مقالات

نقاط على حروف “سليماني”..

عبد الحليم قنديل/ مصر

كتب عبد الحليم قنديل في “القدس العربي”.. ليت طهران لم ترد صاروخيا على قتل أمريكا للجنرال قاسم سليماني، فقد جاء الرد سريعا، وقبل أن تتم مراسم الدفن الأخير لسليماني فى مسقط رأسه، فيما بدا كتخطيط مسبق مقصود، لكن الضربة الإيرانية المزدوجة لقاعدتي أمريكا “عين الأسد” و”حرير” فى العراق، لم تسفر عن إصابة أمريكي واحد، وكأن القصة كلها متفق عليها، أي أن تنجو أمريكا بفعلتها من دون عقاب جدي، بدا أن إيران لا تقدر عليه.

وبدا أن إيران تعاملت مع الضربة الأمريكية بعقلية “البازار” المساوم، لا بعقيدة الاستشهاد الشيعي، واكتفت بهمزة وصل واهنة، أطلقت فيها صيحة “الله أكبر” في شوارع إيران، وهي تتابع انطلاق صواريخ الانتقام المضيئة في السماء، وكأنها ذاهبة لتدمر أمريكا، أو لتقتل على الأقل مئات الجنود الأمريكيين في قاعدة “عين الأسد”، التي تضم أكثر من خمسة آلاف عسكرى أمريكي، ثم لم يسفر هياج الصواريخ وحماس الإيرانيين عن شيء يذكر، اللهم إلا أضرارا مادية بسيطة، جعلت الرئيس الأمريكي ترامب، يقول متطاوسا أن “كل شيء على ما يرام”، فقد ابتلعت إيران خسارتها الفادحة بمقتل جنرالها الذهبي ورفاقه، والتزمت حرفيا بصياغة واشنطن المفضلة لحدود الرد الإيراني المطلوب، وقد كان ذلك ظاهرا بعد ساعات من مقتل سليماني، في رسالة أمريكية عاجلة، كشف عنها المسئولون الإيرانيون وقتها، ورفضوها بحزم لفظي صاخب، وصلت الرسالة عبر السفارة السويسرية فى طهران، المكلفة برعاية المصالح الأمريكية، وبدت الرسالة في صورة نصيحة للقيادة الإيرانية، تطلب منها أن ترد صوريا على ضربة سليماني، لدواعي امتصاص الغضب الشعبي، ولكن من دون أن تمس بالأذى أمريكيا واحدا، وهو ما استهجنته القيادة الإيرانية، وقالت أن رأس ترامب نفسه لا يساوي رأس سليماني، وتعهدت برد ماحق، لم نرَ منه غير رشقات صواريخ، ضلت عن أهدافها، وعلى نحو شبه متعمد، وكأنها رشقات ألعاب نارية، لم يقصد من إطلاقها سوى إنارة السماء في طقس احتفالي غريب، أعقب سلاسل الجنازات الحزينة، وأعلنت بعده طهران نهاية ردها، وهكذا اكتفت طهران من الغنيمة بالإياب، بعد أن أبلغت واشنطن عبر بغداد بضربتها الصاروخية، ومنحت الأمريكيين وقتا، أمروا فيه جنودهم بالنزول إلى ملاجيء محصنة تحت أرض قاعدة “عين الأسد” في الأنبار وقاعدة “حرير” في أربيل .

وهكذا، خسرت القيادة الإيرانية غالب التوابع الإيجابية الجانبية لمقتل سليماني، فقد كان الجنرال أبرز قائد عسكرى إيراني بعد ثورة الخمينى، وحظي بوداع غير مسبوق منذ وفاة الخمينى نفسه، وسارت عشرات الآلاف من الإيرانيين، وربما مئات الآلاف، خلف نعشه، وإلى حدّ قَرن مقتله باستشهاد الإمام الحسين، ورسم صور مُتخيلة لاحتضان الإمام الحسين لسليماني، وكأن سليماني هو الحفيد المختار البار لسيرة جده الحسين بن علي، وكلها مبالغات مفهومة، فقد نظر الإيرانيون إلى سليماني كبطل قومي وديني معا، وهو شعور لم تشاركهم فيه شعوب عربية مجاورة لإيران، وضع غالبها سليمانىي فى مكانة القاتل لأهلهم وأحلامهم، باستثناء جماعات موالية لطهران، تتلقى معونات مستدامة من خزانة المال والسلاح الإيرانيين، وشاركت بحرارة في وداع سليماني، وسط أجواء من انقسام الشعور بين جمهور هذه الجماعات نفسها، إلى حد تجاور مراسم الحزن والفرح بمقتل سليماني في المكان نفسه كما جرى في غزة مثلا، وقد لا تبالي القيادة الإيرانية بمشاعر العرب المحبين أو الكارهين، والأهم عندها هو الجمهور الإيراني، الذي نفخ فيه موت سليماني نفحة من روحه، وعلى نحو بدا فيه طابع التأييد للنظام ظاهرا، ومن قطاعات إيرانية واسعة، لا بأس بإلهاب مشاعرها، وبطريقة تدفع عن القيادة الإيرانية هواجس ووساوس تحرك الناس ضدها، كما بدا قبل أسابيع فى انتفاضة البنزين، التي تطورت شعاراتها إلى حد رفض بقاء النظام نفسه، وشارك سليماني في قمعها بهمة نيرانية، أوقعت مئات القتلى بين المنتفضين، ومع مقتل سليماني الدرامي على يد الأمريكيين المكروهين بالفطرة، بدت جماهير التشييع الهائلة، كأنها تعطي نفسا إضافيا لحكم الملالى، لكن الرد الخائر الذي نفذته القيادة الإيرانية، وبدرجة من التفهم المحسوس لرغبات، وربما أوامر واشنطن عاصمة “الشيطان الأكبر”، قد يعود بنوع من “سحب الثقة” الخطر في النظام الإيراني، ليس فقط عند جمهوره الداخلي، بل أيضا عند جمهور الجماعات “العربية” الموالية لطهران .

وأيا ما كان الأمر، فقد مات الجنرال سليماني دفاعا عما يعتقده، وبإخلاص كامل لمصالح دولته، وكان الرمز الأبرز المكثف لتمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، وعلى حساب أقطار العرب الممزقة بالذات، وإن بدا في الوقت نفسه، خصما محاربا لكيان الاغتصاب الإسرائيلي، ولهيمنة أمريكا المطلقة على قرارات أغلب الحكام العرب، ونسجت حول الرجل هالة من الأساطير، قد تكشف الأيام حجم الحقائق فيها، وإن كان توقيت قتله الدامي مثيرا للتأمل من زاوية لقاء الأقدار، فقد رحل في لحظة، بدا فيها أن عصره يوشك على الرحيل معه، وبدا أن امبراطورية نفوذ إيران التي بناها، توشك أن تتفكك، وتصيبها شروخ عميقة، فخرائط النفوذ الإيراني تعيش أسوأ أوقاتها، بانتفاضة شعب المشرق العربى هذه المرة، من لبنان إلى العراق، وإن كان تشقق النفوذ الإيراني أبطأ في لبنان، ربما بسبب ظروف نشأة وتاريخ حزب الله المدعوم إيرانيا، الذي دخل في حروب ضارية مع كيان الاغتصاب الإسرائيلى، وعد عنوانا على مقاومة عربية من نوع مختلف، برغم تراجع أسهمه الشعبية في السنوات الأخيرة، وغرقه في وحل حروب طائفية بسوريا المكلومة، أدارها سليماني غالبا، بينما يبدو تشقق النفوذ الإيراني بالعراق أكثر استفحالا، فقد كان سليماني هناك منذ بداية المأساة العراقية الراهنة، جرى اختياره في 1997، قائدا لما يسمى “فيلق القدس” التابع للحرس الثورى الإيراني، الذي أنشأه الخميني تحسبا لخيانة جنرالات الجيش الإيراني الرسمي، وكانت بداية قصة الرجل في غمار الحرب الإيرانية العراقية، التي استغرقت غالب سنوات عقد الثمانينيات من القرن الفائت، وظهر فيها تفوق الجيش العراقي على نظيره الإيراني، وكان سليماني مجرد عامل بناء، التحق بالحرس الثوري عند بواكير تشكيله، وبرز دوره مع ظهور مواهبه العسكرية، وولائه اللامتناهي للقيادة الدينية الإيرانية، وإلى حدّ، أنه صار مركز الثقة الأول في حسابات خامنئي خليفة الخمينى، وصار في مكانة الرجل الثاني الفعلي بعد خامنئى شخصيا،.

ومنحه خامنئي وسام “ذو الفقار”، الذي لم يُمنح لأحد غيره، فى إشارة إلى أفضلية “ذو الفقار” سيف سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكانت القفزة الكبرى في سيرة سليماني، مع غزو واحتلال أمريكا للعراق، وبدء مسلسل تحطيم العراق، بحل الجيش العراقي وشنق صدام حسين، وإصدار قانون اجتثاث حزب البعث، وسريان سرطان الفتن والاحترابات الطائفية، والحكم اللصوصي للأحزاب الموالية لإيران، وكان سليماني حاضرا في محطات الاجتثاث الدموي للعراقيين الوطنيين، وشريكا مع الأمريكيين في حروب إفناء حياة العراقيين، وإهلاك حواضر ومدن العراق، الكبرى بدعوى الحرب ضد إرهاب “داعش”، الذي فاقه إرهاب منظمات “دواعش الشيعة”، التي صنع سليماني أخطرها، وكان الحاكم الإيراني الفعلي للعراق من وراء ستار، وبالتفاهم المباشر وغير المباشر مع الجهات الأمريكية، وبتكوين شبكات نفوذ اصطدمت بانتفاضة العراقيين الأخيرة المتصلة، التي تطلب الحرية للعراق من ظلم وسطوة الاحتلال الأمريكي، والهيمنة الإيرانية التى أعقبته.

 وكان مثيرا، أن جغرافيا الانتفاضة تمددت في مناطق الجنوب والوسط وصولا إلى بغداد، وأن جمهور الانتفاضة الغالب من الشيع ، الذين هتفوا ضد سليماني وضد إيران، وبدت رغبتهم جامحة في استعادة الهوية الوطنية العراقية الجامعة، وإعادة تأسيس العراق عربيا خالصا، وقد فعل سليماني وأتباعه في العراق ذات الرزايا التي ارتكبها في انتفاضة إيران، وقاد عصابات اختطاف وقتل قادة انتفاضة العراق، الذين أحبطوا خطط سليماني في تشكيل حكومة طائفية جديدة موالية لإيران، وكان فشل سليماني كأنه ختام لدوره، الذي طويت صفحته بصواريخ طائرة أمريكية مسيرة بالقرب من مطار بغداد، بينما كان ذاهبا الى العراق مع رهط من رفاقه، في رحلة جديدة لاستكمال خطط سحق الانتفاضة العراقية الوطنية، وتنصيب حكومة الحائط الأخير لإيران فى العراق، وقد بدا الطريق إليها مسدودا بعد مقتل سليماني، وبعد تواضع الرد الإيراني، الذي انتهك ما تبقى من سيادة صورية للعراق، ومن دون أن يتحقق الثأر الموعود لسليماني، ولو بخدش جندي أمريكي واحد .

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى