مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”23″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت”نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

  • في تعطيل ما يُتَذَّرَّع به من الدّين لاستغلاله في الاستبداد السياسي:

لقد تبيّن لنا أن أمر التكليف السّماوي بسيادة الإنسان في الأرض، ومن خلال ميزانه، يتناقض كليًّا  مع الاستبداد وينقضه؛ وليس فيه شيء يدعو أو يبرّر التواطؤ السياسي  – الديني لاستغلاله في تغطيته. لكنّ هوى السّلطة، إذ ما تمكّن من صاحبه، استقطب كل ما لديه من وظائف نفسية من عقل ووعي وذكاء وتفكير وإرادة، وجعلها تعمل له في موضوعه دون أي اعتبار أو تقدير لأي موضوع آخر إلاّ في نطاق ما يقويه ويعزّزه ويدعمه في تحقيق موضوعه الذي هو  السّلطة في ما نحن بصدده، ما يفضي بالهوي إلى رؤية ميزاني الأرض والسّماء لا يرجحان إلاّ في  ما يخدم هواه في موضوعه، وإلى التذرّع بإرادة السماء ورضاها وقضائها وقدرها لتبرير وتغطية ما اقترفته يداه على الأرض من استبداد وظلم وفساد. إذًا، نحن، رعيّة المستبدّ، هوي السلطة، نعاني من هواه في الحكم، ومما أفرزه الاستبداد من ظلمه وفساده وعدوانه وطغيانه، وقد نهى ميزان السماء عن كل ما نعاني منه.وتمشّيا مع ما أمر به هذا  الميزان من العدل والحق في الحكم، نسارع إلى تعطيل كل ما يتذّرع به المستبد من الدين، ليجد نفسه بالتالي محاصرًا بهواه، وعاريًا من غطاء السماء. ففيم يكون التعطيل المنشود في ما ذكر سابقًا من عوامل استغلال الدين في السياسة المستبدة؟

6-1في استخلاف الإنسان في الأرض: لعلّه من المعروف، إسلاميًّا، أن لا شيء يخرج عن حاكمية الله في خلقه، وأن الله قد استخلف الإنسان في الأرض، فكلّفه بعبادته واستعمارها وسياسة البشر، وأن ليس للبشر من هذه الحاكمية سوى ما استُخْلِفُوا فيه، فالاستخلاف المشكو منه هو اشتطاط الحاكم المستبد في ولاية أمر الناس حيث يحكم بأمر الله وإرادته زورًا وبهتانًا، لأنّ الله لم يأمر بالانفراد بالسلطة والحكم والسياسة، ولم يرد للناس ظلمًا وطغيانًا وفسادًا. أضف إلى ذلك أن النبيّ المصطفى لم يستخلف أحدًا ولم يعيّن أحدًا ولم يوصِ بالحكم لأحد من بعده بشكل صريح وواضح على وجه الدقّة. ولما كان أمر الاستخلاف مبهمًا عامًّا غير محدّد المدى، وجب خضوعه لصيغة واضحة محدّدة تحول دون التذرّع به، ودون ربطه بالقضاء والقدر ومشيئة الله من حيث المسؤولية. فينبغي أن يحصر الاستخلاف المفضي إلى التكليف بالعبادة واستعمار الأرض فيهما، ويقتصر عليهما. أما بشأن سياسة البشر من طريق الحكم والسياسة وممارسة السلطة، فينبغي لنا أيضًا، بل يجب أن نجعله خاضعًا للفهم البشري دون تأليهه (أي دون نسبته إلى الله)، وراجعًا إلى مظلّة العدل والحق والبعد عن الهوى والظلم والعدوان، وإلى مضمون الحديث الشريف “أنتم أدرى بشؤون دنياكم”. وبذلك نرى ما يقوم به البشر على الأرض لا يتحمّل مسؤوليته وتبعته إلاّ أهل الأرض في خيره وشرّه؛ ونرى به أيضًا أن التذّرع بتأليه  المستبد ما يقوم به أو تألهه به، بنسبته إلى إرادة الله وقضائه وقدره، قد تمّ تعطيله تمامًا، وتحرّر الدين به. فهل يتنّبه لهذا من غرق ويغرق في التواطؤ والاستبداد باسم الدّين وهو براء منه؟!

6-2في طاعة أولي الأمر: لقد قيّدت “آية  الطاعة” طاعة أولي الأمر بالرجوع إلى القرآن والسّنّة في حال التنازع في شيء ما (14)؛ وفي الحديث الشريف: “لا طاعة لمخلوق في معصية  الخالق”. بيد أن الاستبداد بالحكم والسلطة والسياسة قد التفّ على هذا الصراط المستقيم لطاعة الحاكم، وجعل الدين يغطيه في ما يفرزه من ظلم وفساد وطغيان بذريعة درء الفتنة والحرص على وحدة الأمّة… فكيف يتمّ لنا تعطيل هذا الالتفاف وما يتضمنه من تذّرع بفتاوى تشرعن الاستبداد مباشرة أو مداورة؟

6-2-أ- بالتمسّك بما وصفناه بالصراط المستقيم لطاعة الحاكم باعتبارها مقيّدة.

6-2-ب- بالتأكيد على أن الاستبداد في إفرازاته دخيل مقيت على  الإطار المتقدّم الراقي للحكم في الإسلام، ألا وهو الأمر بـ “العدل والحق” والنهي عن “الهوى والظلم والعدوان”؛ وليس في الإسلام، قرآنًا وسنّة، ما يبرّر أو يغطّي معصية الخالق في نهيه وأمره هذين، فضلاً عن أن سيادة الإنسان عبر خلافته الله في الأرض تقيّد الحكم ولا تقرّ الانفراد به، كما ذكرنا سابقًا.

 6-2- جـ – بإبطال أي إفتاء أو “تشريع” أو فقه قد يفهم منه الطاعة أو التبرير “للحاكم المتغلّب” أو “للحكم المتغلّب” أو “للسياسة المتغلّبة” بالبطش والقوّة، أو “لذي الوطأة الشديدة” أو “لذي الشوكة القوية” أو “لذي الغلبة” بغير شريعة أو قاعدة حقوقية في الحكم؛ وذلك لاعتبارين اثنين هما: الأول هو أن “الحكم المتغلّب المستبّد” يتناقض مع “الصراط المستقيم لطاعة الحاكم” الذي يقيّدها بالقرآن والسّنة، ويطيح بالإطار المتقدّم الراقي للحكم في الإسلام في “العدل والحق” والنهي عن “الهوى والظلم والاعتداء”؛ والثاني هو أن تغطية الاستبداد بذريعة “درء الفتنة والحرص على وحدة الأمّة” لم تبلغ في وقت من الأوقات مستوى “الضرورة التي تبيح المحظور”… بئست”الضرورة” التي تكرّس بقاء الفتنة وتطلق شرورها، وتعزّز بذلك الاستبداد والإفساد والطغيان؛ بئست “الضرورة” التي أبقت على  انقسام الأمّة وشرذمتها والفرقة بين مكوّناتها، وأذهبت ريحها… لماذا كل هذا؟!

6-2-د- بعدم السكوت عن الاستبداد وظلمه وفساده وطغيانه، لأن السكوت عن ذلك لم يفض إلى درء الفتنة، ولم يجعلها تستغرق في النوم، بل أبقاها يقظة، ومنعها من التعبير عن نفسها أو عن مظلوميّتها”، الأمر الذي جعل ما فيها من شرور يفعل فعله في الخفاء، تذرّعًا بشرور الاستبداد نفسه، لتجد الأمّة نفسها منقسمة تمزّقها الفرقة، ويطيح التحارب وحدتها، ويصيبها الضعف والوهن في منعتها وعزّتها وقوّتها ومكانتها… لقد حدث ذلك في ما سمّي “الفتنة الكبرى” التي انفجرت بمقتل الخليفة عثمان بن عفان، ولم يكن الاستبداد بالحكم والسلطة والسياسة قد تفاقم وتربّع بعد على عرش الخلافة مع معاوية بن أبي سفيان. أما وقد هيمن  الاستبداد بشروره، فقد زاد من وطأة شرور الفتنة نفسها على المسلمين بعنوان الحرص على وحدتهم وسلامة سلمهم الأهلي في حياتهم… إن الفتنة ليست بالشيء الذي نضطر إلى الإبقاء عليه توّهمًا منّا بأنها نائمة، لكي نتقي شرّها ونغطي بالتالي الشّرّ الفعلي لاستمرار الاستبداد بحيث يصبح كلّ منهما (الفتنة والاستبداد) في هذه الحال شرطًا ضروريًا لاستمرار الآخر وتمديد عمره؛ فيصيران معينًا واحدًا لا ينضب لقهر الأمّة، وتضئيل مكانتها، واستلابها في أسباب نهوضها وتقدّمها. ان الفتنة ليست شيئًا مجرّدًا، بل هي، في نهاية  المطاف، تعيش في نفوس وعقول أشخاص معيّنين، أو جماعة معيّنة، أو شريحة كبيرة من الرّعيّة، وتعبّر بشكل أو بآخر عن وجهة نظرهم أو موقفهم أو شكواهم في موضوع معيّن يتناول غالبًا النظام القائم أو الحكم الراهن أو من هو على رأسيهما يمارس سلطة لا يرتاحون إليها بقدر ما، ولا يتوقعون منها الاستماع إليهم، بل هم يخافون بطشها وظلمها، فيكتمون ما يعتمل في نفوسهم، ويعملون في الخفاء ضد الحكم، ويتآمرون عليه، ويتحيّنون الفرصة المؤاتية للانقضاض عليه… فأي شرّ أو  خطر أو سوء أكبر وأفظع مما واجه الأمّة بالسكوت عن الاستبداد والظلم والطغيان، فيما لو ووجه الاستبداد وحوكم وقوضي؟!… ثم ما هذه الفتنة التي يحلو لها الاستغراق في النوم تحت مظلّة الاستبداد، وتستيقظ ملعونة بمقاضاة الاستبداد أو حتى بزواله؟!… أهو قدر الأمّة تصطلي بناري الاستبداد والفتنة، وكأن بينهما تحالفًا جهنّميًّا؟!… وأي أمّة هذه التي يقوم بناء وحدتها وسلمها ونهوضها على أسس وقواعد ودعائم من الاستبداد والظلم والفساد والطغيان، والتي تبقي على فتنة تسرح وتمرح في جنباتها، وتحتضن بذار الشقاق والفرقة، وتهدم وتقوّض في بنيتها؟!

      إن درء الفتنة يكون بمواجهتها بالقضاء العادل الذي يحقّ الحق، ويبطل الباطل، ويقيم العدل، ويحقق العدالة. وبالقضاء العادل هذا نفسه يتمّ التّصدّي للاستبداد محاكمة ومقاضاة وإدانة… وبهذا التّصدّي، وتلك المواجهة بالقضاء والقضاء وحده  الذي يعلو قوسه هامات الجميع، يتعطّل التذّرع بالدين لتغطية الاستبداد، وبهما وحدهما أيضًا يبدّد نور ميزان السماء ظلمات الأهواء والتسلّط واستلاب الحقوق والحريات، كما يسود بهما أيضًا وأيضًا العدل والحق والمساواة والعدالة الاجتماعية، ويتمهّد الطريق إلى  النهوض والتقدّم.

6-3- في “تأليف القلوب”: إن “تأليف القلوب” بالأموال والترغيب والمناصب والامتيازات، الذي يتذّرع به “الحاكم المتغلّب” تيمّنًا بالقرآن والسّنة، هو المشكو منه لانزلاقه من غايته الدينية المتحققة للدين، إلى وسيلة لتغطية الاستبداد وإفرازاته، ما يجعل “المحظيين” به متواطئين مع السياسة قابلين بأن يكونوا هم والدين في تبعيّة لها… وكثيرًا ما برع الاستبداد ويبرع في ابتياع ولاء من يرى فيه سندًا له بالترغيب وما إليه من مال وامتياز، وبالترهيب وما إليه من قهر وقمع، الأمر الذي أفضى ويفضي إلى “ثقافة تأليف استبدادية” من قبيل “من اشتدت وطأته، وجبت طاعته” مثلاً… ولقد تطوّر “شراء الولاء والضمائر” حتى أصبح له شأن خطير في الحياة السياسية بعنوان دور “سلطان المال” أو “المال السياسي”، وبلغ في تماديه أن سلّع  الكثير الكثير من “الأصوات” في الانتخابات السياسية من غير خجل أو حرج، أو رادع من سلطة، أو وازع من ضمير، وفي الكثير من الدّول التي تجرى فيها انتخابات. إن تسليع الضمائر والأصوات لكسب الولاء  والدعم يعتبر ظاهرة فساد أو إفساد سياسي في الحياة العامّة؛ ومع ذلك هناك إعلام رسمي فاسد ومفسد يغطيها ويعمل لمصلحة المتنفّذين الدائرين في فلك الحكم المتغلّب المستبدّ… فكيف يتم لنا تعطيل التذّرع “بتأليف القلوب” لاستغلاله في الاستبداد السياسي؟ – للإجابة، ينبغي أن نفرّق بين إطارين اثنين هما: الأول هو الإطار الديني حيث يجد فيه الفقهاء حرجًا كبيرًا يحول دون إقدامهم على إلغاء اللجوء إلى “تأليف القلوب” إلغاء نهائيًا، فضلاً عن تحريمه باعتبار انتفاء الموجبات لذلك، لأن هذا  التحريم أو ذاك الإلغاء دونه إثم تجاوز النص القرآني الصحيح الواضح بجعل نصيب من الزكاة “للمؤلّفة قلوبهم”، وإثم تعطيل سنّة من سنن النبيّ المصطفى إذ أعطاهم من غنائم “حنين”، علمًا بأن  العمل بآية “المؤلّفة قلوبهم” كان قد أوقف في عهد أبي بكر الصديق باجتهاد من عمر بن الخطاب منعًا لاستغلاله السّيئ والخارج عن مصلحة الدين، فضلاً عن مصلحة المسلمين، وبأن هذا  الاجتهاد أو الرأي الذي أشار به عمر على أبي بكر لم يكن في سياق مخالفة القرآن أو السّنة وهو الفاروق، بل كان في سياق التوجّه المندرج في مضمون الحديث النبوي “أنتم أدرى بشؤون دنياكم”؛ أما الثاني وهو الإطار السياسي، فإن الإثم قائم في تغطية ارتكابات الاستبداد وإفرازاته باسم الدين مباشرة أو مداورة ، من طريق التأويل المسكوت عنه امتثالاً لمن “اشتدت وطأته” أو من طريق الأخذ بطاعة الأمير المستبد ولو كان “فاجرًا فاسقًا ما لم يأمر بمعصية”، وكأن الاستبداد والفجور والفسق طاعة لله ورسوله!… ففي هذا الإطار السياسي نفسه وفيه حصرًا، يجب أن لا يبقى التذّرع بالدّين متاحًا أو مباحًا أمام الاستبداد ليتغطى به أو ليحجب عوراته وعيوبه في الظلم والفساد والطغيان واستلاب الحقوق والحريات وكلها معاصٍ وجرائم وآثام والعياذ بالله. إذًا، لا بدّ من آلية شرعية قانونية حقوقيّة تحول بين الاستبداد وهذا التذّرع نهائيًا، وتعطّل أي إمكانية لاستغلاله. ولعمري، ان هذه الآلية ليست غريبة عن “النقل” ولا هي دخيلة، بل هي استجابة ضرورية له في ما فيه من أمر الحكم بالعدل والحق، ومن النهي عن الهوى والظلم والاعتداء.

6-4 – في المبايعة مقابل الجنّة: إن المبايعة المطلوب تعطيل التذّرع بها هنا هي التي تتمّ “للحاكم المتغلّب” طوعًا أو كرهًا، والتي يتحقق له بها عقد مع  المبايعين له، وعهد منهم على الوفاء، وعلى السمع والطاعة في ما يأمر به وما ينهى عنه، علمًا بأن هذه المبايعة تكون قد فرّغت من أي قيمة سياسية، ومن أي بعد ديني، لأنها لم تكن قد تمت بالرضا والاختيار والحريّة، بل فرضت بالقوة والإكراه، بسياسة الأمر الواقع. إن مثل هذه المبايعة يجعل الدين في نطاق المطيّة والتغطية والتبعيّة للاستبداد السياسي وإفرازاته، الأمر الذي يتناقض مع الإطار الراقي للحكم بالعدل والحق والنهي عن الهوى والظلم والعدوان، الذي بشرّ وأمر به الإسلام، وينقض مزاعم الحاكم المستبدّ بشريعة حكمه تحت عنوان وجوب طاعته لكونه وليًّا للأمر، قد اشتدت وطأته، وقويت شوكته، وصارت إليه الدنيا غلابا. كما أننا نرى عدم استغلال الدين على هذا النحو أيضًا في ما يترتّب على المبايعة لولي أمر أي جماعة أو حركة أو حزب أو تيار أو تجمّع أو فرقة أو مذهب، من المبالغة أو التمادي أو الإفراط في تبعية الدين وأتباعه للمشاريع السياسية القائمة أساسًا على المفهوم البشري المؤلّه للإسلام حيث يفهم الأتباع مما يأمر به ولي الأمر، ومما ينهى عنه، ومما يفتي ويحكم به أنه الإسلام المحمدي الأصيل الحقيقي دون أي فهم آخر للآخر المختلف معه بهذا القدر أو ذاك…

      ومما يؤخذ على هذا الاستغلال للدين واستثماره في تعبئة نفوس المبايعين، وتأطيرهم وأدلجتهم لخدمة المشروع السياسي، تذّرعًا بالمبايعة، هو ما تبلغه بهؤلاء الأتباع من فقدان أي رأي خاص بهم، الأمر الذي يدخلهم في دائرة التأمّع من الباب العريض بفارق بسيط هو أن الإمّعة الذي لا رأي له ولا عزم، لا يثبت على  تبعيّته باعتبار ما هو عليه هو الحق والحقيقة التامّان دون غيره من العالمين. وفي هذا السياق، نهى النبي المصطفى عن التأمّع قائلاً “أغد عالمًا أو متعلّمًا ولا تكن إمّعة”(15). ولعلنا لا نغالي إذا ما قلنا بأن التبعيّة في منتهاها تستلب المبايعين آراءهم وعزائمهم وعقولهم، وتجيّرها باسم المعاهدة والموالاة والولاء، لولي أمرهم في ما يراه لهم في الدين والسياسة وأي شيء آخر في الدنيا والآخرة. وتتجلّى هذه التبعيّة في مصادرة ضمائرهم من طريق الإفتاء الملزم لهم في حصرية من يدلون له بأصواتهم في الانتخابات، والمحرّم عليهم ما لا يراه في ذلك ولي الأمر باعتبار أنه الصراط المستقيم من رب العالمين. أضف إلى ذلك أن ما يترتّب على ظاهرة “الموت استشهادًا” بأفعال تدبّر بليل تحت عناوين “الجهاد في سبيل الله” و”نشر الإيمان على أنقاض الكفر” و”قيام حكم الخلافة الإسلامية على العدل والحق وشرع الله”، أن ما يترتب على ذلك من إزهاق “للأرواح البريئة”، أو قتل “للنفوس من غير حق”ـ، أو أذى وشرّ “للغير” ظلما وعدوانًا، هو على جانب كبير من الخطورة والوبال على الإسلام وأهله في آن معًا: منه، ضياع البوصلة إلى الحق والحقيقة والعدل والهدى والرحمة بفقدان المقاييس والموازين وما يرجع إليه في التقويم السليم، والحكم الصائب عند أهل الإسلام على الأرض للبت في ما يختلفون فيه، ومع ذلك، لا يرجئون أمر اختلافهم إلى رب العالمين في يوم الحساب؛ ومنه أيضًا، وجود أهل “كلمة سواء” أنفسهم وكأنهم مقصرون في إيمانهم، ومتهمون في اعتدالهم، ومأخوذ عليهم في اعترافهم بالآخر المختلف، والتعايش معه بأمن وسلام، يحترم كل منهما الآخر في حقوقه ومعتقداته وحريّاته ومصالحه وحاجاته دون شرعيّة أي  تجاوز أو اعتداء أو ظلم باسم الدين؛ ولعلّ أسوأ النتائج يكمن في ما يبدو عليه الإسلام وأهله المبايعون في الظاهرة المشار إليها، من العنف الذي يصفه الآخر بالإرهاب المنتهك لحقوق الإنسان، وفي ما يروّج له هؤلاء من أنه الإسلام الحقيقي المحمدي الأصيل الذي يحتكرون أصالته وحقيقته وجوهره وقوامه بفهم بشري اعتبروه الأصح والأحق والأكمل والأشمل الذي لا تشوبه شائبة، ولا تعيبه عائبة، ولا تنقصه ناقصة؛ وليس من فهم آخر مثله أو يدانيه لأنهم نسبوه إلى السّماء فتألّه بها… ولأنه فهم بشري للدين وقد تلبّسته السياسة تمامًا، ولأن السياسة بنت الأرض تسعى دائمًا لتصول وتجول في ممارسة السلطة عليها وباسم الدين وتغطيته، ولأن القيّم عليها يرى فهمه البشري هذا للإسلام الكامل الحق، فإنه يرفض إرجاء الاختلاف بشأنه مع الآخر إلى الآخرة، ويؤدلج فهمه هذا على نحو يرفض الآخر المختلف أو يقصيه أو يلغيه أو يكفّره إن استطاع إلى ذلك سبيلا…

وللمرء أن يتساءل بكثير من الغرابة والعجب: كيف يستقيم الأمر لهذا  القيّم، ولي الأمر، في مصادرة الضمائر؟! ألا تندرج هذه المصادرة في دائرة الاستعباد؟! أين هذه المصادرة من صرخة عمر بن الخطاب في وجه عمرو بن العاص عقب استغلال ابنه سلطانه في ضرب يهودي أو قبطي في مصر: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارً؟”؟! كيف يستقيم له أمر قتل الأنفس من غير حق أو إزهاق الأرواح  البريئة، جرّاء فعل وصفه بالاستشهادي وهو ارتكاب قام به تابع له وبتكليف منه، مقابل الجنة والحور العين والرتب العليا فيها، والقرآن الكريم يقرّر﴿-مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا-﴾(المائدة: 32)؟! وكيف يتجاوز قانونًا عظيمًا في تحديد المسؤولية أو في تحمّلها وقد تكرر في أكثر من آية في القرآن لأهميته التشريعيّة، وقد جاء في الآية:﴿ولا تَزِرُ وَازِرةٌ وِزْرَ أُخرَى-﴾ (الأنعام:164)؟! ثم كيف يعد وليّ الأمر بنعيم الجنة ورتبها العليا، وهو لا يملك لنفسه ذلك؟! أضف إلى ذلك أننا نعرف أن الحساب والجزاء في الآخرة هما حصريان لربّ العالمين؛ ونعرف أيضًا أن ولي الأمر الجاري عليه الكلام لم يكن حتى من المبشّرين بالجنة. فمن أين جاء “بالوكالة الحصريّة” عن ربّ العالمين في التصرف بأمور من الغيب؟! علمًا بأن الله لم يجعل له خليفة في عالم الغيب على نحو ما فعل في عالم الشهادة، وأنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم يجاهدون في سبيله، مقابل الجنّة، وأنه كرّم نبيّه المصطفى بأن وعد الأنصار بالجنة إن هم منعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهلهم. وإن كان قد ورد في القرآن الكريم أن﴿النبيُّ أَوْلَى بالـمُؤمِنينَ مِنْ أَنفْسُهِمْ﴾ (الأحزاب:6)، فإنه النبيّ الأمين الصادق الذي لم يوردهم موارد التهلكة، بل هو الأحق والأجود بإرشادهم إلى سبل الخير، وهو الأرحم بهم والأهدى لهم إلى سواء السبيل… أضف إلى ذلك أنه لم يجعل الإسلام مطيّة للسياسة بل جعل كلًّا من الدّين والسياسة والعقل يكمّل الآخرين ويكتمل بهما في قيادته الرشيدة للأمّة الناشئة، وفي دعوته إلى الدّين الجديد وتبليغ رسالته. ورُبَّ قائل يقول إنّ “للأئمّة المعصومين ما كان للنّبيّ”؛ فنجيب، ومن دون الدخول في مناقشة هذا الأمر، بأن هؤلاء قد أصبحوا في ذمّة الله، وليس من أحد مثلهم أو مثل الرسول.

وبعد، لعلّنا نقتنع بضرورة تجريد “المبايعة” من أي بعد ديني إلهي، فلا يكون لمن يطلب لنفسه البيعة أي حق في التصرّف بأي شيء من عالم الغيب كأن يعد بالجنة أو نعيمها أو رتبها العليا أو لقاء الأنبياء أو الأولياء الصالحين أو الصدّيقين أو الشهداء، لكون هذا العالم بأمر الله حصريًّا، وبالتالي، لا يملك طالب البيعة أو المبايَع له لأمره شيئًا منه. علمًا بأن هذا التعطيل لما يتذّرع به في المبايعة لا يحول دون التعبير عن المبايعة وعن الشورى قبلها، بآلية قانونية تمكّن من الوقوف على أكبر كمّ وتنوّع من الآراء، وتوصيل الرأي الذي يأخذ به ويؤيّده السواد الأعظم من المستشارين (أهل الشورى) والمبايعين بكل رضا وحريّة وشفافية بعيدًا من القهر والإكراه والتواطؤ. إن هذا التجريد يفرّغ ذاك الإفتاء المؤدي إلى مصادرة الضمائر من أي شرعية دينيّة، ما يجعل إيقاف العمل به تحصيل حاصل؛ ويحرّم ذلك الولاء المفرط، وما يترتب عليه من قتل الأنفس بغير حق، الأمر الذي يحول دون تغطية الاستبداد بالدين، وبذلك كله يتعرّى الاستبداد وهوى السلطة من غطاء الدّين الذي يتحرّر من التبعيّة، ما ييسّر مواجهة الحاكم المستبد، هوي السلطة.

6-5- في القضاء والقدر: إن مفهوم القضاء والقدر السائد والشائع في ثقافة أهل الإيمان وحياتهم ونشاطهم لهو من العوامل الأكثر استغلالًا سلبًا وسوءًا في استلاب الدّين واستتباعه من أجل تغطية سياسات الحاكم المستبد في ممارسة الحكم والسلطة، بل في تحكّمه وتسلّطه في تدبير أمور الناس وتصريف شؤونهم حيث يكثر الظلم، وينتشر فساده، ويهيمن طغيانه، وتُنتَهَك الحقوق والحريّات، باعتبار كل هذا وذاك لا يخرج عن كونه قد جرى وحدث بمشيئة الله وقضائه وقدره، ولولا ذلك، ما كان ليجري ويحدث، مصداقًا للآية ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر:49)؛ وفي الحديث، ما معناه: لا يكون للمؤمن إيمان تامّ حتى يؤمن بالقدر خيره وشرّه… بيد أننا نرى أن مفهوم  القضاء والقدر على هذا  النحو، أولاً، لا يستقيم مع تكليف ربّ العالمين الإنسان بخلافته في الأرض، لما تخوّله به هذه الخلافة من سيادة، ولما هو عليه من  أهليّة لهذا التكليف، وسعًا وحريّة، لا  تكون سيادة من دونهما؛ وثانيًا، لا ينطبق فعلاً على ما يشعر به الإنسان السويّ الراشد عامّة وهو يقوم بأعمال وأفعال كثيرة وكثيرة جدًّا، يعيها ويختارها ويقدر عليها ويُسأل عنها في واقع الأمر؛ وثالثًا، لا يخرج عن هذا الإطار “ألفباء” كل ما يمتّ إلى الحكم بصلة من مهام وقرارات وإجراءات وأوامر ونواهٍ وأحكام في خيرها وعدلها وصلاحها وإيجابيّها، كما في شرّها وظلمها وفسادها وسلبيّها، إلاّ أن الحاكم المستبد يحول دون مساءلته فضلاً عن محاسبته بذريعة أن إرادة الله قد قدّرت ذلك وقضت به. وهل ممّن يعترض على إرادة الله وقضائه؟! إن الإنسان، في ظل أي حكم، يعيش حياته الاجتماعيّة، ويعامل باعتباره مسؤولاً عمّا يقوم به وهو سويّ راشد يعرف ما يفعله ويختاره بحريّة، ويقِدر عليه على الرغم مما هو شائع وسائد من ثقافة القضاء والقدر… طبعًا، هذا لا يعني أبدًا أن الإنسان يمسك بزمام كل الأمور والأشياء والأحداث والأعمال والأفعال وما إلى ذلك، بل هناك الكثير مما لا يملك إزاءه من أمره شيئًا، من قبيل الموت والمجيء إلى  الحياة مثلاً… ولعلّنا نكتفي هنا برسم إطار للقدر الذي لا حول للإنسان به ولا قوّة. إن ما نرجع إليه في رسم هذا الإطار للقدر هو ما يتجاوز دائرة ما ترتّب للإنسان من سيادة ووسع وحريّة وإرادة ومسؤولية من خلال تكليف الله إياه بخلافته في الأرض باعتبار هذا  التكليف يتناسب مع وسع المكلّف، وهو أيضًا ما يتجاوز دائرة ما يمكنه من عمل أو فعل أو إنجاز يأتي تحقيقه في الواقع وفقًا لمعرفته به، واختياره له، وقدرته عليه، ومسؤوليته عنه في نطاق سويّته المؤهّلة إيّاه لذلك. فالإطار المندرج في هذا السياق لمفهوم القضاء والقدر هو كل ما يتجاوز حدوثه وإحداثه والحؤول دونهما الإنسان في وعيه وإرادته وقدرته وحريّته ومسؤوليته، وفي ما تؤهّله له سويّته…

إن هذا الوصف لمفهوم القضاء والقدر: أوّلًا، لا يتناقص مع مشيئة الله بجعل آدم خليفة له في الأرض؛ ثانيًا، يضع الإنسان على المحك في تكليفه وابتلائه في عالم الشهادة؛ ثالثًا، يحرّر الدين من استثماره في خدمة هوى السلطة، ويبّرئ السّماء من ارتكابات الأرض، ويعطّل التذرّع بها زورًا وبهتانًا؛ رابعًا، يكشف الحكم المستبدّ المتغلّب الظالم الفاسد المفسد الطاغي، ويعرّيه من غطاء الدّين، الأمر الذي يضعه في قفص الاتّهام والمساءلة والمحاسبة والمحاكمة لافتقاره إلى الشّرعيّة بل لاغتصابه إياها من غير أي أساس حقوقي سوى القوّة المتغلّبة التي ليست من هذا الأساس وتلك الشرعية في شيء.

6-6في الفهم البشري المتعدّد المتنوّع للإسلام: إن مكمن الخطر في الفهم البشري المتعدّد المتنوّع للإسلام قائم في اعتبار أي منظّر فاهم له أنه قد اختزل بفهمه الإسلام المحمدي الأصيل الصحيح السليم الحقيقي اليقيني الذي لا يرقى إليه الشك، ولا يجد الخطأ أو النقص أو العيب إليه سبيلاً، ولا يأتيه الباطل من  أي جهة، ويعبّر عن جوهر حقيقة الدين الحنيف، وقوام ما تريده السماء منه وقد نسبه إليها فتألّه بها، وأصبح وكأنه قرآن مبين﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ (فصّلت: 42)، يطعن في صحّة أي فهم آخر يختلف معه في قليل  أو كثير، وينقضه وينزع عنه، في العمق الصادق أي شيء من الحق والحقيقة اللذين امتلكهما بالكمال والتمام في فهمه هو… وهكذا نرى أن صاحب الفهم البشري هذا قد استبدّ في الأرض برأيه وفهمه ومنظوره دون أن يقيم أي وزن لما هو للآخر من ذلك، واحتكر السماء، بل اعتدى عليها دون أي شيء يبرّر له، أو سند يحتج به، أو أساس يقوم عليه وجه حقّ يميزه من غيره أو يمتاز عليه، الأمر الذي يفضي به إلى مصادرة الإسلام في هويّته، جاعلاً إياه يتماهى في هويّة فهمه، ويخدم مشروعه السياسي… فما السبيل إلى إبطال استلاب الدين بحيث لا يغطي هوى السلطة، ولا يبرّر الاستبداد السياسي؟ وما العمل إلى تعطيل مصادرة هويّة الإسلام في هوية الفهم البشري المتعدّد والمتألّه بحيث يبقى مظلّة ومرجعًا يتماهى فيهما كل فهم بشري؟ ألا يتوق أهل الإيمان إلى كشف مكمن الخطر الذي يمزّقهم في إسلامهم بحيث يحوّلونه إلى موطن خيرهم وقوتهم وأمنهم وسلامهم وصلاح أمرهم؟

إن الإجابة التي يستقيم معها  الأمر، ويبطل استلاب الدين، وتتعطّل مصادرته في هويته، ويزول مكمن الخطر من فهمه البشري، فيما لو لاقاها هؤلاء صادقي النيّات نحوها، عازمين على وضعها موضع التنفيذ، مخلصين لها السعي والعمل والجهد، إن الإجابة لهي أن يبقى الفهم البشري في مستوى طبيعيته وإطاره، ويتعدّد في وحدة السماء على نحو ما فهمها الرسول المختار في إطار القرآن المبين؛ فلا يعقل تأليهه الذي يقع خارج دائرة معقوليات العقل البشري. وهل من كائن بشري فارق بشريّته فتألّه أو يفارقها فيتألّه؟! إن الفهم البشري المتعدد للإسلام في وحدته، وتماهيه في إطار هويّته، يفضيان إلى نتائج مثمرة طيّبة، وعائدات مربحة لا خسارة فيها، وانعكاسات مشعّة تنير النفوس، تندرج كلها تحت عناوين تأطّرت بها رسالة السماء، وغذّاها الإيمان بها من قبيل الخير والحق والعدل والهدى والرحمة والتعاون والكلمة السّواء، الأمر الذي يبقي للإسلام كلمته المدويّة في معاني ودلالات هذه المفردات – المنارات – المبادئ – القيم العليا التي تهدي أهل الإسلام وتنير لهم الطريق، وتسدّد وخطاهم، وتضبط سلوكهم وتشد من أزرهم، وتفتح لهم جميعًا المداخل والأبواب إلى البنيان المرصوص ليكونوا على شاكلته في حياتهم الدنيا. فمن النتائج المرجو توقعها ما يلي:

6-6-أ- توسيع هامش الاختيار أمام المسلمين في حياتهم، ما يجعلهم أعلم وأخبر وأكثر تمكّنًا من مواجهة ما يعسّر فيها، ويعيق ويقيد ويسيء ويؤذي؛ كما يجعلهم استتباعًا أقدر على  النهوض والتقدّم.

6-6-ب- تعطيل “أرضنة السماء أو تألّه الأرض بها” الذي يحول دون  الاعتقاد بكمال الفهم البشري، ويجعله دائمًا نسبيًا مهما امتدّت حدوده، وعلا شأنه، وعظم أثره الطيب، ما يفتح  الطريق واسعة أمام الاعتراف بفهم الآخر المتكافئ، الذي يلزمه بتبرئة تامّة لا رجعة فيها من كلّ ما قد يكون فيه من فكرة أو نزعة استئثارية أو تقسيمية أو إقصائية أو إلغائية أو تكفيرية. وفي هذا السياق، نرى أيضًا أن ينسحب ذلك الاعتراف على الآخر خارج دائرة الإسلام، باعتبار ﴿لا إِكْرَاهَ في الدَّيْنِ-﴾ (البقرة:256)… أضف إلى ذلك أن ذاك التعطيل يعمل على خفض منسوب التشدّد والتطرّف والتعصّب.

6-6-جـ- بقاء رسالة السماء واحدة على نحو ما فهمها وبلّغها وطبقها النبي المختار بالرجوع إلى بيانها في القرآن، إطارًا مرجعيًا تتلاقى وتتماهى كل وجهات النظر المترتّبة على فهمه المتعدّد المختلف بحيث تتلاقح وتتفاعل وتتكامل من أجل الخير العام والحق والعدل والهدى والرحمة وما إلى هذا وذاك… أما إذا ذهب الحماس ببعضهم إلى تبيان الأفضل والأنجع والأجدى والأقوم والأصلح من خلال وجهات نظر معيّنة بشأن هذه القيم العليا، فليكن لهم ذلك تنافسًا فيها تحت مظلّة السماء الواحدة… ففي هذا الإطار، وفيه دون سواه، يكون التعدّد والاختلاف في فهم الإسلام نعمة وغناء ويسرًا ورحمة، لأنه يبقي للإسلام هويّته، ولأهله ريحهم.

6-6-د- تعطيل العمل بمفهوم “الفرقة الناجية”، الأمر الذي يمهّد الطريق أمام الفرق والمذاهب كلّها إلى تلمّس المداخل والأبواب للعودة إلى كنف الدين الحنيف في وحدته وهويّته الأصيلتين.

      ولعلّنا، ونحن ننهي هذا الفصل بتعطيل التذّرع بالدين، منعًا لاستغلاله السلبي في تغطية الاستبداد السياسي وإفرازاته من ظلم وفساد وطغيان وعبث في الحقوق والحريّات، وبالإضافة إلى ما نستقيه من “ميزان التكليف السّماوي” من أن الاستبداد السياسي في الحكم دخيل مقيت على  الإسلام الذي يتناقض معه كليًّا، بل ينقضه جملة وتفصيلاً، لعلّنا نكون قد فتحنا بهذا الفصل الباب على مصراعيه أمامنا كأهل إيمان، للدخول في عملية إعادة نظر متعمّقة وشاملة في كل ما أُلْحِقَ وأُلْصِقَ بالإسلام والسماء، من شوائب وعيوب وأهواء وارتكبات بحيث يصار إلى وضع الأمور في مواضعها الصحيحة السليمة، وبحيث يعرّى “هوي السلطة” من غطاء الدّين لتعمل الأمّة، جماعة وأفرادًا، بكل ما يلزم لها، وعلى كل ما تحتاج إليه في تحقيق مصالحها، وصالح أمرها، في انتهاج سياسة إطارها “العدل والحق والبعد عن الهوى والظّلم والاعتداء”، وبالتالي يلتمس الإنسان في هذه الأمّة بابًا يلج منه إلى مدى الإفلات من الاستلاب المزدوج: من السماء بالتذّرع بالقضاء والقدر، ومن الأرض بهوى السلطة المفضي إلى الاستبداد بها وبالسياسة والحكم.

الحواشي:         

  • – سنتناول “الحرية في الإسلام في الفصل التالي.
  • – سيأتي الكلام على “الابتلاء في الفصل السابع.
  • – للمزيد، أنظر الفقرة 2 من الفصل الرابع.
  • – للمزيد، أنظر الفقرة (2-5-د) من الفصل الثالث.
  • – للمزيد، أنظر الفقرة (3-6) من الفصل الرابع.
  • أي جعل الدّين “مذاهب وفِرَقًا وأحزابًا”.
  • أنظر الآية 31 من سورة البقرة في القرآن الكريم.
  • أنظر الآية 34 من سورة البقرة في القرآن الكريم.
  • أنظر الآية 29 من السورة نفسها.
  • أنظر بعضه في (سورة إبراهيم: 32 و33) وبعضه في (سورة النحل:5-10-11-12-14)
  • أنظر الآية 56 من سورة الذاريات، وسورة الإخلاص.
  • أنظر على سبيل المثال (سورة إبراهيم: 32 و33)
  • أنظر الفقرة 3 من الفصل الرابع.
  • أنظر الآية 59 من سورة النساء.
  • الحديث مذكور في “لسان العرب” لابن منظور – مادّة “أمع”.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى