مقالات

يـــوم الــمــقــتــلـــــــــة..!

د. محمود المسلماني/ لبنان
خاص “المدارنت”..
إنّها الحرب الأهلية. وهل بين الحروب ما هو أقسى من حرب وقودها الأهل والجيران وأبناء الوطن الواحد ، يقتتلون فيقتلون ويُقتَلون ؟! .
لقد عصفت هذه الحرب بلبنان لخمسة عشر عاما” منذ أواسط سبعينات القرن الماضي، فأهلكت جموعا” غفيرة من الناس ، ودمّرت في مسرح اقتتالها البنيان والعمران، وحملت آلاف الأسر على النزوح من قراهم وأحيائهم طلبا” للأمن والأمان .
في هذه الأجواء المشحونة بالحقد والعنف والتعصّب أُقيمت الحواجز الطائفية لتقتل الأنسان وفقا” لهويّته ومعتقده ، فكانت التصفيات الجسدية الرهيبة تزرع الفواجع الأليمة ، وتنفخ في القلوب جمرات ألم كاوية.
وسط هذا الواقع من الإنتحار الجماعيّ الشامل، استُدعيت التدخّلات الخارجيّة من هنا وهناك ، فزحفت الجيوش ومخابراتها تسعى خلف مصالح دولها في الوطن الجريح ، فانقاد المتناحرون لسلطتها متجرّعين مرارة القهر والهوان.
* *
تحلّقت أسرة “بو عسّاف” حول المائدة . كان طعام العشاء متواضعا” فقيرا” يقتصر على “مهموس العدس” المتبقّي من طعام أمس ، مع البصل الاخضر وبعض اللبن من إنتاج بقرتهم ؛ لكنّ الطعام كان شهيّا” لدى الرجل ؛ ففرحته بزيارة ابنه بعد غياب قرابة شهر في بيروت جعلته يلذّ بما كان يعتبر لديه عاديّا” بين الأطعمة .
كان يتناول طعامه فيما كان ذهنه مسرحا” لأفكار تدور حول ولده الوحيد الذي ترك القرية للعمل براتب معقول في إحدى الشركات التجارية في العاصمة .
“عسّاف كان رفيقي وساعدي الأيمن بالعمل بالأرضايات ، بَسّ بعد ما ضاقت أحوالنا وما عادت الزراعة بتوفّي بتأمين حاجاتنا الضروريِّه تركنا وسافر عبيروت . بسّ هوّي ما نسينا أبدا” . كان عميطلّ كلّ ما قبض معاشه ليساعدنا باللي بيتوفّر معه من هالمعاش .
الله يرضى عليه ! قلبنا معه وين ما راح ووين ما إجا.
شي واحد بسّ عميشغل بالنا عليه، وهوّي إنّه دخل بحزب من الأحزاب المشاركة بقوِّه بالمعارك الدايرة. وكلّ خوفنا إنّه يتأذّى من هالصراعات ويحرق قلبنا عليه”.
– بأيش عمتفكّر يا “أسعد” ؟ بعدك ما كلت شي .
– عمناكل . شو نسيانه إنه عسّاف جايه عبكرا؟! روحي بكّير اشتري لحمه واعملي لنا “كبّه بكشك”. هالأكله بحبّها إبنّا كتير .
– ماني نسياني . وإنت ما تتعوّق بـ”النهر”. مجية عسّاف عيد عنّا. الله يخلّيلنا ايّاه !
– عندي كم ساعة مَيّْ. بسقي هالرزقايات وبرجع بكّير .
– دير بالك بهالليل . لا تنسى . خود الفانوس معك .
أكمل الطعام ونهض. أخرج الدّابة من حظيرتها . ألقى عليها البرذعة (الجلال بلغة اهل القرية ) وفوقها “الخُرْج”، وفيه “الرفش” والمجرفة والفانوس، واعتلى ظهرها، واتّجه وجهة الحقول والبساتين. وبقيت الأم وابنتها تتسامران، والحديث شجون. وقد تناول موضوعات شتّى تراوحت بين هموم المعيشة، وما يُتناوَل من من أحداث الحرب، والخوف على عسّاف من ويلاتها.
توزّع الحديث على هذه الموضوعات وغيرها حتى انطوى جزء من الليل ، وغلب النعاس عيون الساهرتين ، فنهضت الإبنة تفرش للنوم . وما ان استلقت كلّ منهما على فراشها حتى أُجفلتا لسماع طرقات غير مألوفة على الباب في هذا الوقت من الليل .
– هيدي مو دقّة “بو عسّاف”. رح روح شوف. خلّيكِ انتِ.
… وفتحت الباب؛ فإذا في مواجهتها رجلان غريبان.
” يا ويلي ! شو بدهن هاو ؟ الله يستر!”.
– خير؟ مين إنتو وشو بدكن؟
“لازم ما تشعر يالخوف حتى ما تعمل بلبلي”.
– مسا الخير خالتي. هيدا بيت أسعد فارس غنام ؟
” وبيعرفو الإسم مظبوط ! الله ينجّينا !”
– إي نعم . شو بدكن منّو ؟
– بدّو يشوفو المعلّم شويّ ومنرجع نحن ويّاه.
” والله ماني متطمّني لهالكلام”
– بسّ ” بو عسّاف ما هوّي هون. طلع من شي ساعتين.
” ما راح نفلّ لناخده معنا”.
– مننطره هون ليرجع.
” عمى ! معقول ينطروه عنّا، وأنا ومريم وحدنا بالبيت.
– ” بو عسّاف ” ما بيرجع الليلي . راح يسقي بـ”النهر”.
” ما رح نرجع من دونه .هيك قال المعلم . منروح منجيبه من “النهر”.
– طيّب . تصبحو عخير .
عادت المرأة الى غرفتها ، وانطلق الرجلان بسيارتهما باتجاه “النهر”.
استدلّا بالساقية والبستان الذي ترويه مياهها .
ها هو ضالّتهما. رجل في الستينات من عمره. فارع القامة. يعتمر الحطّاطة والعقال، ويرتدي القمباز والسروال (اللباس بلغة أهل القرية)، وفي رجليه الجزمة الطويلة التي يخوض بها في وحول بستانه.
– العوافي “بو عسّاف”.
“مين هودي؟ وشو جابهن بهالليل؟!
– الله يعافيكن . مين إنتو ؟ خير؟
“وقت اللي بتصير عند المعلم بتعرف مين نحنا”.
– ما في إلّا الخير . بدّو يشوفك المعلم خمس دقايق، وبترجع.
“الله ينجّينا من هالمعلم . ما حدا طلب وراه ورجع بخير”.
– عمإسقي هلّق . وقت اللي بخلّص بروح براسي لعندو.
“رح تروح غصبِن عن راسك”.
– طلب منّا ما نرجع من دون ما تجي معنا . ما فينا نخالف.
“الله يستر من هالروحة”.
نادى جاره ليكمل السقاية عنه ، ومضى معهما بوجه قاتم ينطق بالتوجّس والقلق.
انطلقت به السيارة العسكرية لتنقله الى سيارة أخرى كان فيها بعض ابناء قريته والقرى المجاورة، بالإضافة الى رجل ملثّم، صاح بالسائق عند صعود أبي عسّاف: – يالله روح بسرعة تأخّرنا.
اقلعت السيارة الكبيرة تخطف المسافات الى مركز المعلم.
كان الركّاب يتبادلون النظرات في جزع واضح ؛ لكنّ أحدا” لم ينبس ببنت شفة، بخاصة وهم يرون في المقدّمة مسلّحين ثلاثة يشهرون السلاح في وجوههم، فضلا” عن ذلك الملثّم الذي يجلس بجوار السائق.
لم يكن متوقّعا” أن يخرج “بو عسّاف” عن صمته؛ لكنّه بغريزة الدفاع عن نفسه، خاطب ذلك الملثّم بقوله: – عرفناك. عرفناك . مانك إنت المصري اللي بتشتغل عند لبيب المعلم ؟ عمتفسد علينا؟ شو عاملين؟! إذا صار شي علينا إنت المسؤول.
وأكّد الآخرون ما قاله الرجل:
– صحيح. عرفناك من صوتك.
صاح المسلّحون مشهرين أسلحتهم والأصابع على الزناد.
‐ ولا كلمة . إللي بدّو يحكي ما بيكلّف إلا رصاصة وِحدي براسه.
وعاد الصمت يطوي لدى الركّاب هواجسهم من جديد، حتى إذا بلغت السيارة مركز المعلم في “وادي الحبيس” توقّفت وترجّل ركابها في باحة المركز.
كان هؤلاء يظنّون أنهم سيمثلون أمام المعلم للإجابة عن بعض الأسئلة في موضوع ما، ثمّ يغادرون ، وقد يكونون في أسوإ الاحتمالات ملزمين بالدفاع عن أنفسهم حيال اتّهامات تساق ضدّهم؛ لكنّ الفاجأة المرعبة التي اضطربت لها فرائصهم أيّما اضطراب هي أنّهم وجدوا أنفسهم وجها” لوجه أمام المعلّم مع مجموعة مسلّحين غرباء بوجوه مقطّبة مكفهرّة تنطق بالنقمة العارمة.
المسألة إذا” ليست مسألة سؤال وجواب، أو اتهام ودفاع. هي مسألة قرار حاسم بالتصفية دون تحقيق أو محاكمة.
هذا هو الإحساس الذي تولّد لديهم وهم في مواجهة هؤلاء المسلّحين الغرباء والملامح الصارمة التي تغلّف وجوههم ووجه ذلك المعلم المهيب.
أمام هول ما يرى ، ألفى “بو عسّاف” نفسه مقودا” بغريزة البقاء للعدو بأقصى ما لديه من طاقة فرارا” ممّا يتوقّعه من سوء مصير. وما أن أطلق لقدميه عنانهما حتى لحق به آخرون.
ولكنْ أين المفرّ؟ كان الرصاص الكثيف أسرع من خطواتهم فاخترم أجسادهم ليسقطوا صرعى دون حراك.
لم يكن قد هرب الجميع ؛ فقد بقي بعضهم ، وقد صعقه المشهد المروّع .
همس الملثّم في أذن المعلم:
– سِيدنا، عرفوا مين أنا وقت اللي كنّا بالطريق لهون. ما لازم يرجع منهن مخبّر .
وكان أمر المعلم بالقضاء على الجميع . وقد نُفّذ الأمر، فتساقط الأحياء جثثا” هامدة .
حملت الجثث الى مثواها الأخير وسط النحيب والدموع والحسرات الكاوية، ونال القتلة نصيبهم الوفير من اللعنات والشكايات الى الله بالانتقام.
ومضت الأيام والسنون ، وعادت القرى المفجوعة الى سابق عهدها من الحياة الطبيعية مع تراكم المزيد من الغصص في القلوب المحروقة الصابرة .
أمّا “وادي الحبيس” حيث اقترفت الجريمة البشعة فيشهد على المقتلة، ويشهد على القتَلة وعلى القتلى، يشهد على الذين اقتيدوا الى حتفهم أحياء وعادوا جثثا” هامدة.
يشهد على الفاجعة العامّة التي أدمت قلوب الأمهات وحفرت بالنار جروح الأسر المفجوعة؛ كما تشهد ربوع هذا الوطن الجريح على الحرب التي كتبت وقائعها بدماء اللبنانيين وأحزانهم وآلامهم الكاوية ، وتشهد أنّ أمراءها الذين صنعوا أحداثها، واستدعوا التدخلات الخارجية التي أهرقت دماء اللبنانيين وهتكت حرماتهم، وداست بجزماتها العسكرية رأس كرامتهم ثلّة من مجرمين لا تستطيع غسل جرائمهم نيران الارض والسماء.
والتاريخ ليس مجرّد أحداث تروى عن ماضٍ مضى وانقضى، بل هو دروس تحفظ، وعبر تستفاد؛ فهل من معتبر ؟!
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى