وجهة نظر: ماذا حصل في فنزويلا؟

كتب عبد الناصر طه/ لبنان
خاص “المدارنت”
عندما يُسجن رئيس دولة أو ديكتاتور ولا تثور البلاد – لا أعمال شغب، ولا جنرالات ساخطين، ولا شوارع ملطخة بالدماء – فإننا لا نشهد انهيارًا، بل مناورة محسوبة. السقوط الحقيقي يُحدث ضجة، أما الصفقات المُحكمة فتمر دون أن يلاحظها أحد تقريبًا.
لا توجد هنا بطولات أو ملاحم تُروى في الكتب. بل هناك محادثات مغلقة، وأرقام تُطرح على الطاولة، وقرارات قاسية وباردة. وهذه القرارات لا تُتفاوض مع الشعب، بل مع من يملكون القدرة على حفظ النظام لأنّ الاعتقاد بأن الهدف هو العدالة أو الديمقراطية أو الإنصاف الأخلاقي هو سوء فهم للوضع؛ فما يُسعى إليه هو الاستقرار، والسيطرة على الأصول، وطي صفحة الماضي، أما الباقي فهو مجرد تجميل للواقع.
لذلك، فإن النقطة الحاسمة ليست الشجاعة أو الأيديولوجية، بل الانسحاب العملي من دائرة السلطة المقربة؛ إنه ليس خيانة للمبادئ، بل إعادة تنظيم اللحظة التي يُسلّم فيها المرء بأن الدورة قد انتهت، وأن إعادة التموضع أفضل من المقاومة.
هناك، تبرز أسماء: ديلسي رودريغيز، وديوسدادو كابييو، وفلاديمير بادرينو لوبيز، وطارق وليم صعب، وأليكس صعب، بحكم منطق السلطة البحت، لا كأبطال أو أشرار، بل كمهندسي الانقلاب؛ ويحتمل أن ينقلب أحدهم أو بعضهم، بحكم الطبيعة البشرية؛ وتعود لعبةُ توزيع الأدوار من جديد.
ما يُثير القلق حقًا ليس التسجيل أو التسريب، بل الهدوء. هدوء من لا يخشى الانقلاب لأنه يعلم بوجود شبكة أمان. لا أحد ينجو من العاصفة من دون ذعر إن كان لديه ملجأ آمن؛ هذا الهدوء ليس ساذجًا، بل تكتيكياً.
والأمر الأكثر إثارة للقلق: أن عمليات الانتقال الموجهة لا تُحرر الدول، بل تُعيد تنظيمها. تُغير السيناريو، وتُعيد توزيع السلطة، وتُطمس السمعة، وتُضحي بالشخصيات الرئيسية. والمواطن ليس إلا ذريعة: يُوعد بالمستقبل بينما يُقرر التوزيع اليوم، في مكاتب مغلقة.
الأمر لا يتعلق باليسار أو اليمين. الأمر يتعلق بمن يحصل على الموارد والأموال والأسلحة، ومن سيعلّق على الرواية عند إسدال الستار؛ وإذا سارت الأمور بسلاسة، فليس ذلك بفضل عمل إنساني مفاجئ، بل لأنه تم الاتفاق مسبقاً على من يتحمل التكاليف ومن ينجو سالماً.



