مقالات

وهم الاتّفاق الدوليّ مع النّظام الإيراني!

وفد إيران الى المفاوضات في باكستان (أرشيف)
حسين عابديني/ بريطانيا

خاص “المدارنت”
دأبَ النظامُ الإيرانيُّ دائماً على استخدامِ علاقاتِهِ الدَّوليَّةِ، والاتفاقياتِ المبرمةِ في ضوئِها بطريقةٍ تصبُّ في مصلحتِهِ بما تمنحُهُ المزيدَ من القوةِ لضمانِ بقائِهِ، ولأنَّهُ لا يستطيعُ التخلي عن علاقاتِهِ الدوليةِ والمجالاتِ المتاحةِ لهُ للاستفادةِ منها في ظلِّها، ولا سيما من حيثُ استخدامُها وتوظيفُها لتحقيقِ توازُنٍ في أوضاعِهِ الداخليةِ المضطربةِ منذُ انتفاضةِ أواخرِ عامِ 2017، وما تلتْها من نظائرَ لها.

في الحربِ الحاليةِ التي تَكبَّدَ النظامُ الإيرانيُّ خسائرَ كبيرةً جداً ودماراً غيرَ مسبوقٍ، فإنهُ لا يهمُّهُ كلُّ تلكَ الخسائرِ وذلكَ الدَّمارُ بقدرِ ما يهمُّهُ أن يضمنَ بقاءَهُ وعدمَ تعرُّضِهِ مستقبلاً لتهديداتٍ وتحدياتٍ أخرى، ولأنهُ يعلمُ جيداً بأنَّ الاتفاقَ القادمَ المحتملَ والمنتظرَ لا يمكنُ أن يكونَ كاتفاقِ عامِ 2015، مع مجموعةِ (5+1)، لأنَّ وضعَهُ الآن في منتهى الضعفِ، فإنهُ مضطرٌ ومجبرٌ على تقديمِ تنازلاتٍ أكبرَ من التي قدَّمَها سابقاً.

من دونِ شكٍ، إنَّ النظامَ الإيرانيَّ وخلالَ أيِّ اتفاقٍ يمكنُ أن يبرمَهُ مع الولاياتِ المتحدةِ، فإنهُ يحاولُ جُهدَ إمكانِهِ أن يكونَ ذلكَ الاتفاقُ بصيغةٍ تضمنُ لهُ البقاءَ في المستقبلِ المنظورِ خصوصاً عندما يقومُ بنوعٍ من التبعيضِ والتشتيتِ في المطالبِ الدَّوليةِ كأن يقومَ بتأخيرِ بعضِها وجعلِ فواصلَ زمنيةٍ فيما بينَها، ولاريبَ من وجودِ نوايا لا تبعثُ على الخيرِ من وراءِ ذلكَ.

ومعَ الأخذِ بنظرِ الاعتبارِ وجهاتِ النظرِ المطروحةِ في أغلبِ التحليلاتِ السياسيةِ بشأنِ تقييمِ مرحلةِ “مجتبى خامنئي”، واعتبارِها أكثرَ تشدداً من سلفِهِ، ولا سيما بعدَ أن هیمنَ جهازُ الحرسِ على مقالیدِ الأمورِ بشكلٍ أكبرَ وأكثرَ عمقاً وتأثيراً من السابقِ، فإنَّ التصوّرَ بإمكانِ أن يلتزمَ النظامُ بأيِّ اتفاقٍ دوليٍ يمكنُ أن يقودَ إلى تقويضِ سياساتِهِ السابقةِ ويدفعَ بهِ باتجاهِ الاندماجِ والتآلفِ مع المجتمعِ الدَّوليِّ، هو تصورٌ في غيرِ محلِّهِ وهو مضادٌ ومتناقضٌ تماماً مع السياقِ والخطِ والنهجِ الذي اتَّبعَهُ منذُ 47 عاماً.

إنَّ الاندماجَ والتآلفَ مع المجتمعِ الدَّوليِّ من حيثُ رؤيةُ هذا النظامِ ولا سيما المؤسسةُ الدينيةُ وجهازُ الحرسِ، يعني الإعدادَ لانهيارِهِ، ذلكَ إنَّ القوةَ الاعتباريةَ لهُ تكمنُ في تمسُّكِهِ بنهجِهِ المبنيِّ على الخصوصيةِ التي تميزَ بها والمبنيةِ على ركائزَ أساسيةٍ من بينِها الممارساتُ القمعيةُ ضدَّ الشعبِ والتدخلاتُ في المنطقةِ وإنتاجُ القنبلةِ النوويةِ، خصوصاً وإنهُ سيبرمُ الاتفاقَ المنتظرَ بعدَ مقتلِ الوليِّ الفقيهِ السابقِ ونخبةٍ من قياداتِ الصفِّ الأولِ، وفي ضوءِ ماضيِه وإصرارِهِ على التمسُّكِ بنهجِهِ المتشددِ، فإنَّ هذا الاتفاقَ لن يكونَ إلا مجردَ مرحلةٍ يعيدُ خلالَها رصَّ صفوفِهِ ويُعِدُّ لمرحلةٍ لن يكونَ فيها رئيسٌ أمريكيٌ كـ”دونالد ترامب”.

وبناءً على هذا الواقعِ، فإنَّ الرهان على الاتفاقياتِ الدوليةِ لترويضِ النظامِ ليسَ سوى جَرْيٍ وراءَ السَّرابِ، إذ إنَّ التغييرَ الحقيقيَّ لا يأتي من أروقةِ المفاوضاتِ، بل من ساحاتِ النضالِ الوطنيِّ. وهذا ما سيؤكدهُ الإيرانيون للعالمِ أجمعَ في تظاهرتِهم الكبرى في “باريس” يومَ 20 حزيران (يونيو) القادم؛ حيث سيُسمعون المجتمعَ الدَّوليَّ صوتاً واحداً مفادُهُ أنَّ زمنَ المُساوماتِ قد ولّى، وأنَّ الحلَّ الوحيدَ والواقعيَّ لإيرانَ وللمنطقةِ يكمنُ في دعمِ خيارِ الشعبِ والمقاومةِ الإيرانيةِ لإسقاطِ الاستبدادِ وإقامةِ الجمهوريةِ الديمقراطيةِ، وهو الخيارُ الذي يمثلُ البديلَ الراسخَ والوحيدَ القادرَ على إنهاءِ هذا الخداعِ الاستراتيجيِّ للنظامِ.

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى