مقالات

نقش على جدار الثورة السودانية.. (5/2)

د. علي ابراهيم*/ السودان

خاص “المدارنت”..

فترة حكم الطاغية عمر البشير و التى إمتدت إلى ثلاثة عقود، كانت من أسوأ أنظمة الحكم في العالم. و مورست فيها كل أساليب القمع و البطش والتنكيل و الإستبداد، و قادت إلى حروب أهلية في بقاع مختلفة من البلاد و التى يزال بعضها مشتعلا حتى اللحظة، وكان من نتائجها فصل جزء عزيز من التراب السوداني و إقامة دولة جنوب السودان.

وطال الدمار الشامل معظم المؤسسات الحكومية والخاصة، و المشاريع المنتجة وأوصل الإقتصاد إلى حافة الهاوية، وأفرغ المؤسسات العسكرية والأمنية من قيمها الوطنية القومية،  فارضا عليها فكرا و رؤية آحادية تلبس رداء الدين والدين منها برئ.

وجعل من زمرته وبطانته وأتباعه صفوة يتحكمون ويسيطرون على مفاصل الإقتصاد والخدمات ، مقابل السواد الأعظم من الشعب الذى يعيش الفقر والبطالة والإضطهاد.

وطوال تلك السنوات العجاف لم تتوقف المقاومة الشعبية و العسكرية، وكانت تطفح إلى السطح فى إنتفاضة من حين لآخر تطالب بالتغيير وبسط  الحريات.

 وكانت معظم القوى السياسية تعمل فى السر و الخفاء، منفردة أو متحالفة، تتحين الظرف للوثوب و الإنطلاق بالجماهير من أجل الإجهاز  على النظام  وإقامة الدولة الديمقراطية.

وكانت السلطة الغاشمة تمارس شتى أنواع  الإرهاب و التعذيب و القتل فى ما كان يسمى ببيوت الأشباح أو فى المعتقلات المعلنة والمخفية. وسقطت أعداد مهولة من الشهداء والجرحى.

جاءت بشائر اللحظة التاريخية الفاصلة والحاسمة في إنتفاضة شعبية عارمة من مدينة عطبرة في شمال السودان فى 19 ديسمبر 2018  ولحسن الطالع كان هذا أيضا تاريخ إعلان إستقلال السودان فى 19 ديسمبر 1955 على يد الزعيم التاريخى إسماعيل الأزهري.

وتوالت الإنتفاضات الشعبية في مدن كريمة و دنقلا و ثم عمت معظم مدن السودان الكبيرة ولحقت بهم الخرطوم بعد حين، ولم يمض وقت طويل حتى أصبح كل السودان بمدنه وقراه وريفه، في مد جماهيري ثائر لا يوقفه إلا  النصر الأكيد. أيقظ الحس الوطنى والقومي وحفز شعوب عربية للثورة والتحرر من قيود الإستبداد والتغييب كما حدث فى الجزائر ولبنان والعراق.

وبمبادرة حصيفة تبنى تجمع المهنيين قيادة و توجيه الثورة. و هو تجمع نقابى تكون فى مواجهة نقابات النظام المزيفة. وكانت شعاراته مطلبية بحتة فى البداية، كرفع الحد الأدنى للأجور وتحسين ظروف العمل وغيرها من القضايا المماثلة.

وكانت الثورة فى حاجة ماسة إلى القائد والموجه، فإرتضت الجماهير قيادة تجمع المهنيين بثقة و طمأنينة و كانت تلبي توجهاته وتنفيذ حركة جداول الثورة بدقة عالية و طاعة متناهية وبشجاعة منقطعة النظير، وإلتزمت بالسلمية رغم محاولات جرها إلى دائرة العنف والتخريب من قبل قوات الأمن التى مارست عليها قسوة مفرطة غير مسبوقة، من ضرب وتعذيب وإعتقال وهتك للأعراض .

وفى الفاتح من يناير 2019 أعلن ميثاق تجمع قوى الحرية والتغيير ليشكل تطورا مهما وملحا وملزما في ثبيت أسس ومعايير الثورة و الوصول بها إلى أهدافها المعلنة في الحرية والسلام والعدالة وتفكيك دولة الإنقاذ ومحاسبة رموزها سياسيا وجنائيا وإقامة الدولة المدنية الشعبية الديمقراطية.

وقعت على هذا الميثاق خمسة  تحالفات رئيسة وتبعها فيما بعد أحزاب و حركات سياسية أخرى. ومن تلك اللحظة أصبحت قوى الحرية والتغيير هى الحاضنة السياسية للثورة.

و هذه التحالفات هى:

1 : نداء السودان هو تحالف فضفاض يضم فسيفساء من الأحزاب والحركات المسلحة ويقوده السيد الصادق المهدي المعروف بمحاولاته المتكررة للتصالح مع النظام البائد بما بات يعرف لدى السودانيين بـ(الهبوط الناعم). و يضم هذا التحالف أيضا حزب المؤتمر السودانى والذى يرأسه السيد عمر. وكان ملفتا لنظر المراقبين السياسيين، سفر قادة الحركات المسلحة و ممثلى هذين الحزبين إلى إحدى الدول الخليجية فى آن واحد مما أثارالريبة والشكوك. و عادوا بتصريحات لا تصب في مصلحة الثورة و من نتائجها إنسلاخ تلك الحركات و تعنت مواقفها تجاه الحل السياسي كما هو ماثل في محادثات جوبا .

2 : التجمع الإتحادى المعارض وهو تحالف لسبع أحزاب سياسية معارضة إنشقت من الحزب الإتحادى الديمقراطي بعد تحالفه مع نظام الإنقاذ. وقد أبلى شباب هذه الأحزاب بلاءا حسنا ،إضافة إلى شباب الأحزاب الإتحادية الذين خالفوا قادة أحزابهم و كان لهم دورا طليعيا ورائدا فى ترتيب وقيادة الحراك ونالوا القدر الكبير من التنكيل والإعتقال.

3 : تحالف قوى الإجماع الوطني هو تحالف يضم أحزاب يسارية ووسطية وقومية يقوده السيد فاروق أبو عيسى وقد كان له مبادرات سياسية ومساهمات مهمة  فى تأطير وبلورة رؤية مشتركة لحالة ما بعد سقوط النظام.

4 : تجمع القوى المدنية وهو تجمع نخبوي، يتكون من شخوص لهم الإعتبار والحضور السياسي و لكن بلا قاعدة جماهيرية.

5 : تجمع المهنيين وهو تجمع نقابى تكون من المهندسين والأطباء والمحاميين والبيطريين وغيرهم من المهنيين، وكان له الدور المؤثر والفاعل في قيادة الحراك الشعبي.

وكان التحدي الأكبر في كيف يستطيع هذا التحالف الهلامي – والذى يحمل في جوفه كمية من التناقضات الواضحة و المواقف المتباينة، المعلنة والخفية – أن يحافظ على تماسكه ووحدته ويكون حفيظا على الثورة وراعيا لها، والوصول بسلاسة إلى نهاية الفترة الإنتقالية.

عندما سقط النظام السابق فى أبريل 2019 بدأت سوءات قوى الحرية والتغيير تظهر للعلن.

وقد فشل فشلا ذريعا عندما قبل أن تكون اللجنة الأمنية الإنقلابية – والتى كانت مسؤولة عن حماية نظام البشير – شريكة في سلطة الثورة، وكذلك عندما فشل في إعلان مجلس السيادة و مجلس الوزراء حال سقوط البشير.

 ودخل في مفاوضات عبثية مع العسكر أدت إلى تسليمهم السلطة السيادية وقدر كبير من السلطة التنفيذية، ورئاسة الفترة الأولى من المرحلة الإنتقالية. وكان موافقتهم على الوثيقة الدستورية بذلك الشكل المعيب خطأ جسيما آخر، أدى إلى تعطيل إنفاذ العدالة الإنتقالية وتغول مجلس السيادة فى العمل التنفيذي للحكومة.

ثم جاءوا برجل لم يكن جزءا من الثورة، رئيسا للوزراء، ففرض شروطه في إختيار الوزراء مستعينا بقرارهم في أن يكون الوزراء من التكنوقراط، وليس من السياسيين الحزبيين المحترفين، وكانت النتيجة تشكيل مجلس ضعيف دون مستوى المرحلة والفعل الثوري الناجز. و لجأ إلى خزانته القديمة ليخرج منها رؤساء الإدرات المدنية متجاوزا القوى السياسية الحية التى صنعت الثورة وأتت به لقيادتها!

وكان متوقعا أن تقف  (قيادة) الحرية والتغيير مدافعة عن مباديء الثورة و قيمها، ولكنها  دخلت في صراع محموم من أجل المحاصصة البغيضة، فى تدافع ذاتى و أناني أشبه بحال المسلمين في يوم أحد، حيث هرولوا نحو الغنائم و تناسوا نصرة الحق!

ووضح جليا بأنهم لم يكونوا جاهزين أو مستعدين لإستلام السلطة، ولم يكن لهم برنامجا أو خطة متفق عليهما لإدارة مرحلة ما بعد نجاح الثورة.

وفى الوقت الذى كانت الخرطوم تموج بالأحداث العظام ذات الأثر المباشر على مسار الثورة، تحرك هؤلاء  (القادة) فى نفرة سياحية إلى عواصم أوروبا و أمريكا وأديس أبابا وجوبا ودول الخليج العربي، ولا أحد يدرى ما هو المغزي من وراء تلك الزيارات والبلاد تواجه رياح التغيير العاصفة في مواجهة التحديات والمخاطر والمهددات والتى تركت بصماتها السلبية على حاضر ومستقبل الثورة.

وإذا أعدنا النظر  إلى حال تجمع قوى الحرية والتغيير، نجده قد صار هيكلا فارغا من أي محتوى سياسي أو سند جماهيري أو إحساس صادق بقيم الثورة و أهدافها.

  وهذا ما فطن إليه المكون العسكري وكذلك السيد رئيس الوزراء.  ولذا كانت قرارتهم والتى تمس مصير البلاد وإستقلالها ومواقفها المبدئية، تتخذ فى معزل عنه، وفى أحيان كثيرة يعلم بها بعد أن تعلن فى أجهزة الإعلام! ومكوناته أضحت غير فاعلة وغير متناسقة وتتصارع فيما بينها.

السيد الصادق المهدي رئيس نداء السودان يغرد خارج السرب، ويدعو إلى تحالف جبهوي جديد ويغازل الأحزاب الإسلاموية التي كانت جزء من سلطة البشير البائدة، ويدعو إلى إنتخابات مبكرة على خلاف المتفق عليه، ولايجد فرصة، وإلا يكيل الهجوم على قوى الحرية والتغيير والحكومة معا. وشريكه فى (النداء) السيد الدقير عبر فى أكثر من مرة بأراء ومواقف مشابهة.

 والحركات المسلحة والتى هى أيضا جزء من هذا (النداء)، وبالتالي هى جزء من تحالف تلك القوى، خرجت تفاوض الحكومة الإنتقالية فى جوبا من أجل الحصول على محاصصة في المال والسلطة عبر أجندة جهوية وقبلية، بعيدا عن أي عمل جامع  وبصورة منفصلة تماما عن حلفائها السابقين.

وتجمع المهنيين تعصف به الخلافات وشلت حركته، وأضحى غير قادر على التوافق داخليا ناهيك في أن يقوم بدوره الطليعى كما ينبغي.

والتجمع الإتحادى والذى كان مشروعا لقيام الحزب الإتحادى الواحد الموحد، تمزق وتقزم وفقد بريقه ودوره الرائد ووضع نفسه في هامش السياسة ومجرياتها ولذلك نجد ان السيد حمدوك يتجاوزه في كل قرارته إلى ما سواه، تيقنا في ضعفه.

وتحالف قوى الإجماع الوطني ظلت  مثأثرة بقدر كبير بحالة السيد فاروق أبو عيسى – متعه الله بالصحة – وغير متجانسة وبينها خلافات وأبرزها موقف الحزب الشيوعي من مجمل العملية السياسية في البلاد.

ومن كل هذا ينجلي لنا الواقع الحقيقي لقوى الحرية والتغيير الفاقدة للعطاء. وإنعكس فى عجز كبير وصل إلى حد عدم مقدرته فى عقد إجتماعاته الدورية والاستثنائية لأسباب مختلفة.

وفشلت محاولته فى إخراج الجماهير فى دعوتين مليونيتين فى الفترة الأخيرة، نتيجة الإحباط و اليأس من الدور المخيب والمخذل لمآل الثورة، فضعفت الثقة وأهتز الأمل وخاب الرجاء. والشعب حى فطن. يجيد القراءة الصحيحة ويحاسب ويقرر ولا ينخدع أو ينجر خلف هواة سياسة بعد كل تلك التضحيات الجسام و العظام.

أضحت الثورة مكشوفة وبلا حاضنة سياسية مؤطرة . وأي ركون إلى قوى الحرية والتغيير سيطفئ ما تبقى من ضوء شمعة متقدة في النفوس المتطلعة إلى تغيير صادق لحال البلاد وسيقود إلى التيه و الضياع.

أن دماء الجرحى لن تضيع وأن أرواح الشهداء ستكون هى الدليل والنبراس والبوصلة لطريق التصحيح والثبات.

ولا حل غير أن تملك الجماهير زمام المبادرة مرة أخرى، وتفرز قيادتها الصادقة والأمينة من لجان المقاومة الشعبية، في أنحاء البلاد فى القرى والأرياف والأحياء والمدن، وتحافظ على ثورتها، وتضع عليها بالنواجذ وتتجاوز القوالب المعدة سلفا، وتنتقل إلى فعل جماهيري شعبي، بلا محاصصة وتنتخب قياداتها ديموقراطيا وتفرضها في السلطات السيادية والتنفيذية والتشريعية فى صياغة جديدة للمشهد السياسي، وبذلك تملك السلطة للشعب بلا وصاية من أحد و تكون إرادته هى الحاضرة و الغالبة.

وعلى لجان المقاومة الشعبية أن ترفض حالة تهميشها ووضعها في الدور الخدمي حصرا،  وأن تلعب دورها السياسي كاملا. وأن تكون واعية ومستيقظة إلى المتقلبات والمؤمرات  التي تحاك ضد البلد وثورته فى الداخل و الخارج، وبقدر المسؤولية فى التفاعل والفعل.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى