مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”27″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

6-3-ب – القدر لا يلغي الحرّيّة: ان كلامنا على الحريّة والقدر حتى الآن يفضي بنا إلى أنّ لكلّ منهما مدى في حياة الإنسان، لا يلغي أحدهما الآخر، ومن غير أن يعني هذا أن القدر، بمعنى القدرة المطلقة لله، يقيّد حرّيّة الإنسان، ويحدّه، ويجعله نسبيًّا على شاكلتها، بل بمعنى ما القدر فاعل فيه حيث لا طاقة للإنسان به، وبمعنى أن للإنسان مدى آخر يفعل فيه بقدر ما له به طاقة، استجابةً لتكليفه من ربّ العالمين عبر خلافته في الأرض… والآن إلى بسط الكلام على هذا العنوان، مستظلّين بكثير مما توحي به إلينا الملاحظات الست المعتبرة الآنفة الذكر:

6-3-ب-(1)- “مطلقيّة” الله وعجز الإنسان: لنسارع إلى التسليم بالله المطلق في علمه الأزلي الأبدي بكل شيء، وإرادته النافذة في كل ما يشاء، وقدرته على كل شيء، وخلقه كل شيء. ولنسارع أيضًا إلى التسليم بعجزنا عن فهمنا لعالم الغيب واستيعابه لتجاوزه دائرة معقولياتنا، كما ذكرنا في غير مكان، تصديقًا للآية:

﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النمل:65).

6-3-ب-(2) أسبقيّة علم الله بالخلق: ان الله المطلق في علمه، قد علم وأحاط بالخلق قبل أن يخلقهم، وكتب مقاديرهم في اللوح المحفوظ على نحو علمه المسبق بهم، وبما هم صائرون إليه بعد خلقهم.

ان هذه الأسبقية في علم الله وكتابته بشأن الخلق، تبعد، منطقيًا، فكرة مشاركة الخلق لله في قدمه ووحدانيته ومطلقيّته، فضلاً عمّا ذهب إليه فيها الحديث “إن الله كتب مقادير الأشياء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرضه على الماء”(8)، وعن إخبار القرآن بها في الآية:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾  (الحديد:22).

6-3-ب-(3) – في علّة أفعال وأعمال البشر: في أكثر من 160 آية (9) ورد فيها علم الله عبر (عليم، العلم، عليما) من قبيل “عليم” (بكل شيء، بالظالمين، بالمفسدين، بذات الصدور، بما يعمل الناس ويفعلون ويصنعون، بكل خلق…الخ)؛ وفي أكثر من 90 آية (10) ورد فيها عمله تعالى أيضًا عبر (يعلم) من قبيل “الله يعلم” (ما يسرّون ويعلنون، المفسد من المصلح، ما في السموات وما في الأرض، ما في القلوب، مفاتح  الغيب، ما يلج في الأرض وما يخرج منها، السّاعة، خائنة الأعين،…الخ)؛ ليس في ما أشرنا إليه من الآيات  الكريمة، ما يدلّ أو يشير إلى أن الله الذي علم وأحاط بنشاط البشر كله من بين علمه بكل شيء، قد عرّفهم بنشاطهم، وأراده لهم، وأقدرهم عليه، ويسّرهم أو سيّرهم له؛ ولو كان الأمر عكس ذلك، لكان هؤلاء جهلة وعبيدًا وعجزة، ولكان من الظلم أن يحاسبهم الله، وهو المنزّه عن الظلم، ويحمّلهم تبعات أعمال وأفعال لم يكونوا هم علّتها، ولم يكونوا هم أحرارًا فيها.

6-3-ب-(4) – في مشيئة الله النافذة والخلق: انطلاقًا من علم الله المسبق بالخلق، وكتابة مقاديره قبل إحداثه، وعلّة أعمال البشر وأفعالهم المشار إليها؛ وباعتبار إرادة الله النافذة بإيجاده بقدرته المطلقة، في التوقيت الذي شاءه تعالى، كان الخلق بأمر منه عزّ وجلّ، حيث حدث كل شيء طبقًا لمقاديره في الكيف والكم والحجم والشكل والوزن والمادة الوظيفة والدور والوضعة والقامة والمكان والزمان والصورة واللون والرزق والمقام والقيمة والعزّ والسعادة والشقاء والغنى والفقر والعلاقات(…)، التي كان الله قد قدّرها وكتبها في اللوح المحفوظ على النحو الذي كان قد علمه به في علمه المسبق، والذي سيكون فيه وعليه في الوجود بعد خلقه، من غير أن يكون “ميّسرًا لما علم أنه صائر إليه” أو “ميسّرًا لما خلق له”(11)، كما اعتقد ويعتقد بذلك معظم المسلمين، فقهاء وعلماء ومنظرين، وأتباعًا؛ لأن ذاك الشيء الحادث لا حاجة به إلى التيسير في ما هو صائر إليه، ولا في ما هو مخلوق له.

وفي هذا السياق، لا تكون أعمال البشر وأفعالهم خارج معرفتهم بها، وإرادتهم لها، وقدرتهم عليها، ومسؤوليتهم عنها، لان الله كان قد علمها وقدّرها وكتبها على نحو علمه المسبق بها، غير منسوبة إليه في علّتها في الوجود، ثم خلقها طبقًا لعلمه المسبق بها المكتوب في اللوح المحفوظ، منسوبة إلى فاعليها البشر الذين يعون ما يقومون به باختيارهم وقدرتهم وحريّتهم، وعلى مسؤوليتهم في عالم الشهادة حيث يصحّ بشأنه التكليف والابتلاء والجزاء.

6-3-ب-(5)- خير المتوافر لنا من مفهوم القدر: لعلّ ما أصبح متوافرًا لنا في مفهوم القدر (القضاء والقدر) من الوضوح والاتّساق، يجعل كلامنا عليه مستقيمًا في الفقرة (6-2-) السابقة، لجهة أنه قائم في كل ما لا طاقة للإنسان به، وأنه لا يلغي ما له من معرفة وإرادة وقدرة وسيادة وحريّة، وما عليه من مسؤولية، في ما له طاقة به، وفي ما يقوم به، وينشط فيه، ويعمله ويفعله في خلافته في الأرض؛ كما يتحرّر به الإنسان من شرّ ما ينعكس فيه من خطورة الفهم البشري السائد والشائع للقضاء والقدر الذي جرى الكلام عليه في الفقرة (6-1) السابقة أيضًا بحيث يعيد النظر في فاعليته، فيرد لها اعتبارها، ويوسّع مساحتها بتفعيل أسباب فعلها من عقل وإرادة وقدرة لتنحسر مفعوليته، ويقوى شعوره بالمسؤوليّة، ويغيب الإفلات منها بذريعة الامتثال للقضاء والقدر، بالتزامن والتلازم مع حريّته؛ ويتهيّأ المناخ للمبادرة والمغامرة الفضولية والطموح والإبداع؛ ويتعززّ دوره في ما له من أمره ومصيره…

أضف إلى ذلك، أن وضوح الحدود بين القدر والحريّة في حياة البشر بما يلازمهما من الاتساق، يذهب بظلال التضارب أو التعارض أو  التناقض أو الحيرة أو الاستسلام أو البلبلة أو الإرباك، التي يلقيها كلام كثير في القرآن والسّنّة في نفوس أهل الإيمان بثقافة القدر السائدة والشائعة في المجتمعات الإسلاميّة، والتي تأخذ طابع المعاناة (حتى لا نقول الصراع) في نفوس هؤلاء بين القدر والحريّة، التي سرعان ما تنتهي إلى هيمنة ساحقة للقدر، وتقزيم مزرٍ للحريّة، واستكانة النفوس وخضوعها واستسلامها… من قبيل هذا الكلام، نذكر مما جاء منه على الإرادة في القرآن:

﴿وَمَا تشَاْؤُون إلاّ أنْ يشاء الله-﴾ (الإنسان:30)، وفي السّنّة، “ما يريد الله يكون، وما لا يريد لا يكون”(12)، وعلى القدر، في القرآن، ﴿إِنَّا كُلُّ شيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر:49)، وفي السّنّة، “… الإيمان بالقدر خيره وشرّه”. ففي هذا الكلام، وبحسب ما بلغناه في مفهوم القدر (القضاء والقدر)، لم تلغَ إرادة الإنسان ولا قدرته في ما يقوم به لأنهما كانتا في علم الله المسبق على نحو ما هما في فعله بعد الخلق، ولأن الخلق صار إلى الوجود بإرادة الله وقدرته طبقًا لعلمه المسبق فيه، وبالتالي، ما هو بشأن فعل الإنسان بعد الخلق، كان الله قد علمه وكتب مقاديره في اللوح المحفوظ، كما كان في علم الإنسان نفسه وإرادته وقدرته. وبذلك يستقيم لنا الكلام على خلافته في الأرض، وجزائه العادل في الدنيا والآخرة، وعلى حريّة البشر في عالم الشهادة في ما يلي:

6-3-جـ- الإنسان في خلافته: مؤهّل سيّد حرّ مسؤول: خلافًا للعجز الذي يبدو فيه الإنسان في مدى القدر من “غيب، وحياة وموت، وما لا طاقة له به”، يتألّق قدرة وإرادة وعقلاً ومسؤوليّة وحريّة وسيادة وأهلية في مدى خلافته على الأرض منذ أن جعل الله آدم خليفة له فيها، متميّزًا من غيره من الخلائق، ومتفرّدًا بالتكليف والابتلاء والجزاء حيث يثاب في ما يحسن ويطيع ويستقيم، ويعاقب في ما يسيء ويعصى ويقترف، كما في الآيتين:

﴿لا يُكلّف الله نفسًا إلاّ وُسعَها-﴾(البقرة : 286)، و﴿مَنْ عَمَلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِه، وَمَنْ أَساءَ فَعَليْها- ﴾(الجاثية:15)… إن الأمور والشؤون القائمة في عالم الشهادة، والمتعلقة بالإنسان، خاضعة لسيادته، يدبّرها ويصرّفها ويديرها ويسوسها وفقًا لما يراه عقله بما يحسن استعماله من معرفة، ويتقنه من خبرة، ويجيده من تجربة. ومما تجدر الإشارة إليه، في هذا السياق، هو أن إعمال العقل لدى البشر، هو ما يرجعون إليه في كل حياتهم، سواء أساسوها بأنظمة وقوانين وآليات وإجراءات من صنعهم وإبداعهم أم بما أوحى به إليهم ربّ  العالمين عبر كتبه ورسله والأنبياء حيث، وفي حال استجابتهم للدعوة إلى الموحى به، والإيمان به، يتلقفونه بعقولهم، ويأخذون بأوامره ونواهيه على نحو ما يتمثّل لهم بفهمهم البشري.

وما حال التمذهّب والتفرّق والتحزّب القائمة والمتحرّكة إلاّ نتيجة لهذا الفهم المتعدد المتنوّع المؤلّه… فالإنسان في خلافته في عالم الشهادة، تتم له أعماله وأفعاله وبشكل عام، وفقًا لفهمه إياها بعقله، وترجيحها وتقريرها بإرادته، وتنفيذها وتحقيقها بقدرته، وتحمّله تبعاتها في ضوء مسؤوليته عنها لكونه حرًّا فيها، في سياق سويّته الراشدة…

      ولعلّ الأمر أصبح واضحًا بما فيه الكفاية، وأصبحنا على بيّنة من أمرنا لجهة أنّ ما انتهينا به في هذه الفقرة، لا يتعارض مع الله المطلق في علمه وإرادته وقدرته وخلقه، بل يتوافق مع تكليفه تعالى الإنسان بخلافته في الأرض.

6-3-د- الجزاء العادل على الفعل الحر في الأرض وفي السماء: إنّ مفهومنا للقدر والحريّة  يتطابق تمامًا مع ما يجري في مقاضاة الإنسان على أفعاله في الحياة الدنيا، سواء أكانت مقاضاة، قانونية مدنية وعسكرية، وضعيّة أم شرعية دينية حيث يعتبر الإنسان فاعلاً لأفعاله أو علّتها، ولا يدخل مفهوم القضاء والقدر مسؤولاً إلاّ في ما خرج عن إرادته وعلمه، ولم يكن من فاعليّة غيره أو عليّته. فالجزاء العادل في الفهم البشري يكون معقوليًّا، إذا ما كان على فعل، فاعله حرّ.

أما الحساب في الآخرة، وفقًا لمعرفتنا من طريق الخبر الديني، فلم يختلف مبدئيًا عن المقاضاة المشار إليها في الحياة الدنيا إلاّ في أنه الأعدل والأحق والأكثر إنصافًا، لأنه من قضاء الله  الذي لا يظلم الناس أشياءهم، حيث يثيب عبده على ما كسب من عمل صالح في طاعة الله ورسوله، ويعاقبه على ما اكتسب من عمل طالح في معصية الله ورسوله… ولعلّه من الوضوح بمكان أن الإنسان المقاضى على الأرض والمجزيّ في السماء هو مسؤول في الحالين عمّا قام به هو نفسه، وكان موضوعًا لهذا الجزاء ولتلك المقاضاة، ما يعني أنه كان حرًّا فيه، أي عارفًا به، ومريدًا له، وقادرًا عليه، ومسؤولاً عنه، وسويًّا راشدًا؛ وإلاّ فكان الحكم الصادر عن المقاضاة على الأرض ظلمًا وعدوانًا على حقوقه، وانتهاكًا صارخًا لحريّاته، كما كان الحكم الصادر عن الحساب في السماء، هو الآخر، ظالمًا، والعياذ بالله، لأنه تعالى أعدل العادلين، ومنزّه عن الظلم والعدوان. كيف يعقل أن يجزي الله عبدًا من عباده، على فعل قام به بمشيئة الله، وأنجزه وحقّقه بقدرته تعالى، وهو القائل:

﴿ولا تَزِرُ وَازِرةٌ وِزْرَ أُخرَى-﴾(فاطر:18) ؟! ولنتأمل ونتعظ في مضمون الآية ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (النحل:111).

6-3-هـ- الناس أحرار على الدوام في عالم الشهادة: لعلّ الشعور العفوي أو المباشر لدى جميع البشر في الحياة الدنيا، والمصاحب لهم في كل ما يقومون به من نشاط في جميع مناحي حياتهم، هو أن هذا  النشاط هو نشاطهم، وأنهم هم الذين يعرفونه ويريدونه ويقدرون عليه، وهم الذين يفلحون فيه هنا، ويخفقون فيه هناك، وهم الذين يُسألون عنه أمام كل السلطات المحاسبة لهم بهذا الشكل أو ذاك: أخلاقيًا واجتماعيًا وقانونيًا ودينيًّا، لأنهم أحرار فيه. فالناس أحرار في ما هم فيه من كينونة في زمان ومكان معينين من غير تغيير، وفي ما هم آيلون إليه من صيرورة في زمان ومكان لاحقين ومعينين أيضًا نتيجة لتغيير يحدثونه أو يكونون علّة حدوثه… ولعلّ نبراسنا إلى حقيقة الأمر في عنوان هذه الفقرة هو الآية الكريمة:

﴿- إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ-﴾ (الرعد:11)، حيث يمكننا أن نقرأ فيها ما يكفينا ويفي بالغرض:

6-3-هـ- (1) – إن التغيير متوقّف على الناس الذين لهم من المعرفة والإرادة والقدرة ما يتمّ به لهم هذا التغيير، والذين لهم أن ينجزوه ويحققّوه، كما لهم أيضًا أن يبقوا على ما هم فيه، لأنهم أحرار في كل ذلك، ومسؤولون عن تبعاته.

6-3-هـ- (2)- ان بعض البشر الذين هم في تقدّم وتحضّر ويسر وبحبوحة ومعرفة متطورة وراحة بال، وخير وعدل ومساواة وعدالة اجتماعية ورفاه اجتماعي وسيادة متقدّمة في عالم الشهادة(…)، لاشك في أنهم كانوا قد غيّروا ما بأنفسهم، مما كان يحول دون كل أو بعض ما ذكرناه؛ أما البعض الآخر منهم، الذين هم في تأخّر وبداوة وعسر وضنك وقلق وشرّ وجور ولامساواة، وظلم اجتماعي، وجهل وأميّة وسيادة متأخرة وبطيئة في عالم الشهادة نفسه (…)، فلا شك أيضًا في أنهم لا يلبّون الحض الإلهي على مواجهة أنفسهم بحيث يزيلون من  أعماقها وثناياها كل ما هو جاعلهم في ما هم فيه من المعاناة والسلبيّة والقهر والفقر.

ولعلّه مما ينبغي لنا أن نعرف أن الكلام على البشر في قسمين اثنين لا يعني أبدًا أنهم متطابقون أو متساوون فيهما في الدرجة والمستوى والرتبة والمكانة؛ إنما قصدنا إلى الاتجاهين العامين المترتّب أولهما على التغيير إلى ما هو أفضل، وثانيهما، على عدم التغيير، والبقاء على الحالة التعيسة الراهنة.

6-3-ه-(3)- ان البشر، وعلى الرغم من القدر الذي أطبق قبضته على بداية حياتهم، ونهايتها، فإنهم يملكون الكثير من حياتهم وأمرهم ومصيرهم في مساحة ما بين القدرين، (نعني هاتين النهاية والبداية)؛ إنهم أحرار مسؤولون بشأن ما يفعلون ويحقّقون في هذه المساحة من خير وشر، ومكانة وقيمة، ونجاح وفشل، وتقدّم وتأخّر، وما إلى ذلك؛ أضف إلى ذلك أنهم، خلال حريّتهم في ما بين القدرين، يصنعون معظم ما تكون عليه حياتهم في عالم الشهادة، الأمر الذي يرهص لها في عالم الغيب، إيجابًا وسلبًا، والذي سيكون عليه الجزاء فيه.

6-3-ه-(4) – إن المسلمين في العالم يندرجون، بشكل عام، بين الناس الذين لا يغيّرون ما بأنفسهم، مما يجعلهم في ما هم فيه وعليه من التأخّر والأميّة والتخلّف الاقتصادي، والظلم الاجتماعي، والتخبط السياسي، اعتقادًا منهم بأن ما بأنفسهم هو الصحيح السليم المستقيم الحقيقي، وبأن تأخرهم عن ركب التقدّم والحضارة العالميين، يرجع إلى تآمر الآخر عليهم، وبأن خلاصهم وإنقاذهم مما هم فيه لا يأتيان إلاّ من لدنّ الرحمن الرحيم الذي يمهل ولا يهمل، معفين أنفسهم من أية مسؤولية…

ولكن، يبقى الأمل كبيرًا في أن تشعّ هذه الآية الكريمة في “قلوبهم، وعقولهم وأنفسهم، فيروا أن الله يحضّهم على تغيير ما بأنفسهم مما يعيقهم ويعسّرهم ويجعلهم على ما هم فيه؛ إنهم الأحوج إلى الاستجابة لهذا الحضّ الإلهي. فهل يبلون ما ينهض بهم في المقبل من الأيام؟ لا بدّ لهم من ذلك، وإن أطالوا الانتظار، لأن عوامل النهوض المنحسرة عندهم لصالح المفعولية فيهم.

      وبعد، أيها المعنيون، تعالوا إلى كلمة سواء في الحرّيّة والقدر: هذا في مداه هو من عظمة الخالق ومطلقيته، وتلك في مداها هي مما لخليفة الله السيّدّ، ويليق بنسبيّته… فإن لبيّتم النداء، استحققتم أمر تكليفكم بخلافة الأرض، وعملتم به طاعة وشكرًا لله.

الحواشي:                                                                             

  • – عبّر عنها القرآن الكريم ببلوغ “الأشد”.
  • – رواه البخاري.
  • شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده – الجزء الثالث – ص 205 و206.
  • أنظر الحوار بين الله وإبليس في الآيات من 11 إلى 18 من سورة الأعراف.
  • عن أبي عبيدة بن الجرّاح.
  • رواه مسلم.
  • المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد سعيد اللّحام – في الصفحات: 376 و 746 و753 و754.
  • صفوة التفاسير للصابوني – الجزء الثالث – ص 286.
  • المعجم المفرس لألفاظ القرآن الكريم للحام – من ص 691 إلى ص 693.
  • المرجع نفسه – من ص 1016 إلى ص 1018.
  • لسان العرب لابن منظور – مادة “قدر”.
  • رواه أبو داود.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى