شــكـــرا أردوغـــان!

خاص “المدارنت”..
في الواقع، ينبغي علينا إزجاء الشكر سلفا للرئيس التركي – السلطان رجب طيب اردوغان، على جهوده في دفع العرب الى الاتحاد مجدداً، وحثهم على تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، ودفعه مصر الى الخروج من عزلتها، والعودة للاضطلاع بمسؤولياتها القومية في الدفاع عن الأمن العربي القومي.
لم يكن هذا الانجاز بالطبع مما يتمناه أردوغان، ولكن سوء فعله وسوء تقديره، هو ما حققه على قاعدة (رب ضارة نافعة)، وهو عين ما حققته ايران الخامنئية أيضا.
لقد ظهرت على أردوغان الحالم باستعادة أمجاد بني عثمان، آثار العدوى بالسلوك الايراني العدواني ضد العرب. وتهيأ له أن الفرصة مناسبة لتوسيع حدود نفوذه في المنطقة، طالما أن العرب ضعفاء ومنهكون ومثخنون بكثرة الطعنات من الجيران والأعداء البعيدين، وبخاصة هجمات ايران وروسيا واسرائيل، والولايات المتحدة. وآخرهم أثيوبيا، التي تجد في هذا الوضع الموصوف فرصة سانحة لسرقة حقوق مصر والسودان النيلية، غير آبهة بموقف عربي موحد.
لا يمكن النظر الى سلوك تركيا في ليبيا وبلاد المغرب العربي، بمعزل عن سلوكها في سوريا والعراق والخليج واليمن والصومال، وتعاونها مع إيران في غالبية هذه المواقع. إلا أن سلوكها في ليبيا هو الأوضح في طابعه العدواني، وافتقاره الى التبرير. فالمصالح التركية الاقتصادية في ليبيا لم تكن مهددة في أي وقت، ومن أي جهة ليبية، وفي أي عهد من عهودها السياسية.
في ذروة الصراع بين ليبيا القذافية والغرب، ظلت مصالح تركيا في ليبيا محفوظة ومتعاظمة باطراد، وقبل سقوط القذافي، كان في ليبيا أكثر من خمسمائة شركة تركية تعمل في كافة القطاعات. ولم يجد القذافي ما يمنعه من تدريب قواته البحرية في تركيا الأطلسية، الحليفة الوثيقة للولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن الماضي.
مصالح تركيا الاقتصادية في ليبيا إذن لم تكن مهددة، ولم يظهر أي مؤشر على تهديدها من أي طرف ليبي أو عربي، ليبرر لتركيا الحق في التدخل العسكري لحمايتها، على الرغم من التقلبات التي شهدتها ليبيا قبل وبعد سقوط نظام القذافي.
وعليه، يمكن القول إن مغامرات أردوغان في ليبيا لها أسباب أخرى غير اقتصادية. هي مغامرات تترجم طموحات أردوغان الاستراتيجية والاديولوجية والتوسعية، تحت شعار (العثمانية الجديدة)، وتكشفها أحاديثه عن حقوق تاريخية لتركيا في ليبيا، وزعمه وجود مليون ليبي من سكان مصراتة وطرابلس لهم أصول تركية، ما يرتب له حقوقا في التدخل لحمايتهم. مع أنه على فرض صحة هذا الزعم الزائف، لا يوجد تهديد لأي من هؤلاء الذين يسميهم أردوغان أتراكا، ولم يقل ما هو التهديد الذي يحيق بهم، ومن يهددهم؟
الجميع يعلم أن الصراع في ليبيا وطني بين طرفيين ليبيين عرب، لا عرقي ولا اثني ولا طائفي، بل صراع سياسي، طرفاه (حكومة الوفاق) التي تدعمها فصائل اسلامية وقبلية، تحركها مصالح مادية. و(الجيش الوطني) بقيادة حفتر صاحب مشروع توحيد ليبيا، ويدعو لإعادة بناء الدولة الديموقراطية، بالتفاهم والمصالحة والحوار الوطني والانتخابات الحرة، وقطع الطريق على أي تدخلات خارجية.
إن التدخل التركي في ليبيا في الحقيقة، (مغامرة) تحاكي المغامرات الايرانية في الدول العربية. وكما استخدم الايرانيون أقليات شيعية عربية، جندوها وزجوا بها في حروبهم العنصرية والطائفية ضد العرب، يحاول العثمانيون الجدد تجنيد المسلمين السنة العرب وقودا لحروبهم التوسعية في ليبيا، حيث لم يقتل جندي تركي واحد، بينما قتل 400 مقاتل سوري أكرهوا على القتال في ليبيا، كمرتزقة يبحثون عن المال لإعالة أهاليهم.
وما يشجع أردوغان على متابعة مغامراته، أنها لا تكلف الخزينة التركية ليرة واحدة، فليبيا كنز من النفط والغاز، يمكن لحكومة السراج تحمل النفقات، ويمكن لقطر تسديد الباقي وزيادة! والرابح الوحيد هو أردوغان، في حين أنه لن يخسر شيئا إذ فشلت مغامرته الحمقاء!.
هناك مشاريع أخرى تجتذب السلطان الجديد، أولها تجسيد زعامته لتيارات الاسلام السنية العربية، ولا سيما جماعات الاخوان التي دخلت في صراعات مع غالبية الأنظمة العربية، وباتت متشوقة لإحياء الخلافة العثمانية تحت لواء تركيا، مع أن هذه الدولة وقواها السياسية وعلى رأسها “حزب العدالة والتنمية”، ليست إسلامية كما يزعمون، وإنما علمانية متشددة، ومن أكثر دول العالم الاسلامي انتشارا وازدهارا لسوق الرذيلة والفسق! .
وثانيها، أن أردوغان يريد ايجاد قاعدة ثابتة في ليبيا، لدعم وتمويل مغامراته القادمة في تونس والجزائر، يكشف عنها زعمه بوجود اقليات تركية فيهما، وصلت حسب ادعائه الى ثلاثة ملايين نسمة في الجزائر. وحتى إذا صدق في ذلك، فهو لم يكلف نفسه عناء التوضيح لنا أين كان أسلافه العثمانيون عندما غزت فرنسا الجزائر؟ ولماذا لم يتدخلوا لحماية الولاية الجزائرية في ذلك الوقت؟ حيث كانت البحرية العثمانية ما تزال قوية، وأين كان أسلافه حين ثار الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي عام 1954 – 1962؟ وماذا قدموا الى الأقلية التركية؟!. ولماذا لم يتدخل الاتراك والعثمانيون للدفاع عن ليبيا عندما احتلها الايطاليون واستباحوا حرماتها بقسوة نادرة؟!
من المعيب حقا، أن يتحدث أردوغان عن حقوق قومية وتاريخية لبلاده في ليبيا والجزائر وتونس، بينما تاريخهم في الدول الثلاث غير ناصع ولا مشرف. ومن المعيب أن ينافس اردوغان دور مصر في هذه البلدان، وهي التي قامت بأنبل وأعظم تضحية دعما للشعبين الليبي والجزائري في نضالهما ضد الطليان والفرنساوية.
أردوغان، يتذرع للتدخل حاليا بوجود الجيش الوطني، ويتجاهل أن تدخله بدأ قبل ظهور الجيش الوطني الليبي. وبدأ في ارسال سفن عملاقة محملة بملايين قطع السلاح والذخائر الى جماعات مسلحة متطرفة في عموم دول المغرب العربي، وعندما قبضت السلطات الليبية على احداها قبل عامين، قدمت الجزائر شكوى الى مجلس الأمن، قالت فيها إن السفن التركية تجوب المتوسط وتوزع الاسلحة على جماعات متطرفة وارهابية، تهدد أمن واستقرار الدول العربية والافريقية.
لقد وجد اردوغان في حالة الفوضى وعدم الاستقرار الليبية فرصة للتدخل، ودعم تلك الجماعات أمبراطورية نفوذ في شمال افريقيا، تحت شعار الثورة والاسلام والديموقراطية الكاذبة، للهيمنة على ليبيا، ومحاصرة مصر بالتحالف مع نظام عمر البشير، وجماعات ليبيا، واخوان تونس والجزائر، وتنظيم القاعدة في (المغرب الاسلامي)، وتوقيع اتفاقيات للتنقيب عن النفط في سواحل ليبيا، ونشر الاسطول التركي في تلك المنطقة، الأمر الذي خلق وسيخلق بؤرة توتر خطيرة مع مصر واليونان وقبرص، ويهدد سواحل أوروبا الجنوبية، ودول المغرب العربي. ولم يكن غريبا أن تكون إيران أول دولة تعلن تأييدها للدور التركي في ليبيا. فهما شريكتان في الانقضاض على البلدان العربية بحجج متشابهة. وكلتاهما تعبران عن عداء عنصري للعرب، وتعملان على تمزيق النسيج والهوية العربية، لكل البلدان والمجتمعات التي ينتهكانها من العراق وسوريا الى ليبيا واليمن.
حتى العام الماضي، كانت الأزمة الليبية داخلية والخلافات بين الأطراف المتحاربة محدودة. أما الآن فليبيا تتحول بحسب المحللين العرب والاجانب الى (سوريا جديدة)، تتصارع فيها الدول الكبرى، وتثير شهية مزيد من الدول الاقليمية الطامعة، وهذا لا يفيد الشعب الليبي، بل يفيد الدول الطامعة فقط، وعلى رأسها تركيا وليبيا واسرائيل.
الموقف المصري – العربي
لقد جاء الرد المصري، نتيجة طبيعية ومشروعة ومبررة للمغامرة التركية بعد ثمانية شهور من بدايتها، إذا اعتبرنا اتفاق اردوغان والسراج في نوفمبر 2019 هو البداية. ولو أن مصر لم تتخذ هذا الموقف لكانت تستحق الادانة من الليبيين والعرب، لتفريطها بأمنها، وأمن الدول العربية.
وبصرف النظر عمّن يحكم مصر، فإن هذا الموقف هو الموقف الطبيعي والصحيح لمصر في مواجهة التحدي الذي فرضه التدخل التركي في ليبيا، سواء كان رئيسها جمال عبد الناصر، أو الملك فاروق، أو حسني مبارك. وليس هناك في مصر الآن من يعارض السيسي في رؤيته للتدخل التركي، وكونه يهدد أمن مصر القومي والاستراتيجي، لأن الاتراك لا يتدخلون لتحقيق اهداف مؤقتة ينسحبون بعدها، بل يريدون وجودا دائما، بدت معالمه من مشاريعهم لاقامة قواعد عسكرية على الساحل لتهديد تونس والجزائر وبقية المنطقة. فإذا كانت المانيا وفرنسا والاتحاد الاوروبي ترى في هذا التدخل خطرا على مصالحهم وأمنهم، فكيف يصح ألا ترى مصر فيه خطرا أكبر، وهي الأكثر تضررا منه؟
ولا ننسى أن على مصر مسؤوليات خاصة تجاه الشعب الليبي الشقيق، نتيجة الاواصر القومية والانسانية التي تربط الشعبين ووحدة النسيج الاجتماعي بينهما، تحتم عليها أن تتدخل، لا سيما بعد أن تعرض حتى العمال المصريون لاعتداء عنصري وانتقامي، مدبر وينطوي على رسالة استفزازية لمصر ممن ظنوا أنها انتهت، وفقدت قوتها وقدرتها على الدفاع عن نفسها وشقيقاتها، فضلا عن تلاشي حضورها العربي والاقليمي. وهذا محض وَهْم، لمن يدرك كيف تتصرف مصر عندما يتعرض أمنها للخطر. ويمكن هؤلاء أن يتذكروا كيف خاض الملك فاروق حرب فلسطين الاولى، من دون تردد، على الرغم من ضعف مصر وقلة امكانياتها، ووجودها تحت الاحتلال البريطاني.
مصر في موقفها الذي أعلنه رئيسها يوم السبت 20 يونيو 2020، لم تكن متشددة، فقد عبرت عن موقف قوي ومعتدل وواضح بدون تشنج وبدون مبالغة، ولم تذكر تركيا بالاسم في كلمة الرئيس السيسي. وعبرت عن مسؤوليتها تجاه شعب شقيق يستنجد بها منذ سنوات بكل الطرق، وحان وقت تلبيته، لأن الخطر لم يعد داخليا، بل أصبح دوليا.
وكان من الطبيعي والمنطقي، أن تهب الدول العربية للاعراب عن تأييدها ودعمها للموقف المصري، فورا وبلا تردد، مما جعله موقفا قوميا عربيا مشتركا. ولا نعتقد أن هناك من سيشذ عنه.
لهذا السبب، وجهنا الشكر منذ البداية الى الرئيس اردوغان، فقد أسدى لنا خدمة ايجابية من حيث لا يريد، ولا يدري. فإذ أخرج مصر من انعزالها، ودفعها الى استعادة بعض من حضورها العربي، ولعب دورها الطبيعي والطليعي في الدفاع عن الأمن القومي العربي، بمواجهة كل من تسوّل له العبث واللعب والتآمر على الأمن العربي، بهذه الطريقة الاستفزازية المكشوفة.
لقد كشف السلطان التركي عن الوجه الحقيقي لتوجهاته الاسلامية، فإذا بها سياسة طورانية توسعية. وكشف عن المحتوى الحقيقي لسياسة الانفتاح الأخوية على العرب التي زعمها منذ بداية حكمه، فإذا هي سياسة عدوانية تتصيد في المياه العكرة المكاسب والمصالح، وتتعاون مع الايرانيين في مخططاتهم العدوانية والتوسعية، وتشترك معهم في عنصريتهم واحقادهم ضد العرب، متناسيا – اردوغان – كم قدم العرب من المساعدات لتركيا في أوقات أزماتها الاقتصادية منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى الأمس القريب، وكيف فتحوا أسواقهم لصادراتها، وأيدوها في سياساتها الخارجية والاقليمية على الدوام.
وإذا كان علينا أن نقدم الشكر الى أردوغان، لأنه كشف عن حقيقة توجهاته بهذا الوضوح، وعن أطماعه وأهدافه غير الأخوية وغير الاسلامية، فإننا نعتقد أنه من الضروري أيضا، تحميله مسؤولية تبديد أول فرصة تاريخية لإحياء عهود الاخوة الاسلامية الزاهية، بين العرب والترك في العصر الحديث، وبناء قاعدة ذات آفاق واسعة للتعاون المثمر والايجابي والبنّاء، لإقامة حلف شرق ـ اوسطي ـ اسلامي، يتصدى للتدخلات الأجنبية الروسية والاميركية والاسرائيلية في عموم المنطقة.



