مقالات

هيكل سليمان.. والزعيم..

ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”..

 

لم أتفاجأ طبعًا من زعيم ديني يتعاطى السياسة، أن يُعلن للجمهور بأنّ حربه ضدّ عدوّ الوطن هي حرب دينية، والخطاب مُفصّل على قياس المناسبة بالطبع، “يوم القدس العالمي”، وبخاصةً أنّ الذي أعلن الثاني والعشرين من أيّار يومًا  للتضامن مع القدس، هو قائد الثورة الإسلامية في دولة إيران، التي يتبعها الزعيم الديني المذكور أعلاه.

لكن ما يعنيني هنا، أنا المواطن اللبناني، المُلتزم بركن أساسي من مفهوم المواطنة، من ناحية أداء الواجبات (الضرائب، نظافة الشوارع العامة، قيادة السيارة ضمن قوانين السير..) تجاه الدولة. وليس هذا “تربيح جْميلة”، لا والله، لكن من باب الحرص على وطني الذي وُلدتُ وترعرعتُ فيه. وتعلّمت في مدرسة وجامعة من مؤسّساته الحكومية. هل لي أن أحلم بوطن يعيش أهلُه – ابناء الطوائف السبع عشرة وأزوَد – بسلام وطمأنينة؟

ألا يكفي وحوش الداخل؟ وبالطبع أقصد الطبقة الفاسدة كافّةً. فالشريك في الفساد فاسد، وحرّيّ بمُلقي الخطاب أن يكون حَذِرًا، ولا يتضامن جذافًا مع أي نظام من دون التأكّد تمامًا من قيم هذا النظام. فالخطاب لم يكن تضامنًا مع يوم القدس العالمي كما هي المناسبة.

وهذه مساحة فيها الحريّة لأي حزب سياسي وديني حتّى، إعلان موقف في مناسبة تعني فئات كثيرة في الوطن العربي. لكن هل تُعتبر “أخلاقيّات” العمل السياسي أن يستهزأ مُلقي الخطاب بمواقف متخاذلة من أحزاب ودُول أخرى؟ نعم، فأظنّ الأسلوب العنتري في الشعر العربي الجاهلي، مشهور بتفخيم وتضخيم العدوّ، ومن ثمّ “جادت له كفّي بعاجل طعنةٍ..”.

وهل يُمكن لموقف حقيقي من كيان عدوّ غاصب، أن يَغفل “الخطاب” عن معاناة الشعب الفلسطيني، ليركّز على الأسطورة الدينية لهيكل سليمان، التي اختلفت الروايات التاريخية عليها.

ولستُ بصدد عرض الروايات المختلفة والوقوف عن الخطأ والصواب، بل يؤسفني أن يخاطب “زعيم حزب”، لايمكن التشكيك في جماهيريته، جمهورَه معتمدًا على رواية دينية أشبه بأسطورة خُرافية، اعتمدها كيان غاصب صهيوني ذريعة، ليعلن إنشاء دولته المزعومة على أنقاض تاريخ ناصع لفلسطين، أولذي يربطني بها ذاكرة “عائلية”، فقد أخبرني زميل من فلسطين التقيته في مؤتمر في لبنان، بأن مدينته رام الله، كرّمت الشاعر اللبناني “أسعد سعيد” وأطلقت اسمه على شارع فيها.

وأصدق التاريخ هو التاريخ الشفوي التي تربطك علاقة وثيقة بالراوي. فلا أشكّك في عداوتي للكيان الصهيوني، بل أدعو لعدم المبالغة في الموقف “الوطني”، الذي من المفترض ألّا يتحوّل بفضل قوة عسكرية خارجية إلى موقف ديني طائفي.

حرب لبنان مع الإسرائيليين أخذت طابعًا عسكريًا، وأن لا أدعو لمواجهة “البوط” العسكري بوردة بيضاء، ولا أطلب من دولتنا أن تحمي حدود عدوّنا.

لكم تمنيّت لخطاب قائد عسكري لحزب مقاوم بمناسبة يوم القدس العالمي، أن يذكر غسان كنفاني، مثلاً، الذي أرعب الإسرائيليين فاغتالوه. وناجي العلي، الذي أغتالوه لأنه قاتلهم بقلمه وريشته. لا يكون الموقف بالقشور الزائلة، نعم فالعنف قشرة زائلة تحافظ على ديمومة كراهية، وليست هذه دعوة لمحبّة العدو الغاصب. فالتاريخ هنا هو الفاصل، وليست الأسطورة الدينية.

فالأسطورة بغطائها الديني لا تُنتج إلاّ كراهية وحقد وعنف. فالمغالاة في موقف الكراهية للعدو- نظريًّا- يؤدّي إلى مسارين:

أولاً، يعتاد حامل الكراهية للعدو على التسليم لمفهوم الكراهية لغالبية الأمور في حياته بمعنى يتحوّل إلى انسان سلبي.

ثانيًا، يُطلق مباشرةً صفة الخنوع والعمالة والإستسلام للعدو، من يقف ضدّ فكرة وجود لاجئين فلسطينيين في لبنان.

اللاجئون أتوا إلى لبنان بحكم الملاصقة الجغرافية، وهذا جدًّا طبيعي. لكنّ المشكلة بأن اليمين اللبناني استغلّ لجوء الفلسطينيين إلى لبنان، ليصبّ جام عدائه على القضيّة المحقّة. ولا إنسانية موقف اليمين اللبناني تجاه الفلسطينيين، يعود بالضرر على لبنان كوطن، تمامًا كما “الإنسانية” المُبالغ بها عند المقاومة الإسلامية، التي أقصت بسلاحها وتبعيّتها السلاح اليساري، الذي كان مؤسّسًا للمقاومة الوطنية ضدّ إسرائيل في أيلول 1982.

أرى ضعفًا شديدًا لخطاب يشدّ العصب الديني، ويشجّع على فكرة الحرب الدينية مع الصهاينة (على أساس أسطورة دينية)، ويغفل خق الشعب الذي سُلخ عن أرضه، وتاه في أصقاع البلاد.

هل يُدرك سيّد المقاومة، أنّ هذه الحرب الدينية امتدّت للدفاغ عن أماكن مقدّسة، لا علاقة لها بالقدس وفلسطين؟ فقط لأنها حرب تقودها فئة دينية لا تأبه للدولة، لا بل تمكّنت من بناء دويلات صغيرة في أماكن تواجدها، وتنعم الدولة بالأمان الذي أنجزته في النصر على الصهاينة خلال حرب تموز، وقد أطلق عليه “النصر الإلهي”.

فأصبح الله هو الآمر الناهي عن حربنا، من دون أن تمتلك الجرأة على محاسبة المنتصرين. حتّى من دون الإنتباه إلى أن الخطاب الآن، وبعد الثورة مباشرة كانت رسالته واضحة:

أنا حزب قوي، وعندي قاعدة شعبية، والعهد يدعم سلاحي مقابل وصوله إلى سُدّة الحكم. وكل محاولات الثورة الشعبية، هي فاشلة، لأن ميزان القوى العالمي لصالحنا طبعًا، ولا يهمّنا القاعدة الشعبية، إذا كانت جائعة أو حرّة في التعبير عن رأيها. لبناننا مسرح دُمى، واللاعبون موجودون في الخارج.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى