مقالات

من رحم المعاناة وبلاء الدنيا نصنع وجودنا

أديب الحاج عمر/ لبنان

خاص “المدارنت”
الزمن لا ينتظر، فالسرعة وما تحمله في طياتها، يتحكم بمفاصل حياتنا اليومية، بدءًا بالعلاقات الذاتية المستقلة، أو بتلك العلاقات العملية العامة الخارجية، أو تلك التي تتطلب اتخاذ قرارات مصيرية حاسمة، والسرعة الزمنية فرضت ذاتها علينا، فاصبحنا ومن دون وعي أو تركيز، أفرادًا وجماعات، نركض من دون أي وجهة واضحة، اننا في تيهة وضياع، وكأننا نعيش روتينا مميتا، ينهش افكارنا، ويبعثر احاسيسنا، متعطشين لهدوء أو سكينة أو راحة بال.
لقد تحول كل ما نعيشه كبشر، إلى أرقام ورموز، لا دفء فيه، ولا معنى، وكأننا أصناما حجرية تحركها أصابع ظلامية الكترونية، تشعرنا بالوحدة والكآبة، تسكنها قلوب باردة. وهذا مما غيّب القيم الإنسانية عن حياتنا المعاشة، كما وحولنا، كبشر، إلى وحوش تنهش ذاتها. “.. أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ..“.. صدق الله العظيم.

لقد فعلت السرعة فعلها في طي الايام والأزمان، فتحولت إلى جوع داخل الإنسان لا يشبعه شيء، فجعلت الإنسان يستهلك اللحظات بدل أن يعيشها، فلحظة الفرح لا تلبث أن تتبدد؛ ثم تستبدل بلحظة قلق واضطراب مما هو قادم.
في خضم هذه الفوضى الرقمية والضياع الرمزي، تولد الأجيال وتنشأ في عالم يجهل طرق تعليمهم كيف يستهدون؟ كيف ينهضون؟ كيف يواجهون؟ كيف وكيف..؟ فيفشلون، يرتبكون، ويرتكبون، ثم يتيهون، مما يجعلهم يخفون الواقع و”يُفَلترونَه” برداء مزيف، مزركش وجميل. ونحن الكبار، ما علينا سوى أخذ الصور والاحتفاظ بالذكريات، من دون أن نعمل ونشارك في صنع الحياة.
حياتنا نحن، إذ الواجب يفرض على كل انسان أن يصنع حياته؛ ويشق دربه بنفسه، مما يتطلب هدوء الفكر وبطء الاتقان. مما يلزم العودة إلى ذواتنا وانفسنا ونعتاد الإدراك الواعي ونتعلم ونتدرب كيف تبطيء، كيف نصمت، كيف نسمع، كيف نصغي، وهذا الامر يلزمنا استرجاع قيم التواصل الحقيقي، واسترجاع جوهر العلاقات الإنسانية.

أيها الإنسان، أن سرعة الوقت، لا يمكن لها أن تتوقف، ولكن علينا إعادة النظر في مسالك النجاح الفعلي والعملي في هذه الدنيا، وعلينا منح أنفسنا وارواحنا وقتا للراحة والاطمئنان، فنتعلم فن العيش الكريم الواعي، نتعلم إمكانية التوازن الحق في الحياة المعاشة، نتعلم حب أنفسنا وحب الاخرين، نتعلم إتقان العمل في أقصر وقت ممكن، نتعلم بناء علاقات صدق واخلاص، نتعلم أن الإنسان ليس آلة إنتاج، إنما الإنسان هو روح تبحث عن معنى، تبحث عن دلالة، تبحث عن وجود.
لا شك أن الإنسان، يعيش في عالم مثقل بالاحمال، ممزقا بين رغبة فعل الخيرات وبين الميل إلى ارتكاب المعاصي والاثام، يسير بين الإيمان العميق والمزركش بثوب الاخرة، وبين شكوك الدنيا ونزعاتها النفسية الداخلية. أعلم أيها الإنسان، إنك تحيا صراعا في لحظات ضعفك، في صراخك المكتوم، في اضطرابك داخل ظلمة الليل، تحاكي نفسك من دون أن يسمعك أحد، وتهيج عواطفك من دون أن يشعر بها أحد. انك ممن يسقطون مرات ومرات، ثم يقومون ويتابعون المسيرة؛ وكأن شيئا لم يكن، لكن قيامك هذا لا يعني انك من الأبطال الاشداء، بل لأنك لا تملك سوى هذه الطريق، طريق السقوط ثم الوقوف ثم الاستمرار. الفت النظر أن كنت تريد حقا الخلاص، فما عليك إلا ان تبحث في داخلك، وليس خارجك، فالنعيم والجحيم كلاهما في داخلك، وايضا عليك الانتباه إلى أن درب الانتصار، إنما يتلخص في ان تتمسك بذاك القبس المشع من خلال فطرتك وجبلتك، ثم تعمل على تطويره وتدريبه والاتجاه به نحو الاستقامة والفضيلة.
اعلم أيها الإنسان، أن الانتصار ليس ان تصلح العالم وتمسك بقراراته المصيرية، إنما الانتصار الحقيقي، يتمثل في ألّا تتخلى عن إنسانيتك، ولا تسمح للآخرين بنزعها عن ذاتك، وأيضا، عليك أن تجاهد العالم الذي تعيش، إصراره الدائم على نزع الفضيلة الإنسانية كصفة بشرية عامة، وأيضا، تشاهد العالم الذي يزرع الألم والجوع والتشريد، بين مجتمعات الأمم التي لا حول لها ولا قوة.
ولكن كل ما تشعر به وتحس، من ألم ووجع، ما هو الا دليل جوهري على وجودنا كشعوب وأمم، أي أننا أحياء ندرك ونريد ونعي، نحب ونخاصم، لنا وعلينا، وعلى هذه القاعدة، علينا ألا نهرب من ذلك الواقع، إنما يتطلب منا المواجهة والاصغاء لمحاكاته ثم الإصرار على قرار الاستمرار، بكل صبر على ما نحمله من أثقال، لأن قانون قوة الاحتكاك تولد النور الذي نبغيه ونريده.

هكذا الحياة، بلاء وامتحان ومعاناة، فالحياة ليست عادلة، ولكنها جميلة وتبعث الأمل فيها، فاستفد، أيها الانسان، منها أقصاها من الحدود لأنها قصيرة وقصيرة، مع التأكيد على احتمال انك لا تلحق الافادة. لذلك من الواجب ألا تترك ذاتك في شك وقلق، إنما عليك الانتقال إلى خطوات تالية مهيأة، فما عليك إلا المصالحة مع نفسك، المصالحة مع ماضيك كي لا يفسد حاضرك، وعليك ايضا، ألّا تقارن شخصك بالآخرين، لأنك لا تعرفهم وايضا، تجهل ماهية جبلتهم وذواتهم.
اعلم أيها الإنسان، أن المصائب والآلام لا تقتل، إنما تجعلك اقوى وأثبت إيمان، فاهتم بواقع حياتك بكل منطق وحكمة، قبل فوات الأوان، فتش عن السعادة ولا تنتظر المناسبات، إذ لا أحد مسؤول عن سعادتك إلا انت، حاول الخلاص من كل ما يثقل اكتافك، كالفوضى والقلق، فكل شيء قابل للتغيير، زيادة أو نقصان، ومهما كان الوضع، جيدا أو سيئًا، فما عليك إلا ان تسمح للزمن بالمرور ومتابعة المسير، كما قضى أمر الله، فلا تحمٍل ذاتك اكثر مما يلزم، ولا تهتم بما يعتقده الآخرون، فمشكلاتك ومتاعبك، هي أسهل بكثير مما يلازمهم منها، ولزيادة التوضيح، فامرهم ليس من شأنك. فالحياة ليست أطايب طعام ولا عطر رياحين، ولكنها على الرغم من ذلك هدية لكل إنسان، فاحفظها وحافظ عليها.
اعلم أيها الإنسان، أن الأمر المهلك في حياتنا البشرية، إنما يتمثل في ما يسمى المبالغة في الأمور التي تصادفنا في حياتنا، في العموم، فالمبالغة في الحزن تغرقنا، وفي الفرح تغفلنا عن جادة الاستقامة، كما تخذلنا في تقدير قيمة الآخرين من الاشخاص، وتضيعنا عن ذواتنا وعن كيفية الاهتمام بآراء الاخرين، وقد تأخذك المبالغة إلى حدود الحسد والحقد، حيث حصاد الفرقة والعداوة التي لا تنتهي.
وعلى هذا، فالواجب يلزم الأخذ بقاعدة “لا إفراط ولا تفريط”؛ يعني الابتعاد عن المبالغة والإلتزام بما يسمى (التوازن) بكل أحوالنا الشخصية والمجتمعية، حتى نستطيع الاستمرار بيقظة وسلام؛
وما المبالغة إلا وهم خادع وفخ خفي، فارأف بذاتك، أيها الانسان، واحمِ نفسك من الخسارة والانهزام.
الناس فئات وأنواع، مصنفة حسب وعيها وادراكها ونضج عقولها، فنحن كاشخاص عاديون أمام من لا يعرفنا، ونحن سيئون مغرورون، امام من يحسدنا ويحقد علينا، ونحن رائعون مميزون أمام من يحبنا ويفهمنا، فلكل صنف أو نوع من البشر، حكمته ونظرته الى نفسه والى الآخرين. فعلينا أن نترك الأمر لصاحب الأمر، إذ يكفينا رضاه كغاية كبرى، ونبتعد عمن يستحيل رضاهم من البشر.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى