مقالات

رجـــــال الــديـــــن و خـــــراب لــبـــنـــــــــــان..!

     أحمد ذبيان/ لبنان
خاص “المدارنت”..
تأسّس لبنان “الكبير”، نتيجة قرار فرنسيٍّ بغطاءٍ دوليّ، على أساس مذهبيٍّ مُعَقَّد، لكي يؤدّي وظيفةً معيَّنة تخدم استراتيجيّات الغرب الاستعماريّ ومشاريعه في المنطقة، حيث كان لرجال الدين المسيحيّين والمسلمين، الوظيفة الكبرى في تسويق تلك الخلطة العجيبة الغريبة، التي سُمِّيت بأسماء شتّى حسب مقتضى الحال والظرف والزمان.
استيقظ “اللبنانيّون” الجُدُد، في الأوّل من أيلول عام 1920، على إعلان الجنرال “غورو”، الحاكم العسكريّ الفرنسيّ، بتشكيل دولة “لبنان الكبير” من بيروت وجبل لبنان والجنوب والشمال والبقاع التي صارت فيما بعد، تحديدًا في 23 أيار 1926 الجمهوريّة اللبنانيّة، والتي أُعطِيَت “استقلالها” في في 22 تشرين الثاني عام 1943.
كان ذلك “الاستقلال” في ظلّ تواجد القوّات والأجهزة الأمنيّة الفرنسيّة، حتّى جلاء آخر جنديّ منهم، بعد حوالي ثلاث سنوات، في 17 نيسان 1946.
إذن، تمّ تركيب السلطة في لبنان الكبير، ولاحقًا في الجمهوريّة اللبنانيّة، من ألِفِها إلى يائها، ومن كبيرها إلى صغيرها والمُقَمَّط في سريرها، تحت إشراف قوّات الاحتلال الفرنسيّ وبرعايتها – انتقاءً وتدريبًا وتجهيزًا – بأدَقِّ التفاصيل وأنجحها، تحقيقًا للتطلُّعات والأهداف التي وضعها الغرب وأدواته وأتباعه.
إنّ أوّل اسفين وُضِع في جسم “الدولة” الناشئة، هو تأسيسها على قواعد التركيبة المذهبيّة القائمة في المناطق، التي جُمِّعت لتشكيل “الكيان اللبنانيّ”، بعلم ومعرفة وموافقة وتواطؤ رجال الدين المسيحيّين والمسلمين، وأوّل مسمار في نعشِهِ الحتمِيِّ الذي وُضِعَ على قارعة طريق الأحداث التي ستعصف به في كلِّ حين.
هنا، لا بدّ من الاشارة الى أنّ البلد، شهد وجود عدد من رجال دولة وسياسة كبار، ظهروا في الخمسينات والستّينات من القرن العشرين، كانت لهم أيادٍ خيِّرة في إنشاء المؤسّسات وتدعيمها والحفاظ عليها، وفي محاولات ارساء البنى التحتيّة القادرة على تحقيق مشروع دولة تسعى الى بلوغ عتبات العصر.
لم تنتظر التركيبة المذهبيّة المُفخَّخة، التي شكّلها الاستعمار الفرنسيّ وأعوانه طويلاً؛ فقد اندلعت الأحداث عام 1958 لبضعة شهور، الى ان قام جمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية العربيّة المتحدة، المؤلَّفة حديثًا انذاك من مصر وسوريا، بالعمل على ايقافها وافساح المجال أمام اللبنانيّين بقيادة اللواء فؤاد شهاب، لوضع قواعد مؤسّسات الدولة، ثمّ عام 1975 على نطاق اوسع بحيث تدخلت قوى اقليميّة وعالميّة، لاذكاء نار الفتنة الطائفيّة، وتحويل لبنان بأكمله الى ساحة صراعات دوليّة، ادّت الى تفكيك أواصر الدولة، وتحويل قواها الى شراذم تابعة لكل الدول الخارجيّة الطامحة والطامعة.
كلّ ذلك، حصل برعاية “أبوية” من رجال الدين المسلمين والمسيحيّين، الذين يحصِّنون بهذه الرعاية رجال السياسة والادارة الفاسدين، بحجّة منع المساس بالطائفة والمذهب والمقامات والمقدّسات!
وهنا، يظهر الدور الشديد السلبيّة لرجال الدين، في إضعاف مؤسّسات الدولة لحساب المسؤولين الساسيّين وأزلامهم والتابعين لهم – ناهيك عن تبعيّتهم هم أنفسهم الى جهات خارجية، تدعمهم ماديًّا ومعنويًّا، وتحرِّكهم في الاتِّجاهات التي تناسب سياساتها وتحقِّق مصالحها.
رجال سياسة وادارة فاسدون مرتبطون بالخارج، ورجال دين يتربّعون على عروش مؤسّسات ينخرها الفساد، يحمون شخصيّات تعيث فسادًا وافسادًا في كل مواقع السلطة والادارة، تعمل بعلم و من غير علم، على انهيار البلاد و خرابها.
إذن، لو صلُح رجال الدين، لكان رجال السياسة والادارة الفاسدون والمُفسِدون قد فقدوا الدعم المعنويّ، وضعُفَت قدرتُهُم على احداث كل هذه الانهيارات، وكل هذا الخراب الذي حلَّ بالبلاد والعباد.
يقول الامام محمد الغزالي: إنّما فسدت الرعيّة بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء؛ فلولا القضاة السوء والعلماء السوء، لقلّ فساد الملوك خوفاً من إنكارهم.
=======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى