خمسون عاماً على الغياب.. “الجزء 3/2”.

“المدارنت”..
مشروع جمال عبد الناصر
تجاوزا لأي موقف يمكن أن يتخذه البعض ولأسباب مختلفة من تجربة جمال عبد الناصر في البناء الوطني والقومي، ومن أحكام الصحة والخطأ في هذه التجربة، ومن تشخيص وفهم دور جمال عبد الناصر التاريخي، ـ وكل هذا يمكن أن القول أنه بات جزءا من التاريخ ـ فإن من المهم هنا أن نسأل أنفسنا سؤالا محددا ونحاول أن نجيب عليه:
ما هو مشروع جمال عبد الناصر الذي عمل على بنائه، وأراده سبيلا لبناء مستقبل الأمة؟.
وهل يمكن لنا أن نتخذه منطلقاً لبناء مستقبل الأمة؟.
ونحن هنا نحاول أن نجيب على هذا التساؤل.
1ـ على مدى ثمانية عشر عاما أي منذ فجر الثورة في 23 يوليو 1952، وحتى الرحيل في 28 سبتمبر عام 1970 فإن عبد الناصر تطلع إلى إعادة بناء مصر على قاعدة اقتصادية وزراعية واجتماعية وثقافية تمكنها من توفير أسس الحياة السعيدة الكريمة للمواطن والأسرة المصرية، أراد لهذه الأسرة الاستقرار والأمان العلمي والصحي، وتوفير فرص العمل والسكن.
أراد لكل فرد مصري أن يشعر أنه بعمله يوفر هذه الحياة لأسرته، وأن لا أحد له عليه فضل في ذلك إلا الله في عليائه.
أراد للمواطن المصري على اختلاف انتماءاته الطبقية أن يكون طريق المستقبل أمامه وأمام أبنائه مفتوحا، لا يعيقه عائق مادي ولا اجتماعي، وقد آمن إيمانا لا تشوبه شائبة أنه يمكن ويحق لابن الفلاح أو العامل أو الخادم أن يصبح بالعلم والعمل والجد أستاذ جامعة، أو عالما، أو قائدا عسكريا، أوطبيبا لامعا.
ومن هذه الزاوية تحديدا اعتبر أن العمل هو القيمة الوحيدة التي تحدد مكانة الفرد في المجتمع، لا الأصل الاجتماعي، ولا الثروة الشخصية، ولا السلطة التي يتمتع بها.
وعلى قاعدة العمل رفع شعار “تحالف قوى الشعب العامل”، واعتبر أن هذه التحالف هو المستهدف من الثورة، وهو القادر على تحمل أعبائها وأعباء معاركها، وهو القادر على أن يحميها.
وهذا كان مضمون شعار مجتمع الكفاية والعدل، الذي اعتبر هدفا يسعى لتحقيقه في مصر، ويعمل على أن يشعر به ويعيشه كل مصري، فينزع عنه الخوف من المستقبل، والقلق مما قد تحمله الأيام، وهذا الهدف قدمه لأمته العربية في كل اقطارها.
2 ـ ولأنه كان على يقين أن في مصر ـ وفي كل بلد على وجه الأرض ـ من الثروات ما يمكنها من أن تحقق هذا الاستهداف، وأن تبني ذاتها بناء حقيقيا قويا وعادلا، فإن المهمة التي وجدها أمامه عاجلة وضرورية لتمكينه من تحقيق هدفه الأول تمثلت في استعادة مصر لثرواتها، ووضع هذه الثروات في اتجاه النهضة الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية التي يتطلبها هذا المجتمع، وكانت ثروات مصر في ذلك الوقت موزعة، غالبيتها في أيدي الأجانب، بدءا من قناة السويس، إلى معظم الشركات والمؤسسات الاقتصادية، وصولا إلى الأرض الزراعية التي كانت توزع في الغالب أعطيات من الملك، وهبات لمن أحب، وكانت قبلها قد وزعت من قبل الملك والمحتل البريطاني مكافآت لأولئك الذين خانوا ثورة عرابي عام 1881.
وكان هذا الواقع لحال مصر، وتلك الرؤية لاحتياجات النهوض، وراء قرارات الإصلاح الزراعي والتمصير والتأميم. كان الهدف استعادة الثروة، وإعادة توزيعها وتوظيفها لهدف بناء مصر بناء حضاريا متقدما انسانيا. لم يأت التأميم، وقبله التمصير انتقاما أو رغبة بالسيطرة وإنما استردادا لحقوق وتوفيرا لمستلزمات النهوض.
3ـ وبشكل مبكر جدا، ومبكر على قيام الثورة ذاتها اكتشف عبد الناصر ورفاقه أيضا، والكثير من أنباء جيله، أن لمصر خاصية متفردة، نابعة من حقائق جيوسياسية، وحقائق تاريخية واجتماعية، وأنها بمجموع هذه الحقائق محكومة بدور ومهمة لا تستطيع أن تنفك منها، وليس لها في حملها فضل أو منة، وإنما هي مسؤولية وواجب أوقعه التطور التاريخي الحضاري عليها، تحمي به نفسها وتحقق به ذاتها، وتقوم من خلاله بما يجب عليها القيام به.
ومن هذه الزاوية بالتحديد كان الانتماء القومي لثورة يوليو تعبيرا عن النفس، وتجسيدا لمعنى الوطنية، ووقاية وحماية للمستقبل، ومن هذه الزاوية مثل الإسلام، ومثلت رسالات السماء المحتوى الحضاري لهذه الثورة، وللمجتمع التي تتطلع إلى بنائه.
لم تكن الدعوة القومية استجلابا لنظريات تم استخلاصها من تجارب مجتمعات أخرى، ـ وليس عيبا أن يتم ذلك ـ ولكنها كانت استحضارا وتمثلا لخلاصة تاريخية حاسمة وقاطعة تيقن أعداؤنا قبلنا من حقيقتها، وبنوا خططهم على ضوئها، وباتت تحكم قدرتنا على صوغ مستقبلنا، لذلك كانت عروبة مصر هي وطنيتها المعاصرة، والانتماء القومي لمصر هو التحديد لمستقبلها الوحيد الممكن.
ولم يكن ثوب مصر الإسلامي سلاحا تفرق به بين أبناء الوطن الواحد، وتشطر فيه الوطن على أسس طائفية أو مذهبية أو دينية، فتجمع بعضهم لتواجه به البعض الآخر، وإنما قيمة أساسية روحية واجتماعية تجمع أبناء الوطن الواحد على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، ومسؤولية حضارية تحملها تجاه المسلمين في العالم أجمع تحقيقا لنهضتهم وتحررهم ووحدتهم.
إن نهضة مصر التي أرادها جمال عبد الناصر، ومشروع النهوض العربي الذي عمل له، حمل في جوهره قيمة حضارية دينية إنسانية حاسمة، لذلك كانت سياسات الثورة ضد الظلم الاجتماعي حاسمة بمثل ما كانت ضد الظلم العنصري، وكانت تستهدف التخلص من الاحتلال والاستعمار بمثل ما كانت تستهدف التخلص من التبعية والانحياز إلى غير الحق والعدل، وهذا ما يفسر لنا الموقف المباشر لثورة يوليو مع حركات التحرر العربي والعالمي، وموقفها من الكيانات العنصرية والعرقية والدينية، ومن الأحلاف والتبعية للقوى الخارجية.
4ـ ولأنه كان على يقين بأن عالم اليوم عالم متواصل، جعلته الإمبريالية عالما مفتوحا لطموحاتها ولاستغلال شركاتها، وباتت دولها مجرد سلطات ممثلة لهذه الشركات، فإنه بات من لوازم أي بناء وطني أن تتوفر له القوة اللازمة لحمايته، وأن تكون هذه الحماية مهمة وطنية يقوم بها أبناء ذلك التحالف الوطني القائم على مفهوم العمل وقيمته، لذلك كان القرار هو بناء قوات مسلحة قوية وقادرة على القيام بمهمتها في حماية الوطن وثورته، والعمل على بناء صناعة تسلح توفر لها احتياجاتها. وإقامة التحالفات الدولية الكفيلة بتوفير قاعدة بناء وحماية لهذا الوطن.
وبشكل مبكر اكتشفت الثورة أن الكيان الصهيوني الذي اغتصب أرض فلسطين وشرد شعبها، إنما هو كيان عنصري وعدواني يستهدف في الجوهر منع هذه الأمة من النهوض، وبسط السيطرة على ثرواتها، وتدمير مستقبلها، وأن منع وحدة هذه الأمة هدف أساس لهذا المشروع الاستعماري الاستيطاني، ولما كانت حركة النهضة وحركة الوحدة وفرص الانعتاق مرتبطة كلها بالدور الملقى على عاتق مصر، فإن استهداف الكيان الصهيوني لمصر يصبح استهدافا مبدئيا دائما وملحا، وتصبح مواجهة مصر لهذا الكيان جزءا من مهمات الأمن الوطني المصري، بمثل ما هي جزءا من مهمات الأمن القومي العربي، ويصبح لزاما على مصر أن تبني من القوة العسكرية والحضارية ما يمكنها من مواجهة هذا الكيان، وهذا المشروع الصهيوني الغربي.
5ـ وكشف المشروع الحضاري الذي عمل له جمال عبد الناصر عن ضرورة الوحدة العربية وأهميتها في بناء مستقبل هذه الأمة، وفي تحقيق أمنها، وفي بناء مستقبل كل قطر من أقطارها، وتوفير الأمن له، وبات واضحا بعد غياب امتد لخمسين عاما مضت أنه كلما ابتعدت الوحدة عن حركتنا اليومية، وعن سياساتنا، زاد التراجع في أمننا، وزاد الاختراق الخارجي لمجتمعاتنا، وزدنا ضعفا وتمزقا.
وقد يخيل إلى البعض أن الوحدة التي عمل لها جمال عبد الناصر ذات نموذج واحد اقتصادي وسياسي واجتماعي جسدته وحدة 1958 بين سوريا ومصر والتي ولدت الجمهورية العربية المتحدة، ـ وكانت هذه تجربة رائدة تاريخية وعظيمة تم بانقلاب عسكري مأجور وبظرف دولي حساس فصمها ـ .
لكن الحقيقة التاريخية لا تقول ذلك، والتوجه الوحدوي لجمال عبد الناصر لا يقول ذلك، والتجارب الوحدوية التي دخلتها ثورة يوليو لا تقول ذلك، بل إنها كلها تؤكد أن تصور دولة الوحدة ونظام دولة الوحدة “النظام القانوني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي” مفتوح على كل الأشكال والفرص التي تمكن هذه الأمة من تحقيق قوة الوحدة، وتحقيق مناعة وفاعلية دولة الوحدة.
كان جمال عبد الناصر شديد الإدراك لخصوصيات كل منطقة وإقليم عربي، ولخصوصيات كل مجتمع من المجتمعات العربية، وهي خصوصيات ولدتها طبيعة الأشياء من جهة، وكذلك فترات الابتعاد عن بعض من جهة أخرى، واختلاف طبائع السلطات التي سيطرت على هذه الأقاليم أو استعمرتها على مدى عشرات بل ومئات السنين، وأيضا اختلاف مستوى التطور الاجتماعي بين الأقاليم العربية وما تحقق لها من فرص وثروات.
كان هم جمال عبد الناصر في قضية الوحدة أن يشعر كل إقليم وكل مجتمع عربي يتجه إلى العمل الوحدوي أن هذا العمل يقدم له إضافة مادية وأمنية وعلمية، ويمثل نقلة حقيقية في التحرر من الاستغلال والسيطرة، والتمكن من الحرية والاستقلال والعزة على مختلف المستويات، ويتأكد كل عربي في أي اقليم كان أن الوحدة رفاه وأمن وتقدم.
6ـ وفي مرحلة دولية اتسمت بالانقسام الشديد بين قطبين لا ثالث لهما، قدم جمال عبد النناصر ومعه ثلة من قادة تاريخيين تجربة فريدة، تجربة تليق بنا وبتاريخنا الحضاري، وبقيمنا الدينية والأخلاقية، تجربة كانت كثير من دول العالم متعطشة لها، لذلك لاقت تجاوبا مباشرا امتد إلى معظم دول العالم.
قدم تجربة “حركة عدم الانحياز” التي مثلت في وقتها ضمير الإنسانية، وتوقها إلى التحرر من التبعية، وتوق كل شعب من شعوبها إلى تجسيد خصوصيته وإبداعاته، ووجهه الحضاري.
ولم تقدم هذه التجربة من منظور الابتعاد عن المعسكرات والانقسامات والمشاكل الدولية، وإنما من منظور الانتصار للحق أينما كان، والانحياز إليه أينما وجد، لذلك كانت هذه الحركة موئل حركة التحرر والاستقلال لجميع دول العالم التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار أو كانت ميدانا تلعب بحكوماته ومصائره الدولُ الكبرى.
كانت دعوة عدم الانحياز هي المعادل الموضوعي والبديل الحقيقي لسياسة الأحلاف السياسية والعسكرية، ولسياسة القواعد العسكرية ودعاوى الحماية الخارجية، وكانت أيضا مدخلا لبناء علاقات تعاون اقتصادي لا تقوم على استغلال خيرات الشعوب وثرواتها، وإنما على تمكينها من استثمار هذه الثروات، وبناء النهضة في بلدانها اعتمادا على ما تذخر به هذه البلدان من ثروات مختلفة ومتنوعة.
لم تفرض حركة عدم الانحياز نظاما اجتماعيا أو اقتصاديا محددا لمن أراد أن ينتمي إليها من النظم المختلفة، وإنما فرض عليها قيما في العمل السياسي والعلاقات الدولية تقوم على محاربة العنصرية والاستغلال والتبعية، وعلى تحرر الشعوب وحقها في امتلاك مصيرها، ولعل هذه القيم بالتحديد هي التي صدت ” اسرائيل ” عن فرصة الدخول إلى هذه الحركة منذ اللحظة الأولى لولادة هذه الحركة، وأفردتها بعيدا لتكون نموذجا واضحا جليا أمام العالم كله للعنصرية وللاستعمار الاستيطاني، وبقيت تحت هذا المجهر حتى اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها باعتبار الصهيونية شكل من اشكال العنصرية والتمييز العنصري في قرارها الذي صدر في 10 نوفمبر 1975 وحمل الرقم 3379. فاصبحت صفتها هذه موقفا يجسد ضمير الإنسانية ورؤيتها.
7ـ وقدمت التجربة الناصرية نموذجا فذا للقيادة، نموذجا تبرأ من الاستغلال والفساد المادي والأخلاقي والسلوكي، وبقي على مدى عمر الثورة الممتدة إلى ثمانية عشر عاما في مكانه من حياة الناس، ولم تتغير تلك المكانة بعد ذلك أبدا.
لقد وضع هذا القائد فاصلا لا يمكن تجاوزه بين المال الخاص، والمال العام، لم يكن له تحت أي اعتبار، ولأي ظرف كان، حق في غير ما أقره له القانون بحكم منصبه، إذا احتاج اقترض كما يقترض أي مواطن مصري، وإذا اقترض وفى، كانت الهدايا إذا جاءت رفضت وأعيدت إلى أصحابها، أو أضيفت إلى المال العام.
كان محرما على أحد ذي صله به أن يستغل هذه الصلة لتحقيق أي مكسب مادي أو معنوي، وإذا حدث ذلك فالحساب شديد.
كان يدرك وبحساسية عالية أنه في موقعه هذا مسؤول عن كل مواطن، لذلك كانت أبوابه مشرعة أمام الجميع، وكانت رسائل الناس تصله، ويعتبرها واحدة من الأقنية المهمة التي توصله بالجمهور.
كان الوقت عنده محسوبا لخدمة مهمته ومسؤولياته، لذلك كان يقرأ كثيرا، ويطلع كثيرا، ويراجع كثيرا، ويزور كل المواقع، ولا يستريح لتقارير تأتي من هنا أو هناك، وإنما يتقصى الحقائق قدر ما يستطيع.
لم يعرف عنه غير الوفاء، وغير طيبة القلب، وهي سجية تيقن الجميع من رسوخها في شخصه، حتى أن أعداءه كانوا إذا اهتزت تحتهم العروش، وفقدوا في بلدانهم السلطة، لجأوا إليه، مطمئنين إلى هذه السجايا فكان يوفر لهم الأمن والكرامة، ويغمرهم بفيض من رعايته، وبسبب تمكن هذه الطبيعة منه اعتبر البعض أن هذا الخلق ـ طيبة قلب ـ لا يصلح لقائد يقود بلدا يحيط بها الأعداء من كل جانب.
وما كان في الصراعات الداخلية يرضى باللجوء إلى الدم، ذلك أن الدم الوطني عنده مصان، وهو عنوان لمشروعية نظام الثورة ، ومشروعية أي نظام، لا يجوز إراقته في غير الدفاع عن الوطن، وهو عند ذلك يكون دم شهادة تطلب للشهيد كما تطلب لوطنه، ولعل إعتماده مبدأ “الحل السلمي للصراع الطبقي” ـ وهو واحد من خصوصيات تجربته الثورية ـ مرده إلى هذا الخلق، وإلى السور الأخلاقي الذي حصن به تجربته ومشروعه الثوري.
وبسبب هذه الطبيعة لم يستطع أعداؤه أن يجدوا له، أو يجدوا فيه، ثغرة يمكن أن يعبروا من خلالها، ولذلك أيضا باءت كل محاولات الأعداء الداخليين ـ بعد أن بسطوا سيطرتهم على الدولة ـ أن يجدوا فيه منفذا.
يمكن بسبب هذه الطبيعة لم يعمر كثيرا، ولا شك أنه بسبب هذه الطبيعة كانت له مكانة في قلوب الناس ما وصلها في هذا العصر أحد قط، لا ممن كان قريبا منه، ولا ممن كان خصما له.
ما نقوله عن جمال عبد الناصر لا نقوله دفاعا عنه، ـ ودفاعنا عنه شرف لنا ـ فما عاد هو بحاجة إلى دفاع، هو عن ربه، ومن كان في ذلك المكان لا يحتاج لدفاع من أحد، ثم إن العجز الذي مني به خصومه في الاستدلال على عيب سلوكي فيه وفر أفضل دفاع عنه.
ما نقوله عن “أنموذج الخلق القيادي” الذي تجسد في جمال عبد الناصر يخص ما نتطلع إليه في مستقبلنا، لقد أتعب جمال عبد الناصر بهذا الخلق من جاء بعده من المخلصين، ليس في مصر فحسب بل وفي كل الوطن العربي، وفي أصقاع كثيرة من العالم.
وإذا كان لنا أن نتطلع إلى فرصة للنهوض فليس نموذجا للخلق القيادي أكثر اقناعا للناس وأكثر تعبيرا عن روحها، وأكثر ارتباطا بقيمها من هذا النموذج.
كل ماسبق ملامح مما تطلع إليه جمال عبد الناصر وعمل على تجسيده، قد يجادل البعض في مقدار ما حققته ثورة جمال عبد الناصر من هذه الأهداف التي رفعتها وعملت على إنجازها ، وحق لمن شاء أن يجادل في ذلك، بل إن الجدال والنقاش الجاد حول مقدار ما تم تحقيقه ضروري لمن يريد أن يساهم بقيادة أمته إلى المستقبل، لكن السؤال الذي نطرحه هنا وفي هذه المناسبة لايمس ما أمكن تحقيقه، ولكن يتصل بمدى احتاجنا لهذه الأهداف، ومدى تلبيتها لاحتياجات الأمة في النهوض، أي مدى تلبيتها لمشروع حضاري نتطلع من خلاله أن نتقدم وأن نقدم شيئا مميزا، مهما، وضروريا للإنسانية جميعا.



