عربي ودوليمقالات

نضطّر للهجرة.. خشية غدر الوطن

خاص “المدارنت” / ألمانيا

نضطّر أحياناً للهجرة بحثاً عن الانتماء، نضطر الى الترك والترحال، نضطّر.. الدوافع كثيرة، والضغوطات عسيرة، والتفكّك الأسري والاجتماعي لا يوحي بالأمان، واختلال التوازن الاقتصادي ينذرنا بالفقر وانعدام الحياة، والفوضى السياسيّة تعطي الضوء الأخضر للفلتان الأمني على الانتشار، والتلوّث البيئي يصيب المواطن بعدوى، فيتلوّث الفكر ليعطي أمراً للقلب فتتجمّد عواطف الانسان، وتهدد بانعدام الانسانية، ناهيك عن أساسيات الحياة وأبسط الحقوق للمواطن، كتأمين فرص العمل والتحصيل العلمي وحق تأمين الطبابة والعلاج، وتجنيس أولاد الأم!

في لبنان التلوّث البيئي البصري السمعي والصوتي في أسوأ مراحله، وكأنها حرب لتهجير المواطن، في لبنان فرض عليك العمل ليل نهار كي تستطيع العيش، ورغم الجهد والكد والتعب، أنت كمواطن لن تستطيع توفير كل متطلبات الحياة الضرورية، ولا يحق لك العيش برفاهية.

حاولت جاهدة عدم ترك الوطن، حاولت وحاربت وتحدّيت، فكانت رحلة العشرين عاماً مكلفة جداً، عند الولادة استلزم مني دفع المبلغ المرقوم، وكأنني أشتري أطفالي، وعندما دخلوا الى المدرسة ترتّبت عليّ الاقساط الغير مؤجلة، الى ان وصلنا الى مكاتب التسجيل والأقساط الجامعية، هناك، حيث المبالغ المتراكمة، وكأنك تشتري أسهماً في (شركة) “سوليدير”، أو أنك تقوم بحجز فندق خمس نجوم لابن سياسي او أبن زعيم لبناني، والمستقبل الدراسي رهين العملة الصعبة الغير متوفرّة لدى المواطن، باستثناء عارضات وبائعات الاجساد والأصوات على المسارح، واصحاب السلطة والاحزاب وتجار السلاح، والرشاوي والمخدرات وسارقي السيارات والساسة!

قرّرت الهجرة

وضعت جدولاً لهذا القرار، أما الى بريطانيا أو المانيا، بدأت بتوسيع اتصالاتي مع من لديه نفوذ في تأمين تأشيرات السفر لابنتيّ، فالسوري محروم من السفر وروان ونورمان يحملان الجواز السفر السوري، ولن أستطيع تجنيسهما في عهد الرئيس ميشال عون “عهد الإنصراع والتعتير”، عذراً أيها الوطن، تشرّع أرضك للبغايا بإقامة دائمة وجنسية للغرباء عنك !

استطعت من خلال الرئيس (سعد) الحريري “مشكوراً” تأمين تأشيرات الدخول الى فرنسا، قدَّمت استقالتي، قمت ببيع سيارتي ، أغلقت داري، وغادرت، غادرت قبل أن يغدر بِنَا الوطن، وبدأت الهجرة في نيسان، من بيروت الى باريس، وهناك حيث التنفيذ، اجتمعت بشخصية تستطيع نقلنا الى لندن، لكن المبلغ باهظاً 18000 يورو، ولم يكن بحوزتي آنذاك اكثر من 5000 يورو، إضافة الى تكاليف الرحلة والمصروف المطلوب نحو المجهول الذي ينتظرنا نحن الثلاث،  أم برفقة صبيّتين!

 

5 سنوات من باريس الى ميونيخ

أربع ليالٍ باريسية ولم استطع النوم، وفي صباح اليوم الرابع، حجزنا القطار السريع الى ميونيخ / المانيا، رحلة الخمس ساعات، كانت وكأنها خمس سنوات، والأفكار تسافر بي تشرّدني حيناً وترشدني حيناً آخراً.

… ترجّلنا والحقائب الى رصيف الليل الغامض، الى بلد نجهل لغته وعالمه وشوارعه، نجهل أين نحن، والخوف يخيّم على وجوهنا مما ينتظرنا، وعندما أغلق القطار أبوابه، استدركنا اننا فقدنا حقيبة بداخله، وبدأت أركض خلف القطار قبل أن ينطلق، أركض وأضرب بكفيّ على نوافذه، أركض وأرجوه أن يسمعني قبل ان يمشي، أركض والمضيف داخل القطار يمشي، يراني، ينظر إليّ، ولا يعيرني أي اهتمام، أركض.. أركض بسرعة لم أركضها يوماً، وصلت الى باب الربّان، فسمح لي بالدخول، وعدت داخل القطار، أركض.. وأركض الى أن أصل وآخذ الحقيبة، نزلت وجلست على الرصيف أبكي وأبكي وأجهش بالبكاء، الى أن فرغت المحطة من القطارات والمسافرين، وصدى سكك الحديد يزيدني تشتتاً، اتصلت بصديقتي واصطحبتنا الى منزلها. ولاحقاً الى برلين، حيث تقديم اللجوء، وتوكيل محامٍ خاص بِنَا، وبعد التحقيق الاول ثم التحقيق الثاني وبعد عدة خطوات، رحبت المانيا بِنَا، ووافقت السلطات وفرشت لنا سجّادها الأخضر، فمنحتنا الاقامة والدراسة والطبابة والراتب وكامل حقوقنا كمواطنين لاجئين !

للهجرة إيجابيات

للهجرة إيجابيات كثيرة، تساعد على الانتقال آلى حياة أفضل من الناحية المعيشية والإقتصادية والعلمية، التعرف على لغات ولهجات وثقافات جديدة، اكتساب مهارات جديدة وخبرة في التعامل مع الأجانب وعادات وتقاليد جديدة، واكتساب صداقات جديدة، الحصول على الجنسية، وبذلك يتم تأمين خدمات صحية وتعليمية وإجتماعية افضل،  تنمية المجتمعات الفقيرة المتوسطة، تأمين عمل، بخاصة للشباب والمتخرجين من الجامعات، حيث يتمتع الفرد بالحرية، هناك الكثير من الراحة النفسية، ن الرحلات والتعرف على مدن ومناطق جديدة.

وأخيراً، مدح الله تعالى المهاجرين فقال سبحانه تعالى: ” فانتشروا في الارض واتبعوا من فضل الله”. صدق الله العظيم.

 ومن المعلوم: إذا الديار تنكرية عن أهلها     فدع الديار واسمه التحويلا

ليس المقام عليك حتما واجبا     في بلدة تدع العزيز ذليلا.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى