مقالات

17 تشرين الأول 2019.. ثورة في رحم المجهول..!

عبد الناصر طه/ فنزويلا
خاص “المدارنت”..
‏بعد مرور عام على حراك 17 تشرين ‏الأول 2019، ‏الذي يصر البعض أن يسميها “ثورة”، رغم قصور الحراك وتردده أمام استحقاقات تصب في خانة العمل الثوري، وأهّمها إسقاط أوكار الفساد ابتداء بقمة الهرم، ووقوفه عاجزًا أو متواطئًا في عدم التصويب على موقع الرئاسة، بل ذهب بعض الحراك ممن تسلقوا ظهر الحركة الشعبية، ‏إلى الدفاع عن الموقع المسيحي الأول، ‏ضاربين عرض الحائط بمقولة المهمشين المظلومين المنتفضين “كلن يعني كلن”.
وبعيدًا ‏عن النتائج الكارثية لممارسات السلطة السياسية، ولتداعيات الحراك على امتداد عام كامل، من انهيار اقتصادي ومالي الى تصدعات وانقسامات، طالت القوى الحزبية الكبرى إلى دعوات تقسيمية، بدأت تظهر للعالم باشكال فاقعة ومشبوهة؛ فلا بد من القول أن الحراك شكل علامة فارقة في تاريخ لبنان الحديث، ‏في كشف بؤر الفساد المتعددة في الدوائر الرسمية كافة، وفي تركيز الضوء على خيانة الطبقة السياسية أمانة الحكم، ونهب المواطنين جهارا نهارا، في عملية دنيئة لم يسجل لها تاريخ الدول مثيلاً، وتغّول الطائفية السياسية في الجسد اللبناني، واستبدال الوطن بالطائفة، ‏ما عجل في القضاء على آمال الأجيال الشابة الطامحة إلى نظام المساواة والعدل.
‏ومن ‏مآثر الحراك، انه أفسح المجال أمام معظم المقهورين المهمشين من أبناء الوطن ليقولوا كلمتهم، ‏ولتظهر طبقة جديدة غير ملتزمة بثقافة القطيع وطاعة أوامر الزعيم؛ تضاف إلى ذلك مشاركات وسائل الإعلام الكبرى، الفضائيات منها، خاصة في تغطية مجريات ونشاطات الحراك من اقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، مرورا بالعاصمة والجبل والبقاع، رغم كل ما قيل عن تمويل لتلك الوسائل الإعلامية، أو لبعض مكونات الحراك؛ ومن جملة المآثر قيام بعض المجموعات بنشاطات تثقيف ‏وتوعية (سياسية، اقتصادية،اجتماعية)، لم نجد لها مثيلاً من قبل.
‏ذلك دفع معظم الطبقة السياسية إلى إعداد العدّة لمواجهة الحراك، والقضاء عليه ،وإعادة لملمة الاوراق المبعثرة، والبحث عن سبل جديدة لتغطية فسادها المتواصل، ونهبها مقومات الدولة؛ ‏وذلك عبر تحالفات ثنائية وثلاثية مستورة حينًا ومكشوفة أحيانًا، لطمس أثار جريمة نهب أموال الوطن والمواطن وتهريبها إلى الخارج، والتغطية على اتباعها الفاسدين في إدارات الدولة، وحمايتهم من أي ملاحقة قانونية؛ ما أفسح المجال لإعادة النفخ في أتون الصراعات المذهبية، ‏والتمترس خلف الطوائف، ‏وخلف رجال الدين الذين شكلوا متاريس دفاع عن سلطة، أقرب ما تكون إلى العصابات الإجراميه ولكرتيلات المخدرات.
‏واليوم، بعد عام على حراك 17 تشرين الأول، نلاحظ أن الصورة تشتد قتامةً، وتختفي إشارات الضوء في النفق الذي نسير فيه؛ ‏وأمام متغيرات دراماتيكية أصابت الوطن والمواطن، لعل أعنفها ‏وأشدّها إيلامًا ‏كان انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب، وتدمير جزء كبير من العاصمة، و‏مقتل المئات وجرح الالاف، وتشريد مئات الآلاف من أبنائها، وما تبع ذلك من تفجيرات في أماكن أخرى، ‏إضافة إلى حرائق متنقلة في المناطق اللبنانية، إلتهمت الاخضر واليابس، من دون أن يرف ‏جفن لأهل السياسة، لإنقاذ ما تبقى من الوطن ،بل أنهم ‏راحوا يتقاذفون المسؤوليات، ‏وعيونهم ناظرة إلى تقاسم ما تبقى من فتات الكعكة اللبنانية.
‏ولا يغيب عن بالنا جائحة كورونا، التي قلبت الموازين الدولية والمحلية، وساعدت في تخفيف اندفاعة الحراك الشعبي، لما فرضته من حجر صحي ‏وتباعد اجتماعي وقوانين وضوابط حماية صحية، غلّبت الهمّ الصحي على ما عداه، ما أدّى إلى تفاقم الأزمة المعيشية، التي ‏امتزج ‏فيها جشع التجار مع جشع السياسيين، ‏وكشفت الناس أقنعتها، وظهر جليّا ‏زيف شعارات المواطنة والعيش المشترك، وانهارت منظومة القيم التي تشد أواصر ‏المواطنين، إلى أن ‏صار حلم الهجرة والهروب من لبنان، يراود معظم الناس وجيل الشباب بشكل خاص.
‏وفي هذا المقام، وبعد ‏التأكيد أن الحراك الشعبي الذي بدأ في 17 تشرين الأول العام الماضي، كان علامة فارقة في محاربة الفساد والظلم والتسلط، ‏فمن المجدي أن نشير إلى أخطاء وسلبيات، كان بالإمكان تجاوزها، كي يبقى الحراك على نقائه وأهمها:
أ – ‏تعدد هائل في مكونات الحراك، ما يعوّق أي نشاط جماهيري ذي أهداف ثورية؛ واستحالة توحيد تلك المكونات أو الجمع بين شعاراتها.
ب – ‏إتجاه الحراك إلى رفع شعارات مستحيلة في لبنان، لأسباب أبرزها: جهل بعضهم بالتاريخ، واستغلال بعضهم الآخر اندفاع الجماهير الشعبية المظلومة، لتمرير شعاراته الحزبية الضيقة.
ج – ‏ارتباط مجموعات معينة ومعروفة من مكونات الحراك بأجهزة مخابراتية متنوعة: شرقية وغربية.
د – ‏دعوة البعض إلى أولوية الاهداف السياسية قبل الاقتصادية، ما يشير إلى عبثية في بعض قوى المعارضة، إن لم نقل ارتباطا بدول لها أجندات سياسية في لبنان، وتريده ساحة صراع وحرب، على غرار ما فعلته في الدول العربية الأخرى.
هـ – إستكانة ‏مكونات الحراك من قوى وحركات وتجمعات، بعد تشكيل حكومة الرئيس حسان دياب، رغم اشتداد الأزمة المعيشية، والإنهيارات المالية والسياسية المتتابعة ما يثير تساؤلات كبيرة.
‏فهل بقي من أمل للمواطن اللبناني في الذكرى الاولى لإنتفاضة 17 تشرين الأول 2019؟ ‏قد يكون الجواب صعباً للغاية، لأن الطائفية السياسية، وحماتها من السياسيين ورجال الدين والقضاة ورجال الأمن، فعلت فعل السوس الذي ينخر كل شي في الخشب؛ فهل يرتجى إصلاحٌ من فاسدين؟!
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى