من التربية على الاستبداد إلى التربية على التنوير

خاص “المدارنت”..
المدقق في واقع التعليم العربي عموماً، سوف يجد أن الأنظمة السياسية تُسيطر على التعليم ليس لمعالجة المشكلات وإيجاد الحلول لها، وإنما لكي تُشكل أفراداً يألفون الخنوع والذل والاستكانة، ويتعايشون مع الخوف والرعب، ويتعودون السلبية والانهزامية. ومن ثَمَّ فإن أفراداً هذه حالهم لن يعرفوا طريقاً للإبداع والابتكار، واتخاذ التفكير النقدي منهجاً وطريقة، بل أكثر من ذلك يقوم النظام السياسي في الكثير من الدول العربية بتوجيه النظام التربوي من أجل أن تكون مخرجاته أداة له بغية ترسيخ واقع القهر والظلم والحرمان في فضاءات المجتمع المختلفة.
كيف لا ودافع النظام التعليمي يكاد يكون كله سياسياً، وإن هذا الدافع هو العنصر الأساس في توجيه السياسات التربوية، وتحديد المهارات العقلية، واختيار المعلومات التي تُعطى، وإقصاء المعلومات التي تُشكل وعياً ناقداً. ولهذا فإن التعليم العربي عموماً يعمل جاهداً من أجل تدعيم النسق السياسي السائد والمحافظة عليه، لأن الاستقرار بالنسبة للسلطة السياسية خاصية مرغوبة وإيجابية، والتربية هي الوسيلة التي يصبح المواطن العربي من خلالها واعياً بالنسق السياسي والثقافي ومدركاً لهما.
من هنا يمكن تقرير أن نظام التعليم المختطف بأدواته ومؤسساته وطاقاته البشرية، يُعد وسيلة توظفها السلطة السياسية لإنجاح تربية المواطن واحتواء وعيه لصالحها، دون أن تُراعي أن هناك فرقاً بين المواطن الصالح كما يراه المجتمع، والمواطن الصالح كما تراه هي، مع ملحوظة أن المواطن الصالح من وجهة نظر المجتمع هو الذي تُشكل إرادته نوعاً من التناغم الاجتماعي مع غيرها من الإرادات، بينما المواطن الصالح في نظر السُلط السياسية غير الشرعية هو الشخص الذي يؤيد الأوضاع القائمة، ويكرس نفسه من أجل المحافظة عليها، وإن مثل هذا المواطن هو ما تسعى إلى تكوينه بعض نُظم التعليم العربي بمكوناته كافة، إذ تستهدف عبر سياساتها وأهدافها واستراتيجياتها طبع نفوس الطلبة بقيم الطاعة والخضوع والاستكانة، وليس تلك القيم التي تدفع باتجاه مستقبل مشرق واعد. وقد عبّر عن تلك السياسات التنويري السوري عبد الرحمن الكواكبي بقوله:
“إن المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، فلا يريد المستبد أن يتصرف فرد بوحي خالص من فكره المجرد، ولا أن يقتنع أحد بفكرة انشرح لها صدره، بل يريد أن يفعل الفعل أو يترك لوجهه لا لوجه الحق، كذلك يطلب السادة، وكذلك يصنع العبيد”. (الكواكبي، 2006: 41).
وهكذا، فإن الاستبداد السياسي يتلخص في تغليب إرادة واحدة لا تسمح بإرادات أخرى تعمل إلى جانبها على خلاف هواها، مما يعني أن المستبد يختطف المبدأ الأساسي الذي يجب أن تقوم عليه فكرة المواطنة ألا وهو مبدأ حرية الإرادة. هذا المبدأ المختطف من قبل نُظم التعليم في بعض الدول العربية، والذي لم يدخل إلى مدارس هذا النُظم بعد، بل لم يُصبح الفصل الدراسي بعد مساوياً لجمهورية صغيرة يتعاون أفرادها من أجل الصالح العام، لأن من أبرز السمات الموجودة في التعليم العربي ما عبّرت عنه الملاحظة الذكية التي أبداها الدكتور فؤاد زكريا في كتابه “خطاب إلى العقل العربي” وهي ملاحظة يكفي أن ينظر كل فرد في المجتمع العربي إلى نفسه ليجدها تنطبق عليه هو شخصياً، وتلك الملاحظة هي:
“إن الإنسان العربي قد تربى على الطاعة، والطاعة وباء لا يفلت منه أحد، وإذا أطلقت لها العنان أصابت عدواها الجميع، ذلك لأن كل من يفرض الطاعة على من هم دونه يجد نفسه مضطراً إلى طاعة من يعلونه، وحين يطيع المرء لا يكون ذاته، بل يمحو فرديته ويستسلم إلى غيره، وأكاد أقول إن أعظم إنجازات الإنسان لم تتحقق إلا على أيدي أولئك الذين رفضوا أن يكونوا مطيعين”. (زكريا،1978: 82-83).
ومن الجدير بالذكر أن ما تشهده بعض الدول العربية من انتهاكات لحقوق الإنسان على خلفية ثورات الربيع العربي قد أحدث تصدعاً كبيراً في منظومة القيم التربوية والتعليمية، فبدل أن يقوم النظام بوضع الخطط التي تُسهم في اكساب الطلبة الثقة بالنفس والقدرة على التغيير، وتجعلهم شركاء فاعلين ومنفعلين في بناء مجتمعهم، نجد أن اتجاهات التلاميذ بدأت تأخذ منحى آخر يُمكن وصفه بالسلبي تجاه السُلط الحاكمة نتيجة الممارسات القمعية التي وقعت على الكثير من الطلبة وذويهم الذين خرجوا يهتفون للحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية.
للأسباب السابقة وغيرها، لا بد من الثورة على نمط التربية الذي يستبيح عقول أبناءنا وقيمهم، والعمل على تعزيز ثقافة التنوير والتربية عليها، وطالما أن الأنوار هي رفع الوصاية عن العقل، فإن التنوير سيكون، من الناحية التربوية، هو إعطاء الفرصة للمتعلم أن يُعبّر عن قدراته الفكرية والعقلية بحرية أكثر. لذا، يمكن أن نربط بين التأمل في التربية والتنوير، فيتحول بذلك إلى مشروع مجتمعي وتاريخي. وذلك لأن فلسفة الأنوار تقوم على فكرة أساسية مفادها أن “على الإنسان أن يثق في قدراته العقلية من أجل قيادته (بوسلهام، 2010).
ومن ثَمَّ يرفع الإنسان كل وصاية عن ذاته؛ سواء أكانت وصاية سياسية أم اجتماعية أم فكرية، بمعنى آخر، على العقل أن يعتمد “أنواره” للتخلص من الأحكام المسبقة، والخرافات، والأوهام التي هي مصدر لكل فكر ظلامي، ولكل أيديولوجية استغلالية. وتبعًا لذلك، فإن التربية تُمارس أثرًا أساسيًا ما دامت من المفترض ألا تعيد إنتاج هذه الخرافات والأوهام الاجتماعية، وما يفرضه الاستبداد من قيم وأفكار تُقيد حرية التفكير والتعبير.
ومن ثَمَّ، فإن أول ما يحتاجه التلاميذ هو أن يصبحوا واعين لنوع العالم الذي يعيشون فيه، وأن يروا التعارض بين القوى التي تتنازع على السيطرة عليهم، وأن يُقرروا بعقولهم أي هذه القوى كانت من الماضي، وأي منها يتطلع إلى المستقبل ويبشر بحياة أكثر تنويراً للطبيعة الإنسانية. وهذا يعني أنه لا بد أن نتطلع إلى مجتمع مدرسي يكون التلاميذ فيه أحرارًا غير مكبلين. مجتمع مدرسي يسوده نوع من التنظيم ينتج شخصيات حرة ذكية، مع ملحوظة أن هذا لن يحدث إلا عندما يصبح التعليم فنًا عاليًا.
بصفة عامة، لا بد أن تبتعد المدرسة عن أيّ شكل من أشكال الإملاء الشخصي، لأنه إذا كانت القيمة التربوية مؤكدة في الحصول على خبرات، فإن مركز الجاذبية ينتقل من العامل الشخصي ويتواجد في الخبرة النامية، التي يشارك فيها كل من التلاميذ والمعلمين على حد سواء، على أن يبقى المعلم هو القائد في النشاط المشترك لما لديه من نضج، وأن يبقى مقياس قيمة التربية المدرسية هو درجة ما تخلقه من الرغبة في استمرار التنوير، وما تعدّه من الوسائل لجعل التلاميذ أكثر وعياً بحريتهم.
المراجع: بوسلهام، سمير (2010) كانط بين التربية والتنوير، متاح على الموقع الالكتروني التالي: http://anfasse.org
- زكريا، فؤاد (1987). خطاب إلى العقل العربي (كتاب العربي)، العدد (17)، الكويت.
- الكواكبي، عبد الرحمن (2006). طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، بيروت، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع.



