عربي ودولي

5 آذار في باريس.. موعد دعم الجيش اللبناني.. السعودية على استعداد و”حزب الله” يعيد ترتيب علاقاته فهل يسلم سلاحه؟

سلام

“المدارنت”
“كلنا للوطن.. للعلى والعلم”، هكذا دوى صوت مرتفع في مكبر الصوت، مطلقاً النشيد الوطني اللبناني، وقد تمّ وضع الزهور ونثر الأرز على رؤوس الشخصيات البارزة، وقدم رئيس البلدية للضيف شهادة تقدير مكتوباً عليها كلمة: “شكراً” بأحرف كبيرة.
هكذا استقبل رئيس الوزراء اللبناني، د. نواف سلام، الأحد الماضي، عند قدومه لزيارة رسمية في قرية كفرشوبا في جنوب لبنان، قرب الحدود مع إسرائيل. وقد جاء مئات من سكان القرية والمناطق المحيطة لتحيته وشكره على الزيارة.
وقد كتب في أحد المنشورات التي نشرت في الشبكات الاجتماعية في ذلك اليوم: “لقد عادت الدولة إلى جنوب لبنان ونحن نشكره على ذلك”.
واحتفل سلام (73 سنة)، وهو رجل قانون معروف والرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية في لاهاي، بالذكرى السنوية الأولى لتولي منصبه في يوم زيارته. ولم يخف تحمسه: “نريد أن تعود هذه المنطقة للدولة. لقد غابت الدولة عن الجنوب لفترة طويلة، لكن الآن، تمّ نشر الجيش فيها ونريد أن يبقى للوفاء بالتزاماته.
ولكن الدولة لا تعتمد على الجيش فقط، بل تقوم على القانون والمؤسسات والحماية الاجتماعية والخدمات التي تقدم للمواطنين”، قال للسكان من حوله. وفي مكان قريب من هناك، كانت نقاط مراقبة الجيش الإسرائيلي ظاهرة للعيان.
 سلام سيخصص يومين من أجل زيارة القرى المدمرة في الجنوب، التي لم يرجع الكثير من سكانها، لا سيما الذين يعيشون في شمال نهر الليطاني، إلى بيوتهم حتى الآن. ووعد: “سنبدأ في غضون عدة أسابيع أعمال البنى التحتية التي ستمكن السكان من العودة إلى بيوتهم”.
ولكنه، مثل السكان، يعرف أنها وعود لا أساس لها من الصحة في الوقت الحالي، لأن هذه الزيارة ذات التغطية الإعلامية الواسعة، لا تدل على سيطرة الدولة على كل الأراضي في الجنوب.
محمد الأمين، المنسق العام لـ”منتدى الشيعة” في لبنان، الهيئة التي تأسست قبل سنة، وتسعى لبناء نفسها كبديل عن المنظمات الشيعية الرسمية، “حزب الله” و”حركة أمل”، قال: “الحكومة ليست صاحبة القرار. من يملك القرار هو حزب الله وإيران”. وفي مقابلة مع قناة “الحدث” السعودية، قال: “ما لم تفِ الدولة بالتزاماتها ولا تجمع سلاح حزب الل،ه فإن الزيارات الاحتفالية مثل زيارة سلام في الجنوب، لن تغير الواقع في لبنان. “على الدولة جمع السلاح وإعادة السيطرة”، قال. وهو ابن لعائلة شيعية عريقة أنجبت الكثير من فقهاء الشيعة ومن بينهم والده السيد علي الأمين.
في ظل التهديد بالحرب مع إيران، يتوقع أن تسعى المنظمة في لبنان إلى تنظيم علاقاتها مع الحكومة.
 لعقود اعتبر “الجنوب” منطقة شيعية خارجة عن سيطرة الدولة. وقد انتقلت المنطقة من سيطرة “م. ت. ف.” الفلسطينية قبل حرب لبنان الأولى إلى إسرائيل، التي سيطرت عليها في الأعوام 1982/ 2000. وعند انسحابها أصبحت المنطقة تحت سيطرة حزب الله المدنية والعسكرية شبه الكاملة. ويبدو الآن أن نتائج الحرب التي وجهت ضربة شديدة لحزب الله، وقضت على معظم قيادته العسكرية والسياسية وعزلته عن سوريا ووضعت إيران في موقف ضعف، تسبب أيضاً تصدعاً حقيقياً في دعم الشيعة لحزب الله.
في حين أظهر 85 في المئة من المستطلعين في استطلاع أجراه معهد الباروميتر العربي في 2024 في أوساط اللبنانيين، ثقتهم أو ثقتهم الكبيرة بحزب الله، فإنه في الاستطلاع الذي أجرته صحيفة “النهار” ومعهد الأبحاث “انفورميشن إنترناشيونال” في نيسان 2025، اعتبر نصف المستطلعين الشيعة إيران عاملاً سلبياً، رغم أنهم ما زالوا يعبرون عن دعمهم الكبير لحزب الله.
ولكن بعد وقف إطلاق النار الذي دخل إلى حيز التنفيذ في تشرين الثاني 2024 وعندما عاد سكان الجنوب جزئيا، بدأت القضية السياسية، التي قد تحدد وضع التنظيم وتمثيل الشيعة بشكل عام، تشتد في الساحة السياسية في لبنان. ففي أيار إذا لم تحدث أي تطورات استثنائية، يتوقع إجراء الانتخابات، التي ستحدد توزيع القوة الشخصيات التي ستدير الدولة. رسمياً، كما نص اتفاق الطائف من العام 1989، من أصل 128 مقعداً في البرلمان، 64 مقعداً للمسيحيين و64 مقعداً للمسلمين والدروز. أما نصيب السنة والشيعة 27 مقعداً لكل طائفة. مع ذلك، تكمن القوة الحقيقية في الكتل التي ينجح كل طرف في حشدها لتشكيل الأغلبية اللازمة لفرض هوية رئيس الحكومة وتحديد سياسته.
قد تحصل القضية الاقتصادية على أهمية كبيرة في الانتخابات، وسيلعب الجنوب الشيعي دوراً رئيسياً فيها. وبالنظر إلى مظاهر دعم الحكومة ورئيسها، يبدو أن الجنوب مستعد لدعم أي جهة توفر السلع وتجلب الأموال وتعيد كل السكان إلى بيوتهم وتمول إعادة التأهيل وتضمن الأمن والاستقرار الاقتصادي.
تكشف ضعف حزب الله اقتصادياً هذا الأسبوع، عندما أعلن الأمين العام نعيم القاسم بأن الحزب سيواصل الدفع عن بدائل السكن لكل من هدم بيته أو أصبح غير صالح للسكن. ولكن من الآن فصاعداً، سيتم تسليم الدفعات كل ثلاثة أشهر وليس قبل سنة مسبقاً مثلما كان الأمر في السنة الماضية. يخشى السكان أنه تعهد قد لا يفي به الحزب رغم المساعدة التي يحصل عليها من إيران.
مع ذلك، حتى الحكومة في لبنان التي تطمح إلى “إعادة الجنوب للوطن”، وتعد ببرامج إعادة الإعمار والتنمية، لن تتمكن من الوفاء بالتزاماتها بدون دعم مالي ضخم يبلغ عشرات مليارات الدولارات. قبل الحرب كانت الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية تشترط تنفيذ إصلاحات اقتصادية عميقة لتمويل إعادة بناء اقتصاد لبنان. والآن أضيف شرط متفجر آخر يبدو في الوقت الحالي مستحيلاً، وهو التزام حكومة لبنان بنزع سلاح حزب الله في البداية إذا أرادت الاستفادة من المساعدات الدولية.
في الأيام القريبة القادمة ربما يعرض قائد الجيش اللبناني، اللواء رودولف هيكل، على الحكومة المرحلة الثانية لنزع سلاح حزب الله. وستركز هذه المرحلة على المنطقة الموجودة بين نهر الليطاني ونهر الأولي. وأوضح هيكل، الذي عاد من سلسلة محادثات في الولايات المتحدة في الأسبوع الماضي، وبعد ذلك سارع إلى زيارة السعودية، أوضح لمستضيفيه في واشنطن والرياض بأن تنفيذ هذه المرحلة سيحتاج إلى مساعدة كبيرة من حيث الأموال والوسائل اللوجستية والتكنولوجية، وإلا لن يتمكن الجيش من استكمال هذه المهمة.
في 5 آذار القادم تقرر عقد مؤتمر دولي في باريس لدعم الجيش اللبناني، بدون كشف هوية من تمت دعوتهم، لا سيما حجم التمويل الذي سيتم جمعه لهذا الغرض. بعد زيارة هيكل للرياض، أفادت التقارير بأن السعودية أظهرت الاستعداد للمشاركة في المؤتمر، ما يعتبر نبأ مهماً للجيش اللبناني ولبنان بشكل عام، حيث لا تقتصر هذه الشراكة على الدعم المالي الكبير فقط، بل تشمل أيضاً الدعم السياسي الذي قد يؤثر على قرارات ترامب بخصوص لبنان.
 في الوقت نفسه، يشاهد حزب الله، الذي بقي متمسكاً بمعارضته الشديد لنزع سلاحه، عملية إعادة تنظيم متسارعة تشمل تعيين واقالة مسؤولين كبار. أبرز هذه الإقالات هي إقالة وفيق صفا، رئيس “وحدة الارتباط والتنسيق” (مسؤول الأمن في حزب الله) بين الحزب ومؤسسات الدولة. ويعتبر صفا، الذي كان أحد المرشحين لخلافة (السيد) حسن نصر الله، شخصاً مثيراً للجدل في الحزب. وذلك يعود جزئيا لموقفه المتشدد من حكومة سلام.
من غير المعروف ما هو توجه التنظيم، لكن بعد أسابيع كثيرة من استخلاص الدروس من النتائج الصادمة للحرب، ودراسة الإخفاقات الاستخبارية والتقييمات الفاشلة لطبيعة الحرب ورد إسرائيل المتوقع – الآن في ضوء التهديد بالحرب ضد لبنان – فالتقدير الآن بأن حزب الله قد يتوجه إلى إعادة ترتيب علاقاته مع مؤسسات الدولة.
 الأربعاء الماضي، التقى محمد رعد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الله، والذي يطرح اسمه كمرشح محتمل لمنصب نائب نعيم قاسم، مع الرئيس جوزف عون في قصر بعبدا.
وصرح عندما غادر القصر: “نعمل بجهد لتحقيق التفاهم والتعاون مع الحكومة في كل المسائل المتعلقة بتحقيق أهداف اللبنانيين، بدءاً بأنهاء الاحتلال (الإسرائيلي) وإطلاق سراح السجناء اللبنانيين في إسرائيل، وإعادة السكان إلى بيوتهم والبدء في مرحلة إعادة الإعمار والحفاظ على سيادة الدولة”.
هذه التصريحات لم تكن موجهة فقط للرئيس اللبناني أو الدول المانحة. حزب الله يعرف أن “الصوت الشيعي” لم يعد يوضع بشكل تلقائي في جيوب ممثليه التقليديين، لأن الحزب ينظر إليه أيضاً من قطاعات واسعة من جمهوره كعامل قد يعرقل عملية إعادة الإعمار إذا استمر في تشدده في قضية نزع سلاحه. الحوار قد يتقدم بين الحزب والحكومة اللبنانية في الفترة القادمة نحو التوصل إلى اتفاقات، بما في ذلك قضية السلاح، في إطار ما يعرفه الحزب بـ“الاستعداد الاستراتيجي الوطني”. وما يزال تفسير هذا التعريف غير واضح.
مع ذلك، هذا الحوار يحتاج إلى وقت، وفي الوقت الذي تهدد فيه إسرائيل باستئناف الحرب، على الرئيس اللبناني، حشد دعم الدول، على رأسها السعودية وقطر، من أجل إقناع ترامب بالسماح للبنان للبدء في إعادة إعمار الجنوب قبل نزع سلاح حزب الله بالكامل. والأهم هو منع إسرائيل من استئناف الحرب. في ظل المرونة التي يظهرها ترامب تجاه حماس، ومع استمرار المفاوضات مع إيران، يتوقع لبنان بادرة صبر من قبل الرئيس الأمريكي.

تسفي برئيل/ “هآرتس” العبرية
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى