مقالات

يُقال ان الفساد هو المستوطنة الكبرى في لبنان!

د. جهاد الترك/ لبنان

“المدارنت”
الخريف في بيروت يجرّ أذيال الخيبة. لم يتبدّل المشهد قيد أنملة. كان ثمة خريف في العام المنصرم أيضا. الغيوم الداكنة هي عينها تجوب الفضاء البيروتي الحزين.المدى مقفل على الأرجح. يكاد يختنق من شدّة الثرثرة المتصاعدة من أسفل الى أعلى؛ ومن أعلى الى أسفل.ليست غريبة هذه الثرثرة. لقد ذابت في الهواء. امتزجت بذاكرة الشوارع المحتضرة.لعلّها تريد أن تأوي الى مخبأ.
الثرثرة في بيروت لها طعم القداسة. ضئيلة الإحساس بهويتها. ولأنها كذلك فهي متاحة على مدار الساعة. ومع ذلك فهي نهمة. تأكل وتأكل وتأكل على معدة فارغة ولا تشبع.
الثرثرة وحش لطيف في بيروت يقتحم كل الأمكنة على الفور. غالبا ما تفوح من الثرثرة رائحة الفساد المروّعة. في العادة تطغى الثرثرة بمواصفاتها اللبنانية على روائح النفايات المستلقية عارية على حوافي الأرصفة وفي ضمائر السياسيين. أليس من الغرابة أن يتذمر الناس بشراسة الى حدّ التقيؤ والغثيان وفقدان
الوعي كلما جيء على ذكر النفايات بينما ثمة نفايات صلبة أقذر وأكثر تلويثا وأخطر على الحياة ماثلة امامهم في الذاكرة والصحافة وشاشات التلفزة. نفاياتنا تسير على قدمين. ترتاد المطاعم.تجلس الى المكاتب. تتزوج. تقسم بأغلظ الإيمان. نفايات من أصناف المعجزة تشاركنا حياتنا وأولادنا وتقيم على مقربة منا. تسلبنا. تمرضنا. تقذفنا يوميا الى الهاوية.
يُقال إن الفساد في لبنان يصعب ضبطه بالجرم المشهود او حتى إلقاء القبض عليه في اوكاره المنتشرة
في الأماكن المشبوهة و”الطاهرة” على حدّ سواء. والغريب أنه كلما لاحت في الافق السياسي رغبة قديمة في دهم شرانق الفساد؛ يتنطّح على الفور من يزعم أن مهمة كهذه تغدو مستحيلة من دون التوجه مباشرة الى “ضرب” ما يُسمّى “الدولة” العميقة”. سبحان الله، كيف اهتدوا الى هذا المصطلح المضلل. ومن هم اولئك الذين يرفعونه شعارا أخلاقيا لتلقين زمرة الأوغاد في لبنان “الأدب” واحترام كرامة الناس. من أسف لا مواطن ولا مواطنية ولا قوانين في هذا البلد الذي وُلد في الجحيم وهو عائد الى حيث أبصر النور بقدرة قادر.
لن يُكتب للقوانين في هذا البلد الموبوء ان تتقدم خطوة الى الأمام.لم توضع في الأساس لتقي الناس والمجتمع من هجمة الغرائز وتوحّش المتوحشين. لعلّها سنّت؛ اولا وأخيرا؛ لتفعل نقيض ما وُجدت من أجله.لبنان هو “الدولة” الوحيدة في هذا العالم المهشّم التي يُخترع فيها القانون للانقضاض عليه في اليوم الثاني. ومن غرائب القضاء وعجائبه في هذا البلد المزيّف ان القانون يولدُ انتهازيا داعرا في مساحة واسعة للدعارة السياسية النظيفة.
أليس من عجائب الدنيا والآخرة ان يكون لكل قانون قانون مضاد، جاهز لضربه في الصميم. ويتشدّقون من أعلى المواقع في الدولة المتنكرة للإشادة بأهمية القوانين وسطوتها وهي أضعف من جناح بعوضة. كل من يعتلي المنابر والقصور والاجتماعات لتزكية القوانين والدفاع عن رهبتها هو كاذب محتال ودجال لأنه وهب ضميره للشياطين. وإلا لماذا لا يتقيّد بها ولماذا يُلقي بها في احواض النفايات كلما دعت الحاجة الى ذلك.
الفساد في لبنان، يحقق انتصارا كل يوم بمعرفة زمر المنافقين. الفساد في هذا البلد المصنوع من الوهم هو نمط للحياة لا أكثر ولا أقل.كاذب كل من يزعم العكس. هل من داع والحال هذه ان نورد اسماء للدلالة على هذه “الحقيقة”؟الأرجح لا، مئات الاسماء. التي لا يزال اصحابها يتناوبون بشراهة القرود على هذا البلد الذي يؤكل كل يوم.ثم يؤكل. ثم يؤكل من جديد. ولا يزال يؤكل حتى اللحظة. هؤلاء هم أكلة البلد. يؤكدون في المساء ان أموال المودعين مصانة. وفي صباح اليوم التالي، تتراكم حولهم الشبهات والإدانات والشائعات.
لا علاج للفساد في لبنان البتة حتى ولو أٍزيل عن الخارطة. قد يمحى لبنان من الوجود ويبقى الفساد في عمق هذا الوجود. ومع هل ينبغي القول إن مفهوم قيام الدولة لدى اللبنانيين، لا يستقيم البتة إذا خلا من توظيف الفساد في بنية المؤسسات عينها. وهذا ما يتعذر وجوده في العالم. من أجل ذلك لن تقوم قائمة لهذا البلد المريض حتى النخاع الشوكي.
من عجائب هذا البلد المترع بالأوهام المريضة ان يكون الفساد قد زُرع في تربة الدستور ولكن على نحو مبطّن يصعب اكتشافه بسهولة لكثرة المفردات والمفاهيم التي تبدو “طاهرة نقية” من الخارج. غير انها ليست كذلك من الداخل. ولو كان الأمر مغايرا لما فوجئنا بهبات من الرعب “الهوليودي” كلما فتحنا كتاب الدستور.
هكذا هو لبنان براق من الخارج منذ أقدم الأزمنة داكن من الداخل لعله مظلم على النسق “الهوليودي” كذلك. هذه المقاربة اللئيمة إذا جاز التعبير لم تكن لتبدو سوداوية لو أقدم المواطنون “الكرام”على معالجتها. لكنهم يفضلون الفساد دستورا على دستورهم. النفاق هنا ليس ضربا من اسطورة مبتذلة بل كشف لحقيقة لا يريد أحد أن يخرجها من مخبئها الخبيث.
النأي عن حصر السلاح بيد الدولة، تفنّن في رسم حدود السلاح؛ القبض عنوة على أموال المودعين هو أحد تجليات الفساد في الأروقة السياسية النتنة؛الامتناع عن توزيع الكهرباء، كذلك، تقديس الرشوة الى مصاف العبادة هو محاولة للارتقاء بمفهوم الفساد الى مستويات غير مسبوقة؛ حرمان المغتربين من الاقتراع في الانتخابات النيابية يشكل عهرا جميلا في ماخور الفساد. القائمة تطول وتطول لتبلغ المريخ ولا يزال اللبنانيون يتظاهرون بحقدهم على الفساد وكرههم له. يا لهؤلاء الأوغاد.

لعل اللبنانيين يترددون في مواجهة اوكار الفساد حتى لا تنهار المواقع من أعلى الهرم لتبلغ النعال. لا يسعون الى انقلاب كهذا. فهم أصل البلاء وإحلال الشرور. يرفضون التخلص من تعاويذهم الشيطانية.
الفساد على الارجح هو “صانع” لبنان, حديثا وقديما ومستقبلا في الآن عينه. لعلّه أيضا يُعزى اليه سنوات الخرافة الاقتصادية والمالية والثقافية التي أطّلت برأسها برهة ثم اختفت الى الأبد. من أسف أن الأقدار المتشددة شاءت الّا تغدق على لبنان وقتا اضافيا مستقطعا. قررت أن تقطع رأسه بعد أن تذيقه الأمرين. اليوم، أصبح من الطبيعي أن يتلبّس الفساد ما يُسمى الدولة اللبنانية. أصبح هو الأساس والدولة هي الفرع.
الأخطر في هذا المشهد المنفر ان أي مشروع لوضع لبنان على سكة الانتظام، لن يكون بمعزل عن الفساد، والاصح أن الفساد هو الحاضر الأول على طاولة وضع النقاط على الحروف.
كبر الفساد كثيرا وكثيرا جدا. والمفارقة التي لا يقبلها العقل أن الفساد يتقدم حثيثا ليصبح هو الدولة. معظم السياسيين في لبنان وأكثرهم نفوذا وسطوة على الأقل يرفضون كل المفاهيم التي أسقطت على التداول الاجتماعي والسياسي مفردة “الفساد”. وكأن هؤلاء يسعون الى محاولة إزالة آثار “العدوان” عن الفساد؛ بدليل ان لا أحد مستعدا لفتح أي من ملفات الفساد في العمق. ما خلا مناقشات تافهة مضللة وكاذبة ونظرية بالضرورة لبعض قضايا الفساد التي لا علاقة حقيقية لها بجوهر الفساد.
الفساد يتقدم. الدولة تتراجع.لعلها لا نية لديها لتتجاوز عثراتها. ولماذا تفعل ذلك؟ الفساد ينوب عنها في المهام الخطيرة.
هل ثمة احتمال والحال هذه النظر في الكيفية التي قد تؤدي الى البدء في مواجهة الفساد؟ الارجح لا؛ طالما أن احدا لا يعلم شيئا عن هذه الكيفية او لا يرغب في الاقتراب من هذه المسألة أو أنه لا يجرؤ على ذلك او ليس له منفعة في ذلك. الواقع أن مسألة الفساد أكلتها الفوضى العارمة والغموض وتشرذم المسوؤليات والاتهامات ومناطق الخطر الرهيب والخوف من المجهول.
من أجل ذلك ثمة قناعة لدى اللبنانيين تبدو راسخة للغاية بأن الفساد في لبنان، جريمة تٍقيّد ضد مجهول. ولا سبيل غير ذلك البتة. ويتساءل الجميع في الداخل والخارج: ما جدوى القضاء وسائر الأجهزة المنوطة؟ الجواب؛حتى ولو وضع القضاء يده على أدلة وهي كثيرة وكثيرة جدا فإن الطريق الى المضي في هذا الاتجاه سيكون مقفلا بالأسلاك الشائكة والمعوقات المستعصية سنوات طويلة. لا يدري احد ماذا يدور وراء الجدران المتحركة. ولن يكون بمقدور أحد ولو كان على صلة بمنظومة محترفة من العرافين والسحرة ومن يزعمون معرفة المسثور.
ما العمل والحال هذه. لا عمل على الأرجح سوى الدعاء والدعاء ليقبض الله سبحانه وتعالى، ارواح المجرمين والحرامية والنصابين والمفترين. وهذه المواجهة الصامتة مع السفلة تتطلب صبرا خرافيا وضبطا اسطوريا للأعصاب. ونقول لنجلس على ضفة النهر بانتظار ما تبقى من جثث آكلي الجثث.
الفساد في لبنان مسلسل لا نهاية له الا بزوال المعتدين واولاد الحرام ولو بعد حين. والله ولي التوفيق.

صفحة الكاتب على منصة “ميتا”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى