نهاية “الترامبيّة” وتداعياتها..!

خاص “المدارنت”..
لم تكن الولايات المتّحدة، في تاريخها، أقلّ من دولة استعماريّة “أمبرياليّة”، تسعى الى الهيمنة والسيطرة على ارادة البشر وثرَواتهم ونُظُمِهِم، جملة وتفصيلا، في طول الأرض وعرضها وفي أجواء السماء حيث يصل علمها وتقنِيّتُها وجبروتها.
في هذه الأجواء المتربِّصة بالآخرين، والساعية دائمًا الى التذكير بالتفوُّق والعلوّ والزهوّ، نشأ وترعرع الأميركيّ – الأبيض تحديدًا – وبنى حياته الفكرية والنفسية والمعيشيّة التي لم تعرف حدودًا لشططِها، المرتبط عضويًّا بافاق الحلم الأميركيّ الذي لا يعرف المستحيل!
في هذا المجتمع المترامي الأطراف، محليًّا وعالميّا، بشريًّا وأمنيًّا وعسكريًّا وماليًّا، تنامت بيئة عنصريّة كانت قد تأسّست في عمليّة استيلاء الأوروبيّين على البلاد، وتجريد سكانها الأصليّين من سلطتهم وأرضهم وكلّ حقوقهم المدنيّة، واقامة الولايات المتحدة الأميركيّة التي انطلقت بتلك الثروات الطبيعيّة الهائلة، لتبني أمبراطوريّة عسكريّة وماليّة لا تغيب عنها شموس الأرض والسماء!
شهدت هذه البيئة العنصريّة عبر التاريخ الأميركيّ، مراحل توسُّع وضمور، تبعًا للظروف والأحداث والتطوُّرات والحروب التي مرّت فيها البلاد والعالم. لكن، لم ترَ اميركا، ولا العالم، صعودًا جامحًا الى اعلى موقع في الدولة الأميركيّة لهذه الحالة المتفَلِّتة والوَقِحَة من العنصريّة المميتة، الّا مع وصول “دونالد ترامب” الى سدّة الرئاسة في البيت الأبيض.
تجمّعت حول حملة ترامب الانتخابيّة عام 2016، كلّ القوى والحالات العنصريّة، التي وجدت لها جذورًا في مواقع انتشار العرق الأبيض “الانغلو/سكسونيّ” في الأرياف الاميركيّة الشاسعة، الممتدّة على مساحة الأرض والبشر. هذه القوى والحالات تململت واستغلّت قلق البنية المجتمعية الاميركيّة التي رأت في وصول رجل اسود، من الاقلِّيّات العرقيّة، الى اعلى موقع في سلطة البيت الأبيض، وبقائه هناك لثماني سنوات، تهديدًا صارخًا لسلطتها وقبضتها ونفوذها و”لِمُلكِيّتِها” المطلقة، لأقوى وأعظم سلطة في التاريخ البشريّ.
هذا الاستغلال للّحظة التاريخيّة من قبل المجموعات العنصريّة، المتجذِّرة أصلًا في المجتمع الأميركيّ، والمُستوعَب الى أبعد الحدود من رجل الأعمال الملياردير، الذي لا علاقة له بالسياسة والدولة والحكم “دونالد ترامب”، وفريق عمله الانتخابيّ أسهم في الفوز بالموقع الاوّل والاعلى في بيت أبيض الولايات المتّحدة الأميركيّة.
لم يكن ذلك مجرّد فوز لمرشّح في الانتخابات على مرشح آخر، او فوز حزب على اخر، انّما استيلاء جماعة قويّة مُتَمَكِّنة، تحمل مشروعًا في غاية الخطورة على المجتمع الأميركيّ وما حوله، وعلى العالم كلِّه. هذا المشروع لا يمكن له أن ينتعش ويمتدّ وينتشر الّا بوجود قوّة عظمى، كالولايات المتحدة الاميركيّة، توَفِّر له المناخات الملائمة محلِّيًّا وعالميّا.
… وهكذا كان لاربع سنوات تلت، شهدت أميركا والعالم خلالها أبشع الممارسات والضغوطات التهديدا ، التي خلت من أدنى اللياقات في التعامل البشريّ، من قبل السلطات العليا في “البيت الأبيض” الأميركيّ.
في هذه السنوات الأربعة، نمت الحالات العنصريّة في أميركا وحول العالم، بشكل لم يسبق له مثيل، الى حدّ يهدِّد الامن الاجتماعيّ للجماعات والأفراد ويسمِّم الاجواء الانسانيّة التي حقّقت خطوات هائلة في عشرات السنين، نحو التعايش والتآلف، وحتّى الاندماج الكامل بين كلّ المكوّنات الدينيّة والقوميّة والعرقيّة والطبقِيّة في كل دول وسلطات الأرض.
هذه الحالات العنصريّة في أميركا والعالم، وجدت في “ترامب” رائدَها وقائدها وزعيمها، وصانع كيانها في سلطة أقوى دولة في العالم، ورأت فيه منارة ومحور استمراريّتها وتعاظُم قوّتها ونفوذها وسلطتها وحفاظها على “مُلكِيّتِها” للولايات المتّحدة الأميركيّة، وبالتالي لهيمنتها وسيطرتها على العالم وآفاق تطوُّرِهِ ومساراتِه.
هنا كانت المعركة الكبرى في انتخابات 2020، التي فهمها الجميع، من عنصريّين وغير عنصريّين، بأنّها المعركة الحاسمة في الصراع على البقاء والاستمرارية.
… وهُزِم “ترامب” شرَّ هزيمة، وتداعت هياكل كلِّ الذين كانوا يراهنون على هذا الحصان الأبيض، الذي سيجعل من أميركا والعالم مستعمرةً لهم ولهلوَساتِهم، التي بدَّدَها الزمن، بتطوُّر وتعزُّز العلاقات الانسانيّة المنفتحة والمفتوحة بين الجماعات والأفراد والمكوّنات البشريّة كلّها، ممّا جعل تفكّكَ المجتمع الانسانيّ عصِيًّا على كلّ محاولات بعث العنصريّة وسُمومها وآفاتها و مِحَنِ شرورها.
=======================




القوة مغرية استاذنا