مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”24″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”.. 

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر  فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام”، غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

الفصل السادس : الحرّيّة عنوان سيادة الإنسان.

  • في معنى الحرّيّة:

تبدو الحرّيّة في حالة تغيب عنها العبوديّة والإجبار والتقييد والأسر والاحتجاز والسّجن وما إلى ذلك حيث يكون الإنسان في التبعيّة والمفعوليّة واستلاب الحقوق والحريّات، ومغلوبًا على أمره، لا يملك منه شيئًا، وقد أحدق به القهر والذل والهوان؛ ويحضر فيها الاختيار والإباحة والإتاحة وإمكان اتخاذ القرارات بملء الإرادة حيث يكون فيها الإنسان سيّدًا وفاعلًا وقادرًا على التمتّع بالحقوق والحرّيّات دون قيود أو عوائق أو إكراه، ولكن، مع الخضوع للقوانين السائدة والمرعيّة الإجراء، كما يكون متمكّنًا من القيام بالفعل، ومن العدول عنه، وفقًا لما له من الحقوق، وما عليه من  الواجبات، من غير الإضرار بالآخرين أو الاعتداء عليهم، ولكن، مع حقّه في مجابهة  كل الموانع والقيود والعوائق غير المباحة، عملًا بمضمون الحديث الشريف: “لا ضرر ولا ضرار”.

ان مفهوم حرّيّة الإنسان يتجلّى بحق التصرّف والفعل وبالقدرة عليه، وعلى العدول عنه من غير إكراه، بل وفقًا لإرادته بما له وما عليه، وبالمتاح من الممكنات في ظلّ القوانين السّائدة، مصداقًا لما في الآية ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾(الكهف:29). هذا المفهوم، وإن كان عامًّا، ربما لا ينطبق على حال الحرّية في أيّ من الأنظمة الحاكمة والسائدة في الدولة ذات  الصفة الإسلامية، ولكنّه من المرونة بحيث يمكن أن نرى حالة الحرّيّة في أي من هذه الأنظمة، تندرج في سياقه نظرًا للامحدوديّة مدى “حق التصرف” ضيقًا واتساعًا، وللشيء نفسه في “هامش الإرادة” و”لائحة الحقوق والواجبات” كمًّا ونوعًا… أما الآن، فإلى أي مدى يحتاج الإنسان إلى هذه الحرّيّة؟

  • في لزوميّة الحرّيّة للإنسان:

  لقد ذكرنا، في غير مكان، أن الحرّيّة هي مما تتطلبه بالضرورة سيادة الإنسان حتى لا يتحوّل بفقدانها إلى حال من التّبعيّة تتعارض وتتناقض مع موضوع التكليف الربّاني له بخلافة الأرض، سواء أكان فيها سيدًا حاكمًا أم مسودًا محكومًا؛ فهي له من اللزومية والضرورة بمكان؛ لأنها ملازمة لطبيعته المتميّزة والمؤهّلة والمتفوّقة والمستجيبة الوحيدة لأمر السماء، من بين جميع الطبائع العائدة إلى الخلق في عالم الشهادة، منذ أن جعله الله خليفة له في الأرض. ففي هذا السياق، ومن وجهة نظرنا، يعتبر تجريد الإنسان، فردًا وجماعة، من حرّيته ارتكابًا كبيرا وكبيرًا جدًّا، حتى لا نقول إنه أم الكبائر، يهان فيه ويذلّ في إنسانيّته، سواء أجاء التجريد مصادرة من الخارج بالعنف والقوة والطغيان خدمة لأطماع وأهواء الـمُصادِر، أم تنازلاً باختيار ارتكابيّ من الذات، مقابل ثمن صغير وصغير جدًّا مهما علا شأنه في نظر المتنازل، لكونه يتلبّس الإهانة للذات وإذلالها؛ لأنه بالتالي لا يرقى إلى رحاب ما يجدر بالإنسان، ويليق بكرامته. ذلك، لأن الإنسان من دون حريّة، عبد مملوك مهان في كرامته وإنسانيّته، لا يملك من أمره شيئًا، ويبدو محاكيًا لآلة معقّدة الاستعمالات والخدمات، تعمل طويلًا ولا تتعب، وتخرب فتصلّح، وتنكسر فترمّم، ويضاف إليها أو يُحذف منها، أو حتى تتلف كليًّا، إلاّ أنها لا تتألّم ولا تتعذّب بمشاعر الذلّ والهوان.

فالحريّة ينبغي بل يجب أن تلازم الإنسان، فردًا وجماعة، في مسيرة حياته الدنيا حتى يبقى أهلاً للخلافة التي خُصَّ بها دون غيره؛ إنها مما يفرّده ويميّزه من غيره؛ إنها واجبة له في كل أوجه نشاطه، لأنها حق أصيل له في كل ذلك: انّ الإنسان يستدعيها في ما يقدم عليه من فعل حتى يكون به فاعلاً مؤثرًا أكثر مما يكون فيه منفعلاً متأثّرًا؛ ويستلزمها في إعمال عقله استجابة إيجابية منه لحض السماء عليه، حتى لا يصادر القمع طبيعته الناطقة، فيجعله مستلبًا يعمل للظلم والهوى والاستبداد، فيحول التكرار والجمود بينه وبين التجدّد والإبداع؛ ويقتضيها في إيمانه ليكون راضيًا به، مختارًا له، بعيدًا عن مصادرة ضميره، وإكراهه في ما لا إكراه فيه؛ ويتطلّبها في ما يريد ليبقى له مدى للفعالية، وهامش للمبادرة، فضلاً عن إقصائه دائرة التأمّع عنه؛ ويحتاج إليها في تصرّفه بحقّه متمتعًا به، ومحافظًا عليه، حتى لا يضيع ولا يُستلب؛ ويستحضرها في تكليفه وابتلائه حتى يكون تعبّده لله بالاختيار والرضا والشكر، من غير إجبار أو نفاق ولتكون المسؤولية المحدّدة، والجزاء المستحق من غير فوضى أو ظلم.

هذه الحريّة التي برزت شرطًا ضروريًا لسيادة الإنسان في الأرض، ولكل ما اقتضته من متطلبات من قبيل”الدولة والاستقلالية”، والتي لازمت الإنسان منذ أن جعله الله خليفة له فيها من خلال خلافته، والتي تجلّت واجبة له في جميع أوجه نشاطه في الدنيا ليبقى جديرًا بالتكليف بها، فما هي الأبعاد التي تعبّر عن قوامها؟ وما المدى الذي يتمتع بها فيه صاحبها في اختياره وتديّنه واختلافه مع الآخر، وفي تكليفه وابتلائه من قبل السماء؟ وهل تُبْلَغ في إفراطها المطلق، أم هي سراب، أم الأمر بين بين؟ أتكون من غير مسؤولية؟ وهل تفلت من القدر؟ وأخيرًا، كيف يبدو الإسلام ونحن نعالج هذه الأسئلة في إطاره؟

  • العناصر الواجب توافرها في الحرّية:

لعلّ الحرية من أعلى القيم  الأخلاقية، وأعظم الحقوق المعنويّة التي ينبغي بل يجب أن يتمتع بها الإنسان لكونه السّيد في الأرض والكائن الأخلاقي الوحيد، بالإضافة  إلى كونه عاقلاً واجتماعيًا وذا قابلية للتديّن. فهي تضفي على فاعليّته وسيادته في أفعاله، الشيء الكثير من القيمة والمكانة والأهميّة، نظرًا لما تتطلبّه منه أو يشعر بأنه محفوز للاستجابة له من عناصر مكوّنة أو شروط لازمة لها حتى لا تضيع أو لا تكون من دونها. ففيم يكون قوامها؟

3-1- الوعي أو المعرفة: إن وعي الإنسان بما يقوم به، أو معرفته له، يشكّل الخطوة الأولى نحو عملية الاختيار والحريّة. إنه مما يجعل الفعل يتحقق في دائرة دوافعه وغاياته. فالإنسان يتصرف بمعرفة لأنه الوحيد الذي يعي تصرّفه أو فعله، ويعي أنه يعي. فإن غاب المستوى الأخير، يبقى الأول شاغلاً ساحة وعيه. وبالوعي، نميّز الخير من الشرّ، والحسن من السّيئ، والجميل من القبيح، والحق من الباطل، والعدل من الظلم، والحلال من الحرام وما إلى هذا وذاك.

أما التصرّف أو الفعل من غير معرفة أو وعي من القائم به، فيصدر من غير هدف معين أو يحصل خبط عشواء، أو يتم في عمياء، الأمر الذي يخرج بالإنسان عند دائرته كعالم وعاقل ومفكر وواعٍ؛ ولم يعد، بالتالي، الكلام عليه كسيّد في الأرض جائزًا أو صادقًا، كما تفقد الحرّيّة، كقدرة على الاختيار، أي قيمة أخلاقيّة، لوقوع الاختيار خارج دائرة المعرفة. ولعلّ مما يؤكدّ أهمية البعد المعرفي في النشاط البشري، أن بدأ التنزيل بـ ﴿إِقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ الّذي خَلَقَ﴾ (العلق:1)، وتعلّم آدم “الأسماء كلّها”، ونهى ربّ العالمين عن القيام بالصلاة في حال السكر ليحصل للمصلّي العلم بما يقوله، وفقًا للآية﴿- لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ- ﴾ (النساء:43).

3-2- الإرادة: بعد معرفة التصرّف أو الفعل من قبل الإنسان، يصبح على بيّنة من أمره بشأن الإقدام عليه أو الإحجام عنه وفقًا لاختياره الذي ترجّحه إرادته بعيدًا عن الضغوط أو القيود أو العوائق أو الإجبار أو التبعيّة، وعن الإضرار بالآخر أو الاعتداء عليه، الأمر الذي يمهّد أمامه الطريق إلى الفاعليّة والاستقلاليّة في ما له من الحقوق وما عليه من الواجبات.

فالتصرّف أو الفعل من دون اختياره وإرادته يكون بالإكراه والتبعيّة، وهذان لا يمتّان إلى الحريّة بصلة… وهذا القرآن قد جعل مشيئة الناس مقرّرة لأعمالهم، ولكن، ليس من غير مسؤولية، جوهر الحرية، كما سنرى بعد قليل، مصداقًا للآية ﴿-إِعْمَلُوا ما شِئْتُم إنّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيْرٌ﴾ (فصلت:40)؛ كما جعل فطام الولد خاضعًا لإرادة والديه، وقد فرّق بينهما  الطلاق، بعد مناقشة الأمر وتبادل الآراء بينهما وقبولهما ورضاهما، في الآية ﴿-فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا-﴾ (البقرة:233).

3-3 القدرة: ان التصرّف أو الفعل الذي يقوم به الإنسان يقتضي منه طاقة أو قدرة عليه، أو أن يكون في وسعه، ودائرة تمكّنه منه، حتى يأخذ طريقه إلى الإنجاز والتحقّق في الواقع؛ لأن القدرة على الفعل شرط ضروري له حتى يستحق وصفه وفاعله بالحريّة. أضف إلى ذلك، أنه من دون القدرة، لا يستطيع الخليفة في الأرض أن يلبّي ما كلّف به فيها من عبادة للخالق، واستعمار للأرض، وحكم بين الناس؛ علمًا بأنّ ربّ العالمين في تكليف آدم بالخلافة، جعل التكليف متناسبًا مع وسعه، بل قدر وسعه، كما في الآية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا-﴾ (البقرة:286).

وهذه فريضة الحجّ تتوقّف على استطاعة مؤدّيها، كما جاء في الآية﴿- وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران:97). فالإنسان الحر يجب أن تكون أفعاله في دائرة وسعه واستطاعته، وأن يكون قادرًا عليها، متمكّنًا منها.

3-4- المسؤوليّة: إن الأفعال التي يقوم بها الإنسان بمعرفته وإرادته وقدرته يترتب عليها نتائج وتبعات تتراوح بين الخير والشّرّ، أو الإحسان والسوء، أو طاعة الأحكام الشرعيّة وعصيانها، النفع والضرر، أو الموافقة مع القوانين النافذة والمخالفة لها، وما إلى هذا وذاك؛ يسأل عنها أمام السلطات المختصّة في عالم الشهادة، فضلاً عن حسابه عليها في الآخرة؛ فيجزى عليها ثوابًا إذا كان بلاؤه فيها حسنا، وعقابا إذا كان بلاؤه فيها سيّئًا. فالمسؤولية بمعنى تحمّل تبعات الفعل تصحّ وتُعْقَل إذا ما كان فاعله حرًّا وحرًّا فحسب. ولقد أكّد القرآن في كثير من الآيات على مسؤوليّة الإنسان عن تبعات كسبه، كما في الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر:38) وفي الآية ﴿-لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ-﴾ (البقرة:286).

      وهكذا نرى أن الفعل الحرّ يجب أن يكون معروفًا لفاعله، ومختارًا له، ومقدورًا عليه من قبله، وفي مسؤوليّته. ولعلّنا، في هذا السّياق، نحسن قراءة الحكمة الشائعة “قيمة المرء ما يحسنه”، أي ما يتقنه من عمل؛ فنجد فيها العناصر الواجب توافرها في الحرّيّة من المعرفة للعمل، واختياره بالإرادة، والقدرة على إنجازه والمسؤولية عنه في ما أشارت إليه من قيمة للمرء، والحكمة هذه شائعة عن الرسول… ونحن ننهي هذه الفقرة، لا بدّ لنا من أن نشير إلى أن الإنسان الحرّ في ما يقتضيه لفعله من معرفة وإرادة وقدرة ومسؤولية، ينبغي أن يكون في سياق “السّويّة الراشدة”(1) حتى يخرج من دائرة الحريّة والمسؤولية “العبد المملوك، والطفل، والمختل عقليًا”.

  • في مدى الحرّيّة:

الإنسان حر في كل ما يكون فيه سيّدًا، والحرّيّة تلازمه منذ تكليفه بخلافة الأرض. فهي تغطي سائر نشاطه الذي يختاره ويقدر عليه ويُسأل عنه، فضلاً عن معرفته له. والقاعدة هي أن يكون حرًّا؛ فالشّاذ هو أن يكون مستلبًا في حرّيته. ففيم يبدو لنا  المدى الذي تغطّيه حريّته؟

4-1- حرّيّة الاختيار: لعلّ حرّيّة الاختيار أو القدرة عليه هي الأكثر والأشمل تعبيرًا عن مظاهر حرّيّة الإنسان في ما يقوم به من نشاط متعدّد ومتنوّع في حياته السّويّة الراشدة، وفي إطار ما له من حقوق، وما عليه من واجبات، وما يتاح له من ممكنات مباحة، استجابة لدوافعه المستثارة التي يسعى لخفض توتّرها وإشباعها في كنف مجتمعه، خاضعًا لقوانينه المرعية الإجراء، متكيّفًا مع الثقافة السائدة فيه. ويكون، في هذا السياق، مختارًا ما يقدر عليه من فعل أو قول أو رأي أو تعبير دون تقييد أو إجبار، ولكن، أيضًا، دون الإضرار بالآخر أو الاعتداء عليه أو تقييده أو إجباره حتى يبقى في دائرة الحق والعدل فلا يظلم ولا يظلم. وفي السياق نفسه، يكون حرًّا في التصرّف والتمتّع بسائر حقوقه المشروعة والملحوظة له في المسكن والملبس والمأكل والمشرب والتنقل والعمل والتعليم والاجتماع وما إلى ذلك بحيث تنتهي حريّته وتقف عند حرّيّة الآخرين، وتحترم لهم كل ما لهم وما عليهم، وما هو متاح لهم من ممكنات مباحة في إطار حرّيّة اختيارهم…

     ولقد أكّد القرآن على حرّيّة الاختيار في كثير من الآيات، نستشهد منها بالآية ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:29) حيث بيّن الله الحق في كتابه العزيز للجميع، وجعل الأخذ به، وتصديقه، والعمل به، شيئًا يتوقّف على مشيئة من يختار ذلك، كما جعل الإعراض عنه، وتكذيبه وعصيانه، أمرًا يتوقّف أيضًا على إرادة من شاء ذلك؛ وفي آية أخرى، أنزل الله القرآن على النبيّ المصطفى، بالحق للناس، وجعل الأخذ بهداه، والانتفاع به يعودان إلى من اختار ذلك بملء إرادته؛ أما من تولّى عن هداه، فقد حصد وزر ضلال شاءه بنفسه على نفسه، دون أي ضغط أو إكراه من قبل الرسول الذي نفى الله وكالته على الناس في ما يختارونه ويتمكنون منه في حياتهم، إذ تقول الآية المعنية:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (الزمر:41)؛ وفي السياق نفسه، جعل الله تغييره في جماعة من الناس حالة أو أمرًا، حاصلاً بعد أن يكون هؤلاء الناس قد غيّروا هم ما بأنفسهم؛ وهذا يعني أن التغيير العائد إليهم يقع في دائرة اختيارهم واستطاعتهم؛ وهذا يصح على الصعيدين الجماعي والفردي للناس، حيث جاء في الكتاب المبين ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11)…

والآن إلى حرّيّتيّ التديّن والاختلاف اللتين، وإن أمكن إدراجهما تحت عنوان “حرية الاختيار”، فسنتوسّع فيهما بعض الشيء بالنظر إلى ما لهما من أهمية خاصّة وأثر بالغ في حياة الناس.

 4-2- حريّة التّديّن: إن حرّيّة التديّن تعني أن للإنسان حقًّا يتمتع به بحريّته دون إجبار، في اعتناق دين من الأديان باختياره وإرادته، كما له الحق في عدم اعتناقه أي دين. وبالتّدّين يطلّ الإنسان من عالم الشهادة المحسوس المعقوليّ، على عالم الغيب المفارق الذي يقصّر العقل البشري في معقوليّته على نحو ما يعقل عالمه المرئي. ومع ذلك، فهو يؤمن بخالق مطلق لكل شيء دون أي استثناء.

وتتعدّد الصور التي يرى بها، أو يسلّم بها المتديّنون بأديان مختلفة، عن هذا الخالق؛ كما تتعدد وتتنوّع الطرائق والمناهج والأحكام والتكاليف التي أوحى بها إلى الأنبياء والرسل ليبلّغوها للناس، أو بالأحرى، تعدّد فهمها وتنوّعها عبر هؤلاء الناس الذين تلقوها عن أولئك الرسل والأنبياء. وتشمل حرّيّة التديّن بدين معين حرّيّة ممارسة عقائده وفرائضه وأحكامه في أوامره ونواهيه، وفي حلاله وحرامه، باحترام ممارسات أتباع الأديان الأخرى ودون ضرر أو ضرار. ويدعو الإسلام الناس إلى الأخذ به باعتباره الدين الأكمل والأشمل والأسلم الذي رضيه الله للناس دينًا بعد إكماله لهم، وإتمام نعمته وفضله عليهم، وهداه لهم كما في الآية: ﴿- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا -﴾ (المائدة: 3)؛ ومع ذلك، يقرّر ويؤكّد للإنسان، في العديد من الآيات في القرآن، حريّة التديّن والإيمان، كما حرّيّة الكفر والجحود، بملء الإرادة والاختيار التام دون أية ضغوط أو قيود أو عوائق أو موانع؛ فلكل أمّة، عبادتها ودينها وشرعتها ومنهاجها، وفقًا لما جاء في الآيتين التاليتين:

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِيْنِ﴾ (الكافرون:6) و﴿لِكُلَّ جَعَلْنَا مِنْكُم شِرعَةً ومنهاجًا﴾ (المائدة:48). وقد سنّ الله في كتابه العزيز، قانونًا عامًّا في تقرير حريّة التديّن، وتأكيد التمتع بها، وحمايتها وصونها، إذ جعلها ملء اختيار الإنسان، بعد أن بيّن له بكل وضوح الإيمان والهدى والحق والخير والصراط المستقيم من الكفر والضلال والباطل والشرّ والطريق الملتبسة الملتوية، من غير حائل يحول دون ما يريده، أو مانع يمنعه عن الأخذ بذاك؛ فله أن يدخل في الدين الذي يميل إليه، أو يرغب فيه، أو يراه الأقوم في إغناء حياته الرّوحيّة، كما له أن يخرج من الدّين الذي ينفر منه، أو ينزع إلى غيره، أو يجده مفقرًا لحياته الروحيّة؛ بل إنه حرّ في كل هذا وذاك. ويتجلّى هذا القانون في الآية الكريمة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ-﴾ (البقرة:256)…

 يبد أن الفقه الإسلامي عمومًا يذهب مذهبًا مغايرًا لما عمّمناه في معنى هذا القانون الذهبيّ الراقي في إطار حقوق الإنسان، فيقيّده ويجعله ينطبق على من يختار الإسلام، ويريد الدخول فيه دون الخروج منه. فيصبح مؤدّاه: أيّها الإنسان، أنت حرّ في اختيار الإسلام، والدخول فيه؛ فلا تجد أمامك ما يمنعك أو يقيّدك أو يعيقك في ممارسته؛ بل تجد بتصرّفك، كل ما يسهّل عليك الأمر وييسّره؛ أما إذا شئت، لأي سبب تراه، أن تخرج منه، فأنت لست حرًّا في ذلك، فضلاً عن إهدار دمك، إن فعلت!… أما نحن فقد فهمناه في عموميّته وشموليّته وكماله لكثير من  الاعتبارات الوجيهة والوازنة، منها:

4-2-أ – إن المعنى ﴿لا إِكْرَاهُ في الدِّيْن-﴾، ينفي عن الدّين جنس الإكراه كلّه، على نحو صريح كما هو ظاهر الكلام، وينهى عنه كلّه ضمنًا؛ فليس في المعنى أي شيء، من قبيل الإشارة أو القرينة أو التحفظ أو النص، يمكن أن يبرّر أو يسوّغ تقييده، وجعله حصرًا في الدخول في الدين دون الخروج منه. أضف إلى ذلك، أن الحرّيّة قد تضيق مساحتها وقد تتسع، ولكنها لا تتجزأ، فتكون، مثلاً، نصف حريّة، وكأن يكون الإنسان قادرًا على الشيء، وعاجزًا عن تركه، أو ممنوعًا عنه ذلك، فضلاً عن أن التقييد الكيفيّ للقانون الجاري الكلام عليه يجعله متناقضًا مع حريّة الاعتقاد، ومتعارضًا مع حريّة الاختيار.

4-2-ب- إن إجبار الإنسان على البقاء في دينه الذي يريد الخروج منه إلى ما يراه في غيره، أو غير الأديان كلّها، يعطّل مبدأ حرّيّة الاختيار من أساسه، وينسف قوام الحرّيّة باعتبارها قدرة على اختياره الشيء وعلى تركه؛ إن الإنسان، إن لم يكن قادرًا على قبول الشيء ورفضه في الوقت نفسه، فلم يبقَ له شيء من الحريّة. وهل هناك حريّة اختيار بين أن يكره الإنسان على البقاء في دين ارتدّ عنه، وبين أن يمنع من الخروج منه؟! وأين الحريّة، إذا لم يكن أمام الإنسان شيء سوى البقاء على ما هو فيه على الرغم من رفضه وإرادة غيره؟!

4-2-جـ- ليس هناك، بنظرنا، ما يسوّغ اجتزاء القانون الربّاني بتقييد يطيح جوهر حريّة الاعتقاد. هل يستفيد الإسلام والمسلمون من إجبار فلان من الناس على البقاء فيهما وهو منقلب عن إيمانه، ومعلن عنه، وصائر بذلك منافقًا؟! وإذا كان في الارتداد عن الدّين شرّ مستطير على الإسلام وأهله، فأين يكون الأمر أسوأ وأخطر، في داخلهما أم في خارجهما؟ وإذا الأمر فتنة نخشاها، فهل نتّقي شرّها وإفسادها ببقائها بين ظهرانينا في الداخل أم بإقصائها بعيدًا عن دائرتنا الدينيّة؟! ثم أليس إجبار الإنسان على إيمانه إكراهًا صارخًا في الدّين، وهو، بالتالي، من جنس الإكراه الذي تنفيه الآية – القانون؟! أضف إلى ذلك، وفي السّياق نفسه، أن الإكراه على البقاء في الدّين أو على الإيمان يندرج في معارضة ومعصية مشيئة ربّ العالمين الذي، لو أراد، لآمن جميع مَن في الأرض، كما يبدو مماثلاً للإكراه الذي عاتب الله الرسول أو بالأحرى سلّاه فيه حين كان يحاول حمل الناس على الإيمان بالدعوة إلى الإسلام، مصداقًا للآية:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:99). هذا بالإضافة، أيضًا، إلى أننا لا نرى فرقًا بين “الإكراه على الإيمان و”الإكراه على البقاء فيه”.

4-2-د- ليس في القرآن، بشأن الارتداد عن الدين، عقوبة قتل المرتد عن دينه في الحياة الدنيا. ففي الآية: ﴿ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ-﴾ (المائدة:54)، سيأتي الله بمؤمنين يحبهم ويحبونه بدلاً من المرتدّين عن إيمانهم ودينهم؛ وفي الآية: ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:217)، إن المرتدين الذين يموتون وهم كافرون، ساءت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وسيكون عقابهم النار خالدين فيها. أضف إلى ذلك أنه في السّنّة، لم يعرف أو يرد، وفقًا لمعلوماتنا، أنّ  النبيّ المصطفى قد قتل مرتدًّا في غير حرب على الرغم من الحديث المنسوب إليه “من بدّل دينه فاقتلوه”(2). إذًا، فعقوبة المرتدّ أخروية وليست دنيوية.

4-2-هـ- إنّ التدّين، إن لم يكن برضا النفس والاختيار والاقتناع، كان نفاقًا؛ وإن جاء بالإكراه من قبل القيمين على الحكم أو الدين، كان أيضًا نفاقًا من قِبل المكرَه، ومعصية من قِبل المكرِه. وفي مثل هذه المعادلة، يبدو التديّن عبثًا في عبث، وإفسادًا في إفساد، لأن التديّن السليم يقتضي الصدق والإخلاص والرضا من قبل المتدّين، ما يجعله حامدًا شاكرًا غير طامع أو خائف؛ وبذلك يكون حرًّا في زمرة الأحرار وقد ترفّع عن طمع التجّار، وذلّ العبيد، استنارة منه ومنّا بفهم الإمام علي للعبادة حيث أثر عنه في هذا السياق القول: “ان قومًا عبدوا الله رغبة، فتلك عبادة التجّار، وان قومًا عبدوا الله رهبةً، فتلك عبادة العبيد، وإن قومًا عبدوا الله شكرًا، فتلك عبادة الأحرار”(3).

      إذًا، فحريّة التديّن أو الاعتقاد، إمّا أن تكون كاملة غير منقوصة للإنسان أو لا تكون، على أن تمارس في إطار من الاحترام لحريّة التديّن للآخر على نحو مماثل ومتساوٍ ومتكافئ بحيث يكون شقّها الروحاني التعبّدي خاضعًا في تقويمه وحسابه والجزاء عليه، ثوابًا وعقابًا، لربّ العالمين في الآخرة؛ ويكون شقّها الآخر المادي العملي في الحياة الدنيا، خاضعًا في تطبيقه وممارسته والعمل به، للفهم البشريّ غير المؤلّه والمنظم في إطار حقوق الناس وواجباتهم ومصالحهم وحاجاتهم وتطلعاتهم، بعدل ومساواة وحرية ومسؤولية أمام القوانين والأحكام والتدابير والإجراءات التي يفضي إليها ذاك الفهم، تقويمًا وحكمًا وجزاءً في عالم الشهادة. أما في عالم الغيب فمرجع الأمور كلّها إلى ربّ العالمين.

4-3- حرّيّة الاختلاف: إن حريّة الاختلاف لا تخرج عن دائرة المفهوم العام للحرّيّة. بيد أننا رأينا أن نفرد لها عنوانًا، كما فعلنا لحريّة التّديّن، لما لهما من أثر بالغ في حياة الناس. ففيم تكون حريّة الاختلاف هذه؟ وما مداها؟ وما مغزاها في الإسلام؟

4-3-أ- في معنى حرّية الاختلاف: إذا الحريّة بشكل عام، قدرة على الاختيار بين ممكنات مباحة ومتاحة، فان مجرّد ممارستها على أرض الواقع، ذاتيًّا وموضوعيًّا، يظهر الاختلاف فيها بين ممارسيها بقدر أو بآخر… إن حريّة الاختيار تشملها وتفضي إليها بين المتمتّعين بها… فالاختلاف سرعان ما نجده في حريّة القول والرأي والتعبير والتديّن والاجتماع والعمل، وفي أي موضوع يكون فيه الناس أحرارًا في تناوله؛ إنه ملازم للحريّة، وهما ملازمان لطبيعة الإنسان منذ أن جعله الله سيّدًا في الأرض عبر خلافته له فيها.

وإذا شئنا أن لا يكون اختلاف بين الناس في شأن ما، فما علينا سوى حرمانهم من حرّيّتهم فيه. فحريّة الإنسان في الاختلاف أن يكون مختلفًا مع هذا الآخر في اختياراته وقدرته عليها، وفقًا لما يراه فيها لنفسه من صواب أو خير أو صلاح أو جمال، وما إلى ذلك. والإسلام الذي قرّر وأكّد له  الحريّة، فردًا وجماعة، فعل له ذلك أيضًا في حريّة الاختلاف. ففيم هذا؟

4-3-ب- في مدى حرّيّة الاختلاف: إن الناس مختلفون في ما لا خيار لهم فيه من قبيل الطول والقصر، واللّون والعرق والجنس والوراثة ومكان الولادة وما إلى هذا وذاك؛ كما إنهم مختلفون أيضًا في ما لهم فيه خيار وقدرة عليه من قبيل الرأي والقول والتديّن والاجتماع والعمل والفعل وما إليه… فعلى الرغم من الكثير الكثير مما يجمع بينهم، فيظل بينهم ما يجعلهم يختلفون فيه ويتفرّدون؛ فلا نجد بين مليارات الناس اثنين متطابقين تطابقًا تامًّا.

أما الاختلاف الذي جعل الإسلام الناس فيه أحرارًا، فنميّز فيه مستويين: أحدهما يدور في إطار الإيمان الروحاني الغيبيّ حيث يأمرنا  الله أن نترك له الحكم فيه ونرجئه إلى يوم القيامة؛ أما الآخر فيمكن وصفه في إطار الإيمان المادّي الذي يتطلّب حلولًا ومعالجات في عالم الشهادة يمكن أن تسهم فيها حريّة الاختلاف المرحّل الفصل فيه إلى يوم القيامة، لما فيه من مغزى أو درس أو معلم يستفاد من  الاستنارة أو الاهتداء به. فماذا عن حرّية الاختلاف هذا بمستوييه؟

  4-3-ب-(1) حريّة الاختلاف المرجأ الحكم فيه إلى يوم القيامة: إن محور هذا الاختلاف يدور بين الله والإيمان به وتوحيده والحق والهدى والصراط القويم من جهة أولى، وبين الطاغوت والكفر والشّرك والباطل والضلال والطريق الملتوية، من جهة ثانية. فهذا ربّ العالمين يأمر نبيّه المصطفى بعد أن بيّن للمشركين الكفرة الحقّ والهدى والحجّة الدامغة، فلم يستجيبوا له، يأمره أن يناديه ببعض صفاته العظمى المطلقة بخلقه السماوات والأرض، وبعلمه بكل شيء، في عالمي الغيب والشهادة، من  أجل الفصل بينه والمؤمنين من جهة، وبين المشركين الكفّار من جهة أخرى، كما ورد في الآية:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الزمر:46). وفي السياق نفسه، قال الله لنبيّه عيسى إنه جاعل أتباعه المؤمنين به فوق الذين كفروا به إلى يوم القيامة فيحكم بين أهل الإيمان، المسيح والمؤمنين به، وبين أهل الكفر من اليهود والمجوس وغيرهم ممن لم يصدّقه، في ما كانوا فيه يختلفون، مصداقًا لما جاء في الآية:

﴿-وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (آل عمران: 55). وهؤلاء اليهود يقرأون في التوراة، وهؤلاء النصارى يقرأون في الإنجيل، فقال اليهود إنهم على الدين القويم بينما النصارى ليسوا على شيء منه؛ وقال النصارى إنهم هم أصحاب الدّين الصحيح، أما اليهود فليس عندهم شيء منه. هذا الاختلاف بين الملّتين عائد إلى اختيارهم وحريّتهم؛ والله يعلمه، ويقبل استمراره بينهم؛ وسيحكم بينهم فيه يوم القيامة، مبيّنًا لهم الحق من الباطل، وفقًا لما في الآية:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ (البقرة:113).

فحريّة الاختلاف متاحة ومقرّرة ومؤكّدة في القرآن لجميع الناس في ما يعتقدون ويصدّقون ويؤمنون باختيارهم وحريّتهم سواء أكانوا مسلمين أم يهودًا أم صابئين أم نصارى أم مجوسًا أم مشركين. والله يعرف كل شيء عن هؤلاء وأولئك، ويرى ما يختلفون فيه؛ لكنه سيفصل فيه بينهم يوم  القيامة؛ وله وحده أن يثيب ويعاقب ويعفو؛ وله العزّة؛ وعنده العدل والرحمة جميعًا. فلنتأمّل ونتّعظ بهدي الآية:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج:17).

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى