مقالات

يـــد الـمـقـــاومـــــة الـعـلـيـــــا

د. عبد الحليم قنديل/مصر

“المدارنت”..

… قد لا نلتفت كثيراً إلى الهوية السياسية والتنظيمية لمنفذي عملية “بني براك” فى ضواحى “تل أبيب”، ولسابقيهم من أبطال عمليتى “بئر السبع” و”الخضيرة”، المهم أنهم أحرار فلسطينيون، فدائيا “بنى براك” قدما من “جنين” بالضفة الغربية، والسابقون إلى الخيرات من داخل الأراضى المحتلة عام 1948، من “النقب” و”أم الفحم”، ولا يجوز وصفهم بالإرهاب، حتى لو كانوا من تنظيم “داعش”، أو تأثروا بأفكاره، على حد ما زعمت بيانات مزيفة، فالإرهاب عمل يضل طريقه وغايته، ويقتل المسلمين والعرب أكثر من غيرهم، أما المقاومة فعمل وطني مقدس، وكل طلقة رصاص أو طعنة سكين بصدر قوات الاحتلال وكيان الاحتلال، هى عمل مقاوم بامتياز، تقره وتحث عليه كل شرائع العدالة السماوية والبشرية.

وقد شاءت أقدار الحوادث من حولنا، أن تكشف فوضى خلط الأوراق المفضوح، فكل المحتلين فى التاريخ، نعتوا المقاومة بالإرهاب، ووصفوا الاحتلال والاغتصاب برسالة الحضارة، وبالمسئولية الأخلاقية والتمدين، وبلغ “ديفيد بن جوريون” مؤسس كيان الاحتلال من الفظاظة منتهاها، حين وصف كيان الاغتصاب الإسرائيلى بأنه “نور العالم”، ومن دون أن يسأل نفسه عن دواعى هجرته من “بولندا” للاستيطان فى فلسطين عام 1906، وقيادته مع غيره لعصابات الصهيونية الإرهابية، التى أدارت أبشع مجازر قتل وطرد الفلسطينيين من أراضيهم، وكان “بن جوريون” ملحدا، يسخر من الديانة اليهودية ومن رب موسى عليه السلام، ويعتبر “التوراة” حفنة أساطير نافعة فى غرس الاستيطان الصهيونى فى فلسطين، وظل وفيا لعقيدة الاغتصاب والإحلال إلى أن مات فى أعقاب حرب أكتوبر 1973، ودفن فى مزرعته الاستيطانية “سديه بوكير” بالنقب، حيث تحول قبره إلى مزار، كاد وزراء الخارجية العرب المشاركون فى “لقاء النقب”، بدعوة من وزير خارجية الكيان “يائير لابيد”، وبإمرة وزير الخارجية الأمريكى الصهيونى “أنتونى بلينكن”، وكاد الوزراء أن يتورطوا فى زيارة  قبر مؤسس كيان الاحتلال، لولا عملية “الخضيرة” التى أرعبت قادة الكيان، ودفعتهم إلى إلغاء الزيارة خوفا على سلامة الضيوف العرب المطبعين، وإن نقلت عنهم إدانات لعملية “الخضيرة”، ومن قبلها لعملية “بئر السبع”، جعلتهم مع المحتلين الإسرائيليين سواء بسواء ، ونزعت عنهم براقع الحياء الوطنى والإنسانى، وإن حاول بعضهم التملص من القصة كلها وآثامها، على طريقة وزير الخارجية المصرى، الذى قال بعد عودته للقاهرة، أن مصر لن تشارك أبدا فى أى حلف عسكرى مع إسرائيل، وأنه ذهب لإثارة  قضية السلام وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس (!).

وقد يكون ما قاله الوزير المصرى مفهوما بدواعيه، وله ظروف ليس هنا مقامها، وإن كانت المشاركة فى “لقاء النقب” عملا مشينا فى ذاتها، تماما ككل لقاء يعقد بين قادة كيان الاحتلال ومسئولين من جنسيات مسلمة أو عربية، بينما يتعذرعقد أى لقاء جامع بين القادة العرب، وتنزل قممهم المتعثرة إلى القيعان، بل إن بعضهم جعلوا من كيان الاحتلال قبلتهم الأولى والأخيرة فى الصلاة والسياسة، وصار زيتهم فى دقيق الكيان، وبدعوى المصلحة المشتركة فى مواجهة التمدد الإيرانى، واستبدال عداوة إيران بعداوة “إسرائيل”، والتذرع بطلب حماية كيان الاحتلال، بعد أن تراخت عنهم الحماية الأمريكية المشتراة، وقبل ما يزيد على ثلاث سنوات، كان “مايك بومبيو” وزير خارجية الرئيس الأمريكى السابق “دونالد ترامب”، قد قام بجولات مكوكية فى المنطقة، ودعا إلى حلف عربى إسرائيلى ضد إيران، عرف إعلاميا باسم “ناتو” الشرق الأوسط، وتعثرت الفكرة بعد خروج مصر منها، وهو المصير نفسه الذى ينتظر الفكرة ذاتها، بعد أن جرى تجديدها على يد “بلينكن” وزير خارجية إدارة “بايدن”، ولسبب غاية فى الوضوح، هو عدم القدرة على تجاوز القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلى، برغم كل محاولات الالتفاف والتحايل، وإدارة المؤامرات والاتفاقات فى الخفاء والعلن، فالقضية الفلسطينية ليست بلا صاحب، حتى وإن تخلى عنها كل حكام العرب المتورطون فى وزر التطبيع، والتحالف المعلن مع “إسرائيل”، والتخفى من وراء أقنعة التفاوض لإقامة دولة فلسطينية فى غزة والضفة، وعلى ما يزيد قليلا على ستة آلاف كيلومتر مربع، لا تشكل سوى 22% من مساحة فلسطين المقدسة، وتناسى الحقيقة الأصلب حضورا، وهى أن قضية فلسطين لها رب وشعب، ولن تموت أبدا مع  كر العقود، وأن الصراع فى جوهره على 27 ألف كيلومتر مربع، تكون مساحة فلسطين بكاملها، وأن التوازن السكانى يميل بإطراد لصالح الفلسطينيين أصحاب الأرض، وأن أجيال الفلسطينيين التى تتناسل، لا تنسى أبدا وعدها وثأرها التاريخى، حتى فى صحراء “النقب”، التى تمتد على أكثر من نصف مساحة فلسطين كلها، ويصحو أهلها البدو إلى حقوقهم غير القابلة للتصرف، ويخرج من أصلابهم شهداء تلو الشهداء، لن يكون آخرهم “محمد غالب أبو القعيان” بطل عملية “بئر السبع” عاصمة “النقب” الفلسطينى.

والمعنى ببساطة، أن “لقاء النقب”، على التدنى والخزى والعار فيه، لن يجد طرقا سالكة، لا فى المنطقة، ولا فى العالم الذى يعاد تشكيل توازناته على نار الحرب الأوكرانية، ويتراجع فيه وزن أمريكا الكونى، كما يتراجع بالتبعية وزن ربيبتها “إسرائيل”، وإذا كانت أمريكا تتخفف من عبء حماية تابعيها الخليجيين، فلن تكون “إسرائيل” قادرة على استبدال الدور، وكل ما يهم قادة كيان الاحتلال هو افتعال صورة جديدة لإسرائيل، تلغى صورة المحتل والغاصب والكيان الإرهابى، وهو ما لن يتحقق يوما ، مهما جمعت “تل أبيب” من مسئولين عرب على موائدها وفى حجرها، ومهما تقاطر إليها وزراء من الجنسيات العربية، فالأوهام لا تحل بديلا للحقائق، مع يقظة الشعب الفلسطينى إلى وحدته العابرة للتقسيمات، وأخذه لقضية التحرير الوطنى بين يديه، وتركه لطاعة زعماء السلطات والفصائل، وتحول عمليات المقاومة إلى رياضة شعبية فلسطينية جامعة، يغذيها انسداد الطرق إلى أى مفاوضات أو تسويات فى المدى المنظور، وتضاعف وحشية كيان الاحتلال، وتفاقم عنصرية اليمين الإسرائيلى الحاكم، ورفضه الانسحاب من أى شبر فلسطينى محتل، وهو ما يلجئ الفلسطينيين إلى الخيار الآخر المقاوم، فالفلسطينيون ليسوا كما بشريا مهملا، وقضيتهم ليست محصورة فى عوز اقتصادى، ويكتشفون مع تهاوى اتفاقات “أوسلو” وما تلاها، أن قضيتهم الكبرى فى تصفية الاحتلال  قبل وبعد كل شئ آخر، ويلهمهم صمود وبسالة “المقدسيين” من حول “كنيسة القيامة” و”المسجد الأقصى”، ويرشدهم إلى أن بوسعهم اجتراح ما يبدو لآخرين فى مقام الاستحالة، وأنه لم يعد من فرق فى الأوضاع بين المحاصرين فى غزة، وضحايا البطش اليومى فى القدس والضفة، وفى أراضى 1948، فلم تعد المقاومة المسلحة مطلوبة فقط فى بقعة فلسطينية دون غيرها، وكانت تلك هى العبرة والثمرة الباقية من معركة “سيف القدس” فى مايو 2021 ، وقلنا وقتها، أن ما جرى له ما بعده، وأن “قيامة القدس” هى قيامة لفلسطين كلها، وأن عبارة “ماوراء الخط الأخضر” تشطب من الخرائط، وأن مقاومة كل فلسطين صارت هى الحاضر والمستقبل، وإلى أن تعود النجوم لمداراتها بزوال قبضة الاحتلال كله، حتى لو تأخرت لحظة الحسم النهائى إلى عقدين مقبلين، تتغير فيهما الدنيا والمنطقة على نحو غير مسبوق، وتنهض دولة المقاومة الفلسطينية الشعبية، تحت ضغط تراكم القهر والعنت، ونفاد حيل التسويات المريبة الناقصة، وسقوط دعاوى السلام وأناشيد التطبيع، وتحول نظريات الاستسلام إلى لغة خشبية ميتة، لا تبث الحياة فيها لقاءات ولا قمم مخزية، لا تبقى لها من وظيفة ، سوى إماطة اللثام عن سوءات أمراء الطوائف العرب، الذين لن تنقذهم “إسرائيل” من صحوة شعوبهم.

وبالجملة، فقد حلت ساعة الفصل بين المقاومين والمطبعين، شابان فلسطينيان أفسدا بعملية “الخضيرة” عرس المحتفلين بعارهم فى “لقاء النقب”، وأثبتا أن المقاومة لها اليد العليا، وأن حس الاستشهاد سيهزم يقينا بلادة وهوان التطبيع والخضوع، وأن خط سير الحوادث فى المنطقة كلها ذاهب إلى صدام أكيد، لن تجدى فيه المناورات والتلاعبات، فوجود الخطر الإيرانى لا يلغى أولوية الخطر الإسرائيلى، ومن حق من يريد مواجهة إيران أن يفعل، ولكن ليس باستعارة سلاح العدو للحرب ضد الجار الإيرانى، والعبث بمشاعر الناس ووجدان الأمة، وكل أمة لها محرماتها ومقدساتها وواجباتها، ومن واجب الوقت أن نردع التوسع الإيرانى بقوانا الذاتية، لكن واجب الوقت وكل وقت، أن نكون مع فلسطين لا عليها، وإلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا.

المصدر: “القدس العربي”

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى