وطن أم كانتونات طائفية فاشلة؟

خاص “المدارنت”
لم يعد السؤال ترفًا فكريًا ولا مجرد مادة للنقاش السياسي، بل تحوّل إلى هاجسٍ يومي يطرق أبواب اللبنانيين جميعًا: هل ما زال هذا البلد وطنًا جامعًا، أم أنه يسير بخطى متسارعة نحو كانتونات طائفية متناحرة؟ بين التماسك الشكلي الذي يظهر في المناسبات، والانقسام العميق الذي يتجلى في الأزمات، يقف المجتمع على حافة تحوّل خطير قد يعيد رسم ملامحه لعقود قادمة.
لطالما اتّسم المجتمع اللبناني بقدرة لافتة على إنتاج مشاهد وحدة عابرة في لحظات الفرح أو إبان الكوارث. تتلاقى الشعارات، تتوحد العواطف، وتُرفع رايات التضامن. غير أن هذا التماسك يبقى في جوهره، شكليًا وموسميًا، سرعان ما يتلاشى عند أول اختبار جدي. فالبنية العميقة للمجتمع لم تُبنَ على مفهوم المواطنة، بل على توازنات دقيقة بين الطوائف، تُدار غالبًا بمنطق الخوف لا بمنطق الشراكة.
وفي ما شهده لبنان في السنوات الأخيرة، لم يعد الانقسام الطائفي مجرد خلفية صامتة للمشهد السياسي، بل تحوّل إلى محرك أساسي للسلوك الاجتماعي والسياسي. خطاب الكراهية، التحريض المتبادل، وتغليب الهويات الفرعية على الهوية الوطنية، وكلها مؤشرات على انتقال خطير من “التعايش القلق” إلى “الانشطار الفعلي”؛ حيث لم يعد اللبناني يرى في الآخر شريكًا في الوطن، بل خصمًا محتملًا، في صراع مفتوح على النفوذ والوجود.
الجيش في مرمى الانقسام
إذا كان التاريخ اللبناني؛ قد شهد لحظة مفصلية مع انقسام المؤسسة العسكرية خلال الحرب الأهلية، فإن مجرد عودة الحديث اليوم عن احتمال تكرار هذا السيناريو يُعدّ مؤشرًا بالغ الخطورة. فالجيش لم يكن يومًا مجرد مؤسسة أمنية، بل كان آخر رموز الوحدة الوطنية؛ وأي مساس بتماسكه لا يعني فقط خلخلة الأمن، بل انهيار ما تبقى من فكرة الدولة نفسها،لأن الدعوات، الصريحة أو المبطّنة، لتسييس الجيش أو تقسيم ولاءاته، هي لعب بالنار في لحظة شديدة الهشاشة.
إنّ ما يجري اليوم، يتجاوز السياسة إلى عمق المجتمع، فنحن أمام عملية فرز صامتة، تتجلى في السكن، التعليم، العلاقات الاجتماعية، وحتى في الخطاب اليومي، حيث تتشكل تدريجيًا “جزر بشرية” متقوقعة، لكل منها سرديتها الخاصة، مخاوفها، وأولوياتها. ل وحيث لم يعد الانقسام يمر عبر خطوط تماس جغرافية واضحة كما في السابق، بل بات يسكن العقول والنفوس، ما يجعله أكثر خطورة واستدامة.
في ظل هذا المشهد، تعود إلى السطح أطروحات “الفدرلة” أو “التقسيم الناعم” كحل للأزمات المتراكمة. غير أن التجارب التاريخية، محليًا وعالميًا، تثبت أن الكانتونات الطائفية لا تُنتج استقرارًا، بل تؤسس لصراعات دائمة، وتحوّل الحدود الداخلية إلى خطوط نزاع مفتوحة،فالكيان الذي يُبنى على الخوف والانغلاق، لا يمكن أن يكون قابلًا للحياة على المدى الطويل. بل هو، في جوهره، إعلان فشل جماعي في بناء دولة عادلة.
المعضلة الحقيقية ليست فقط في الانقسام، بل في غياب مشروع وطني جامع قادر على استيعاب هذا التنوع ضمن إطار مؤسساتي عادل فحين تضعف الدولة، تتقدم الطوائف. وحين تغيب العدالة، يحضر منطق الحماية الذاتية؛ وهذا هو الواقع الحاصل. وهكذا ندخل في حلقة مفرغة: دولة ضعيفة تُنتج طوائف قوية، وطوائف قوية تُضعف الدولة أكثر.
لذا، فإن الخروج من هذا المسار لا يكون بالشعارات، بل بإعادة بناء مفهوم المواطنة على أسس واضحة: دولة قانون، مؤسسات فاعلة، وعدالة اجتماعية حقيقية. والمطلوب ليس إلغاء التنوع، بل تنظيمه ضمن عقد اجتماعي جديد يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. كما أن حماية المؤسسات الجامعة، وفي مقدمتها الجيش، يجب أن تكون أولوية مطلقة، بعيدًا عن أي تجاذب سياسي أو طائفي.
الفرصة الأخيرة
لبنان اليوم أمام مفترق حاسم. إما أن يستعيد معنى الوطن كمساحة مشتركة تتسع للجميع، أو ينزلق نحو كانتونات طائفية فاشلة، تُدار بمنطق العزل والخوف. الكانتونات ليست حلًا، بل تأجيلٌ للانفجار الكبير. أما بناء الدولة، فهو الطريق الأصعب، لكنه الوحيد القادر على إنقاذ ما تبقى.



