عثماني” الحديث.
كما ان تحويل الكنيسة ذات الرمزبة المسيحية الشرقية الى مسجد، لن ينتقص من المسيحية شيئاً، ولن يغير في حال المسيحيين المشرقيين. لكنه سيستفز مشاعرهم المتحسّسة والقلقة اساسا. مما يدفعهم بإتجاه مزيد من التقوقع والانغلاق، في بوتقة ما بات يُعرف باستراتيجيات “تحالف الاقليات” القاتلة لاصحابها قبل غيرهم.
ان تحويل كنيسة آيا صوفيا الى مسجد، لن يقدم أو يؤخّر شيئا في حال لا المسلمين ولا المسيحيين. إنما يُشكل هذا الحدث في هذا التوقيت يالذات، خطوة ذات حقيقة بهلوانية “دونكيشوتية”، لكن ذات دلالات رمزية هامة في مسيرة تحقيق احلام وطموحات الرئيس التركي أدوغان، في تنصيب نفسه سلطانا “نيو-عثمانيا” حديثا.
فالسلطان أردوغان يخاطب اولاً، عواطف ومشاعر مسلمي بلده، في مواجهة العلمانيين والمتغرّبين، ليبيعهم حلم استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية. كما انه يخاطب ثانياً، عواطف ومشاعر المسلمين عموماً، في مواجهة ولاية الفقيه الايرانية، ليبيعهم حلم استنهاض خلافة اسلامية سنّية. كما انه يخاطب ثالثاً، عواطف ومشاعر العرب، في مواجهة مرجعية خادم الحرمين الشريفين (الملك سلمان في المملكة العربية) السعودية، ليبيعهم حلم التصدي “للخطر الشيعي”، واسترداد الحقوق العربية في فلسطين.
ان ظاهر خطوة السلطان أردوغان “النيو-عثماني” الحديث، هو تحويل كنيسة الى مسجد. اما باطنها، فهو ضربة “تكتيكية”، تهدف الى ترسيخ مشروع النفوذ التركي، الساعي الى السيطرة على حياة ومقدرات الشعب العربي المأزوم.
=======================




