مقالات

نـــظــــــام الــتــفـــــــاهـــــة..!

  د. بلال رامز بكري/ البرازيل
خاص “المدارنت”..
ماذا يقول الفيلسوف الكندي ألان دونو عن أنظمة عصرنا الحالي؟ 
 أصدر المفكّرُ والفيلسوف الكندي ألان دونو مؤخَّرًا كتابًا ملفتًا للإنتباه تحت عنوان “نظام التفاهة”. في هذا الكتاب يقول هذا المفكّر الكندي أن التفاهة قد بسطت سلطانها على كافة أرجاء العالم. فالتافهون قد أمسكوا بمفاصل السلطة ووضعوا أيديهم على مواقع القرار، وصار لهم القول الفصلُ والكلمة الأخيرة في كلّ ما يتعلّق بالخاصّ والعامّ. إنّ ألان دونو، بعمله الفريد هذا، يدقّ ناقوس الخطر  للعواقب الوخيمة المترتبة عن هذه السيطرة المحكمة للتافهين في كل المواقع. وهو يشرّح بشكلٍ مفصَّلٍ كيف مدّت التفاهة أذرع سيطرتها في كل اتّجاه وفي كل ميدان. من الميدان الأكاديمي، إلى السياسي، فالإقتصادي والتجاري، والمالي، والإعلامي، والفني. فكيف تمّت هذه السيطرة؟
في الأكاديمية
 يخلص ألان دونو إلى أنّ قطب الرحى في سيطرة التافهين على كل مفاصل الحياة المعاصرة يبدأ وينتهي في الأكاديمية، وهي الجامعات والكليات ومراكز الأبحاث. فالمنظومة الأكاديمية، في العالم برمّته، وحتّى في أشهر وأرقى جامعات العالم، قد صارت رهينة التفاهة والتافهين. قد يبدو هذا الكلام صادمًا للقارئ، لكن فيلسوفنا الكندي جازم في قطعه، فالأكاديمية قد استحوذت عليها التفاهة وأضحت تتحكم بمداخلها ومخارجها. وهذا ليس في المؤسسات الأكاديمية المنتمية لبلدان الأطراف، وإنما في عقر دار المركز، في أميركا الشمالية وأوروبا.
  لقد تنحّى المُثقَّفُ والحكيم والعالم، ليحلّ محلّه الخبير والإختصاصي والبروفسور. قد يبدو هذا اختلافًا بسيطًا في التسمية، لكنّ صاحبنا دونو ينبئنا أنّ لبّ المسألة يكمن هنا. وتشويه دور الأكاديمية وانحرافها عن رسالتها ومهمتها يتّضح بجلاء في هذه الثنائية التي تبدو غير ذات أهمية، ولكنها هي التي تميط اللثام لنا عمّا يجري بدقة وعمق وأمانة.
 فالمثقّف (الحكيم والعالم والباحث) يضع نصب عينيه الحق والحقيقة ويزن الأمور بوازع من ضميره قبل إطلاق أحكامه. لذلك فإنه لا يمكن أن يدع لأي ترغيب أو ترهيب أن يؤثّر على كلمته. وهو يقول هذه الكلمة حرّةً هادفةً، بما يقتضيه ضميره العلمي ومناقبيته الأكاديمية. فالإغراءات والضغوطات ليس لها أي وزن في عرف المثقف والحكيم والعالم والباحث. وبوجود أمثال المثقفين والحكماء والعلماء والباحثين الأحرار، فإن الأكاديمية تؤدّي على أكمل وجه ما يُنتَظَرُ منها من خدمات جليلة للناس، كل الناس، وليس لفئة منهم دون أخرى، أو لعصبة معيّنة على حساب المجتمع. هذه هي رسالة الأكاديمية برجالها ونسائها من دكاترة ونحارير ونطاسيين.
 في الجهة المقابلة، نجد الخبير (والإختصاصي والبروفسور والدكتور). والفرق الجوهري بين الخبير والمثقَّف، أن الخبير يبيع كلمته وضميره، خدمة لمصالحه الخاصة الضيّقة، وذلك على حساب الحق والحقيقة وإعلاءً لحساب الذين يرتبط بهم بمصالح. فالخبير مستعدٌّ أن يكيّف ويحوّر ويأقلم -وحتى يزوّر- الحقائق العلمية خدمةً للفئات التي تحتكر السلطة والمال والنفوذ. والخبير (بخلاف المثقَّف) على استعداد تام لخداع وتضليل الرأي العام، مستخدمًا في سبيل ذلك ما يحظى به من مكانة واحترام بنظر عامة الناس.
 وهكذا جرى “تتفيه” الأكاديمية وإفراغ ميادين الأبحاث والدراسات العليا من مضمونها، حتى صارت السيادة للسخافة والسفاهة حيث كان من المفروض أن تسود الحكمة والعلم والحق والأخلاق. ولم يعد من المهم أن يكون المرء مبدعًا وموهوبا حتى يتسنى له الصعود في الدرجات الأكاديمية، فالمهم أن “يلعب اللعبة” ويتقن فنون التملّق والتزلّف والإحتيال والرضوخ لنظام التفاهة.
 ولسائلٍ أن يسأل: لمصلحة من تحدث هذه الجائحة الأكاديمية؟ لماذا يحصل تتفيه مراكز العلم في أرقى المراكز وأشهرها وأنصعها صيتًا؟ الجواب، بحسب ألان دونو، هو من البساطة بمكان بقدر ما هو صادم: إن كل هذا ما يحصل إلا خدمة للسوق ولعالم يتحكم به أصحاب المليارات من الممسكين بزمام السلطة. الأكاديمية خضعت لقانون السوق. والعلم أضحى خادمًا ذليلًا لدى المال.
في الإقتصاد والتجارة والمال
في عالم الإقتصاد والتجارة والمال، يقول ألان دونو أنه عالم يحيط به الغموض من كافة جوانبه. فعالم البورصات والمضاربات المالية أضحى أسيرًا لأنظمة حاسوبية تتحكّم بها خوارزميات لا يعلم عنها الجمهور شيئًا. ولسنا نعني بالجمهور هنا عامة الشعب فقط، وإنما دارسي الإقتصاد والمال. فبالنسبة لفيسلوفنا الكندي، إن كنت طالبًا جادًّا ومجتهدًا في أرقى كليات الإقتصاد في العالم، فإنك ستتخرج وأنت على درجة من الجهل أسوأ مما كنت عليه لدى بدايتك بالدراسة في الكلية.
 فالمتحكّمون بالنظام المالي العالمي هم نخبة مكونة من قلة قليلة من الأشخاص الذين لا يبوحون بأسرارهم لأي كان. ووظيفة كليات الإقتصاد ومتفرعاتها ولواحقها من مراكز أبحاث هي إضفاء الشرعية لدى المجتمع لهذه المنظومة. فخبراء الإقتصاد الذين يتكلمون في وسائل الإعلام إذ يحاولون شرح خبايا المنظومة الإقتصادية والمالية للناس فإنهم لا يفعلون شيئًا إلا خداع الجماهير.
 وبهذا التمويه والتتفيه والتعمية يتأتّى للمنظومة المالية الإقتصادية إحكام سيطرتها على المجتمع. فالغموض مطلوب، وإخفاء قواعد اللعبة يحصل بشكل متعمّد، وكل هذا لترسيخ نهب خيرات الأرض وسرقة ثروات المجتمعات والإستحواذ على أصول الدول وجعل حكوماتها دمى لدى الأسياد الحقيقيين القابعين في الخفاء الظالم المظلم.
 ولا يغفل ألان دونو عن ذكر الجنات الضريبية المتوزعة على أماكن معدودة من العالم. ولا غاية من وجود هذه الجنّات الضريبية إلا لخدمة فئتين محدودتين في هذا العالم: أسياد الشركات والمؤسسات العابرة للقارات والناهبة للشعوب واسياد الجريمة المنظمة. وبين هاتين الفئتين من الأسياد تواطؤ واجتماع على المصالح المشتركة في استغلال الشعوب ونهبها وإفقارها.
في الفنون
 لا تظهر التفاهة بشكل فجّ وصادم ومباشر في نظامنا هذا كما تظهر في ميدان الفنون. فلا بأس من إلصاق ممارسات شاذّة وغريبة بالفنّ من أمورٍ لا تمتّ إلى الفنّ بصلة. والطامّة الكبرى في هذا الميدان تكمن في الترويج لقضايا تزعزع أسس المجتمعات وتنسف ثوابتها وعوامل اللحمة والإستقرار فيها. فليس من الضروري لكي تكون “فنّانًا” في نظام التفاهة ان تمتلك حيثيات ومهارات معيّنة وأن يكون عندك رسالة لتؤدّيها او كلمة نافعة لتقولها. قل أسخف السخافات، وتشدّق بأكثر الخرافات لامعقولية، ولا عليك، فهذه هي البوابة الفضلى لدخول عالم الفن بكفالة نظام التفاهة وضمانة أربابه.
 كان من ألزم اللزوميات وأكثر الضروريات إلحاحًا أن تصل التفاهة إلى ميدان الفنون. فتتفيه المجتمع وإفراغه من القيم وإقصاء الذوق الرفيع والسلوك النبيل والقويم، هذا كله من أولى الأولويات لإرساء قواعد منظومة التفاهة وبسط سلطانها. ومجددًا، لا غاية من وراء هذا كله إلا التمكين لناهبي ثروات الشعوب القائمين بإفقار كافة المجتمعات خدمة لمصلحة نخبة عالمية غربية مع أتباعها من أنحاء العالم الأخرى.
ما العمل؟
 أما وقد ساد نظام التفاهة وسيطر على كافة البلاد وجعل سيفه مصلتًا فوق رقاب العباد بواسطة ترساناته العسكرية والحربية وقواه الناعمة من أكاديمية ومال وإعلام، وسيطر على كافة موارد الأرض، بحيث تمكّن الفساد من ناصية منظومة الحكم العالمية، وأضحت العودة إلى الوراء شبه متعذرة نظرًا لاستفحال أمر هذه المنظومة، أما وقد كان من أمر “نظام التفاهة” العالمي ما كان، فما العمل؟ هل ستستمر الأمم والشعوب بالقبول الذليل والسلبي بهذه المنظومة التي تأخذ الجماهير العالمية إلى حتفها؟
 يعوّل ألان دونو على الدور الذي من الممكن أن تلعبه النخب المثقفة التي عجز عن سحقها نظام التفاهة، فنأت بنفسها عن مؤسساتها، وانسحبت من أكاديمياته. هذه النخب، على الرغم من قلّتها وندرتها وتشرذمها، لا تزال قادرة على أن تفعل شيئًا في وجه التدمير والتخريب الممنهجين لكوكب الأرض، انسانيا واجتماعيا واقتصاديا وبيئيا واكاديميا وفنيا. ولعلّ الكلمة التي يختم بها ألان دونو كتابه، لعلها مليئة بالدلالات وطافحة بالمعنى: كن راديكاليًا! وإنني أردد مع صاحبنا الكندي: “نعم أيها المثقّف الحرّ، كن راديكاليًا، وارفض نظام التفاهة، وارفض الأنظمة التي تستغل الشعوب وتدمّر مواهبها وموهوبيها وتستنفد مواردها وتنهب خيراتها. كن راديكاليًا يا رفيقي! كن راديكاليًا!”
==========================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى