مقالات

نظام “برلماني” حرّ..!

ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”…

 

… درسنا في كتاب التربية الوطنية في المرحلة الابتدائية، بأن نظام الحكم في لبنان برلماني حرّ. ولم أدرك بأن صفة “الحرّ” هي مجرّد حبر على ورق. فالبرلمان الحرّ مقيّدٌ  بتوزيع طائفي.

ولو سلّمنا جدلاً، بأن لا جدوى من رفع شعار “كلّن يعني كلّن”، وقبلنا على مضض، بأن رئيس الحكومة المطلوب والمُنقذ للبنان، قادمٌ من الطبقة السياسية الفاسدة، وقد غرقَ في أكثر من مستنقع، وذلك قبل أن يبدأ بتشكيل الحكومة المنتظرة. فهل يمكننا أن نحظى بما يطمح إليه سعد الحريري، تشكيل حكومة “تكنوقراط”، خالية من الروابط والترسّبات لأحزاب شريكة بسلطة الفساد، وبالطبع، يشملها شعار الثورة: “كلّن يعني كلّن”.

وأذكر طرفة كنا نتداولها صغارًا، عن رجل طلب من أبنائه الثلاثة، أن يصمتوا لمدّة ساعتين فيعطيهم مكافأة، وبعد عشر دقائق قال الأول: “عطشت وأريد ماءًا”، فقال له الوالد خسرت. وبعد نصف ساعة قال الثاني: “أريد الذهاب إلى المرحاض”، فقال والده: خسرت.. فما كان من الثالث إلَا ان قال: الحمد لله الكلّ تكلّم إلاّ أنا!

وما ذكّرني بهذه الطرفة، بأن الأحزاب التي تدّعي عدم التدخّل في إملاء شروطها على تشكيل الحكومة – وهي تتدخّل من تحت الطاولة – تنتظر غيرها أن يتدخّل علانية للإنقضاض عليه، ومعايرته بمعايير ابتكرتها المكوّنات التقسيميّة، التي بدأت رحلة تقسيم الوطن على طبق المحاصصة، والتي شهدتها مسارات الحكومات المُنصرمة.

فالميثاقيّة (معيار لبناني بحت)، تعني أن يتشارك الحكم الطبقة المسيطرة من دون إعطاء المساحة لأحد. على سبيل المثال، وزارة المالية للثنائي الشيعي فقط، الذي احتكر مقاعد نيابية شيعية، لا تُمثّل إلا جمهورها المنتمي لهما حزبيًّا أو الصديق المقرّب، أمّا الشيعي المعارض، فصوته مُلغى من الساحة البرلمانية.

ولو أراد الثنائي أن يكون ليّنا في موقفه، فيطرح فكرة جديدة، وهي “المداورة”. وبذلك، يمكننا إطلاق صفة التقنين على الإحتكار. والتقنين ليس بمعنى إحتكار ولا إحتكار، بل بمعنى إحتكار وزارات من قِبل فئة، ثم إحتكارها من قِبل فئة ثانية. أي التقنين بالدور، فاليوم يحتكر الشيعة حقيبة المال، ثم لاحقًا يحتكرها السُنّة، والعملية نفسها حيث يحتكر المسيحيون بالمداورة، الحقائب التي تُدعى “سيادية”، وهذا المُصطلح من ابتكار لبناني، ولا أعلم إن كانت براءة الإختراع مُسجّلة.

فالحقائب الوزارية السيادية، هي كل حقيبة يملك صاحبها مفتاحًا يُغذّي أجندات خارجية، تعكس سياسة إقتصاد ريعي، فالدولة الريعية، هي الدولة التي تستمد كل أو جزء كبير من إيراداتها الوطنية، من بيع أو تأجير مواردها الأصلية للخارج.

وهذه الدولة الريعية التي باعت مواردها الى الخارج، وارتهنت كلّ فئة من مكوّنات الوطن إلى الزاوية الأيديولوجيّة الخارجيّة، هل يمكنها أن تنتظر حكومة تكنوقراط ومستقلّة من الأحزاب السياسيّة. وهل يمكن لسعد الحريري، الذي أعلن نفسه الرجل المطلوب للإنقاذ بعد أن اعتذر؟ وهل يستطيع أن يدوّر زوايا حقيبة المال (مثلاً) بالتشاور مع الرئيسين (نبيه) برّي و(ميشال) عون؟

كلّ ما أستطيع جزمه متيقّنًا لا متشائمًا، أن الرؤساء الثلاثة، باستطاعتهم أن يُكملوا نضالهم في تدوير الزوايا، لحشر جمهورهم التابع “الواهم لا الفاهم”. الكفاءة لا تُعرف إلاّ بالعمل على الأرض والإنجازات، وليست بالعنتريّات “التويترية” والإدعاءات الكاذبة. وقديمًا، هناك مثل شعبي يقول: “ما في أكذب من شاب تغرّب، وختيار ماتوا ولاد جيله”، ويمكننا الآن القول: “ما في أكذب من سياسي عنده حساب تويتر، وحسابات برّا البلد”!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى