مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام” للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. “الحلقة 2”.

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

نتابع في الحلقة الـ”2″ نشر المحور الأول من كتاب “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير  الراحل مصطفى حمّود.

 

المحور الأول: استلاب الإسلام وأهله: لا سويّة حالهما

الفصل الأول: ثقافة القضاء والقدر تحاصر الإنسان

لعلّنا لا نحتاج إلى كثير من الجهد والاستقراء في المجتمعات الإسلامية، أفرادًا وجماعات، فرقًا ومذاهب، حتى نلاحظ أن الإيمان بالقضاء والقدر قد ترك في ثقافة الناس ما صبغها بهما فصحّت تسميتها بثقافة القضاء والقدر. لقد فشت فيهم وشاعت، وتجذّرت في جنبات حياتهم وثناياها، وأخذتهم في الخير والشر كليهما. فما معنى  القضاء والقدر؟ وماذا عن جذور ثقافتهما بين أهل الإسلام؟ وماذا عن شيوع هذه الثقافة؟ وإلى أي مدى تتحكم بنشاط الإنسان المؤمن بها، أو تؤثر فيه؟

  • في معنى القضاء والقدر:

في “لسان العرب”(1)، قال الليث: “القدر القضاء الموفّق”؛ وقال ابن سيّدة: “القَدْر والقَدَر القضاء والحكم، وهو ما يقدّره الله عزّ وجلّ من القضاء ويحكم به من الأمور”؛ وفسّر أبو منصور هذا التقدير فقال: “وتقدير الله الخلق تيسيره كلاّ منهم لما علم أنهم سائرون إليه من السعادة والشقاء، وذلك أنه علم منهم قبل خلقه إياهم، فكتب علمه الأزلي السابق فيهم وقدّره تقديرًا”. أما بشأن القضاء فقد جاء أن القضاء هو الحكم، وأن فيه القطع والفصل والحتم؛ وقال الأزهري: “وكل ما أُحكم عمله أو أتمّ أو ختم أو أدّي أداء أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أمضي قد قضي”؛ وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث، ومنه القضاء المقرون بالقدر، والمراد بالقدر التقدير، وبالقضاء الخلق.

  لعلّنا لاحظنا أن الكلام على  القدر يستدعي الكلام على القضاء، والعكس صحيح، فهما متلازمان مقترنان متكافئان في استعمال معنيهما. فابن سيدة جعل من “القدر” تقديرًا من القضاء والحكم به على نحو صريح ومباشر؛ ويمكننا أن نقرأ في قول أبي منصور معنى “القضاء والحكم” في التقدير أو القدر ضمنيًا على نحو غير مباشر في عبارة “تيسير الله كلاًّ من الخلق لما علم أنهم صائرون إليه”. ولعله من المفيد في هذا المقام أن نشير إلى أن بعض العلماء قد رأوا في “القضاء” اسمًا لما حكم به الله وأوجده أو خلقه في الواقع، كما رأوا في “القدر” اسمًا لما لم يقع في الواقع بعد، بل ما زال مقدّرًا في علم  الله، مما يعني أن “القضاء” هو قدر متحقق أو منجز في الواقع. لذا، وتيمنًا بما هو شائع وسائد من حديث للرسول بشأن الإيمان حيث جاء فيه “.. وتؤمن بالقدر خيره وشرّه”، مقتصرًا على  “القدر” دون “القضاء”، فإننا سنعبّر عن “ثقافة القضاء والقدر” بـ “ثقافة القدر”، إلاّ إذا اقتضى الأمر غير ذلك. فماذا عن جذور هذه الثقافة؟

  • القرآن يجذّر ويحضن ثقافة القدر:

إن فكرة القدر قائمة ومطروحة في التراث الإنساني في القديم والحديث، بيد أن توجّهنا ينصبّ في الإسلام حصرًا. لذا، فإننا نسارع إلى تبيان الأسس التي يشيّد عليها بنيان ثقافة القدر، والأصول المتفرعة والمتأصلة فيها، والجذور الممتدة إليها والمتعمقة فيها، نسارع إلى رصد كل ذلك في أبعاد هذه الثقافة، المحوريّة وفي مواضيع أخرى لا تقلّ احتضانًا لها في القرآن الكريم:

2-1 – الأبعاد المحورية لثقافة القدر: إن الأبعاد المحورية أو المواضيع التي تدور في فلكها ثقافة القدر، تبدأ بعلم الله الأزلي الأبدي الشامل السابق لكل شيء قبل أن يكون قد أخذ هذا الشيء صفة الوجود نتيجة إيجاده من قِبل الله؛ وتثنّي بالكتابة حيث يكون كل شيء قد علمه الله في كتاب يودع في اللوح المحفوظ؛ وتثلّث بإرادة الله الشاملة النافذة حيث لا يكون في ملكه ما لا يريد، ولا يقع شيء فيه بمعزل عن إرادته؛ وتنتهي، رابعًا، بخلق الله كل شيء وفقًا لما علمه به؛ ولما كتبه بشأنه في اللوح المحفوظ وطبقًا لإرادته… هذه الأبعاد تتداخل وتتلازم حيث يستدعي كل بعد منها الأبعاد الأخرى أو بعضها… أضف إلى ذلك أن هذه الأبعاد الأربعة تستلزم قدرة مطلقة حتى لا نكون أمام عجز محال أن يكون الله فيه، وهو “القادر المقتدر القدير”. أضف إلى ذلك أن وقوع الأشياء لما خلقت له، وما كتب عليها ولها يكون بمشيئة الله وهو الحكيم وهي الحكيمة. إنّ الإيمان المهيمن في ثقافة القدر هو أن كل شيء مخلوق لله بعلمه، وما هو مكتوب في اللوح المحفوظ، وبإرادته وقدرته وحكمته، وهو أن كل ما حدث ويحدث، كان ويكون بقضاء الله وقدره. والآن ماذا في كل من  المحاور المشار إليها؟

2-1- أ – في علم الله: ينفرد الله بإلوهيته وربوبيّته، ويعلم الغيب وحده بكل ما يرتبط به: عالم الآخرة، وما ومن فيه من خلقه من الجنة والنعيم، ومن النار والجحيم، ومما عرف فيه وما لم يعرف، ومن الملائكة وغيرهم، وكل ما هو غير مرئي أو غائب؛ كما يعلم الشهادة بكل ما يتصل بها أيضًا: عالم الدنيا، وما ومن فيه من خلقه من فضاء وأجرام وكواكب ونجوم ومجرّات وغبار كوني، ومن أرض وما ومن عليها من جماد ونبات وحيوان وإنسان، وما فيها، وكل شيء، مما هو مرئي أو حاضر… إنه يعلم في الغيب والشهادة كل ما جرى ويجري، وكبيرة وصغيرة، وكل ما ظهر وما خفي على البصائر… إن علمه قد وسع كل شيء حيث يقول في الآية: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ…﴾ (الحشر: 22) وتطالعنا آية أخرى بقدرة الله المطلقة تتجلّى في خلق السماوات والأرضين، وتجعل كل شيء يجري فيهما وفقًا لقضائه وأمره لكي نعلم، نحن البشر، دون سائر المخلوقات الأخرى على الأرض، أن الله المقتدر يقدر على كل شيء، وأن علمه، إلى ذلك، شمولي وكلّي بحيث لا نظن أن شيئًا ما قد يخرج عن كليّته وشموليّته؛ فليس من شيء إلاّ أحاط به علمًا تامًا بكل ما يمتّ إليه بصلة… وهل يبقى، أيها الإنسان، شيء ما مجهولاً لله وقد أحاط بكل شيئ علمًا؟! لنتأمّل ونتفكر في الآية: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾، (الطلاق: 12)؛ ففي هذه الآية، كل مواضيع القضاء والقدر، الخلق والإرادة والقدرة والعلم الذي يستلزم الكتابة. أما الآية  الثالثة التي نستشهد بها في موضوع علم الله فإنها تتميز من سابقتيها بأنها تقتصر بمعانيها على الإنسان المعني الوحيد بالقضاء والقدر وبثقافتهما، إذ تبدأ بأنه ليس من مصيبة تقع لأحد من الناس في نفسه أو ماله أو عمله أو أي شيء يعنيه، ويهتم به إلاّ بإذن الله؛ ومن يملك أن يأذن بشيء، فإنه يعلمه، ويملك عدم الإذن به، ولهذا دلالة هامّة لإندراج وقوع  المصيبة في نطاق الشرّ ومشيئة الله؛ والشائع في الإيمان بالقضاء والقدر هو إيمان بخيرهما وشرّهما؛ ثم تجعل الآية نفسها من الإيمان بالله شرطًا للهداية إلى الصراط المستقيم، وسواء السبيل؛ وتخبرنا أخيرًا بأنه ليس من شيء إلا علمه عند الله. أما الآية المعنية فهي: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾، (التغابن: 11) … وهكذا تترسخ في نفوس العباد كليّة علم الله وشموليته، كما يتجذّر في إيمانهم أن الله يحيط بكل شيء علمًا.

2-1-ب- في كتابة الله: إن علم الله يحيط بكل شيء، ومعلومه هذا مسجّل في اللوح المحفوظ. فليس من شيء غائب أو خافٍ أ و غير مرئي، أو مجهول، كبيرًا كان أو صغيرًا، في السماء أو في الأرض إلاّ علم به وكتبه في كتاب واضح ودقيق، وجعله في اللوح المحفوظ حيث جاء في الآية: ﴿… وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾، (النمل: 75)؛ ولعلّ المتبصّر يعرف ما توحي به هذه الآية من دون جهد كبير أو اجتهاد، أنه إذا كانت الغائبة أو الحاضرة بكتاب مبين، فإنه من اليسر بمكان أن تكون كذلك الحاضرة أو الظاهرة. وإننا نفهم من آية ثانية أن حدوث أي مصيبة في الأرض كفيضان أو زلزال أو انفجار بركان أو إعصار أو عاصفة هوجاء أو وباء وما إلى ذلك، أو في الأنفس كمرض أو مجاعة أو فقر أو فقدان عزيز أو خسارة ثروة، وما شابه، هو معلوم ومكتوب لله من قبل خلقه إياه؛ وهذا ليس بمعجز لله، بل هو من اليسر بمكان عليه، تجلّت قدرته في ما يريد وإنه على كل شيء قدير حيث تقول الآية: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾، (الحديد: 22) .

وها نحن بين يدي آية أخرى تذهب في كل معانيها إلى ما قد نتعرض له في حياتنا نحن البشر، من خير وشر، وجمال وقبح، وسعادة وشقاء، وغنى وفقر، ويسر وعسر، وهدى وضلال، وإيمان وكفر… لن يحدث لنا شيء من هذا وذاك إلا ما كتبه الله لنا حصرًا. إذًا، فنحن لا نملك إزاء الله شيئًا. ثم تخبرنا الآية بأن الله إلهنا وناصرنا، وأنه بعدئذ يأمرنا كمؤمنين أن نفوّض أمورنا إليه، فهو يكلفنا ويرزقنا بالتوكّل عليه، على نحو ما جاء في الآية المعنية: ﴿..قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ (التوبة: 51). فهذه الآية وحدها تكفي لتجذير ثقافة القدر في خيره وشرّه، وليطمئنّ الإنسان المؤمن بأنه ليس عليه سوى التسليم والرضوخ للمكتوب عند ربّ العالمين، والتوكّل عليه.

2-1-ج في إرادة الله: إن كل شيء بإرادة الله ولا شيء من دونها. إنّه فعّال لما يريد. وإن اختلط أو التبس الأمر على الناس أو بعضهم في شيء ما، فإنهم آمنوا بأن ذلك حكمة رآها رب العالمين. فاقتتال الناس مشيئة له، ومشيئة له أيضًا عدم إتيان كل نفس هداها، وعدم جعل الناس أمة واحدة، كما تخبرنا الآيات الثلاث الآتية تباعًا: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ (البقرة 253)، ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا -﴾ (السجدة: 13) ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ -﴾(هود: 118)… ويمعن القرآن في محاصرة العباد في إرادتهم واختياراتهم بحيث يشعرون بأنه ليس لهم أن يجعلوا الحكم والسلطة في من يرونه منهم كفؤًا لهما، ولا لهم أيضًا أن يخلعوا عن سدّة الحكم من فسد فيه وافسد السلطة وظلم؛ كما أنه لا شأن لهم في عزّتهم ومنعتهم، ولا في ذلّهم ومهانتهم؛ ثم يرون أن الخير بيده تعالى وبتصرفه، وأنه القادر المقتدر الفعّال لما يريد عملاً بما ذكر في الآية: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 26)، ويكتمل الحصار على إرادة العباد حيث يحول بينهم وبين أي عمل يقومون به بإرادتهم، وحيث إن إرادتهم تتوقف على إرادة الله أو إنهم يريدون بإرادته تعالى. وهل من فرق بين ألاّ يشاء المرء إلاّ أن يشاء الله، وبين أن يشاء المرء بمشيئة الله؟!  إن العباد وإرادتهم هم جميعًا في تبعية كاملة لإرادة الله. فلنتأمل في معاني الآية: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، (التكوير: 29). إن هذه الآية بما تبديه من شمولية الإرادة الإلهية في حياة البشر، وبما تظهره، استتباعًا، من تبعيتهم التامة، تجعلهم يشعرون معها بأنه لا حول لهم ولا قوة ولا إرادة، فينصاعون بعجزهم للتسليم والرضوخ والإذعان لقضاء الله وقدره، ويتوكّلون عليه وهو أرحم الراحمين.

2-1-د- في خلق الله: إن وحدانية الألوهية في الله وله تنسحب على كل صفاته: فهو العالم العليم بكل شيء، وهو الكاتب لكل شيء في اللوح المحفوظ، وهو المريد الفعّال لما يريد، وهو الخالق لكل شيء، وهو هو في أسمائه الحسنى كلها. وله الملك كله لا يشاركه فيه أحد، ولا يقع فيه ما لا يريد، وخلق كل شيء بمقتضى علمه به وما هو مكتوب له، ويسّره لما خلق وكتب بشأنه. لقد جاء في الآية: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان:2) . ثم تخبرنا عن الله آية أخرى أنه ليس خالق كل شيء فحسب بل إنه وكيل على كل شيء أيضًا، إذ يقول فيها:﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، (الزمر: 62)؛ ولعلّه من نافل القول إن العباد عندما يقرأون أن كل شيء مخلوق لله، وأن لله التدبير في كل شيء، يعرفون أن أشياءهم لا تخرج عن هذين الحكمين لله، الخلق والتدبير. وإن تردّد بعضهم، فيجد نفسه، وقد تغلّب عليه الإيمان أمام حقيقة قائمة ألا وهي أنه هو وما يقوم به من عمل مخلوقات لله، وأنه ليس لمخلوق ما يملكه إزاء خالقه، مصداقًا لقوله تعالى في الآية:﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: 96)؛ فهذه الآية تتميز من سابقتيها بأنها قد ذهبت في حكمها مباشرة إلى نشاط البشر فجعلته مخلوقًا لله، خيرًا كان أو شرًّا، طاعة أو معصية، هدى أو ضلالًا، إيمانًا أو كفرًا؛ فإذا بهم مرارًا وتكرارًا لا يرون في أنفسهم أنهم فاعلون قادرون على صنع أي شيء بإرادتهم، بل يرون أنهم هم ونشاطاتهم مخلوقات لله، وأنهم هم وهي تابعون لإرادة الله، وأن كل ما ينسب إليهم وإليها هو معلوم ومكتوب في اللوح المحفوظ عند الله.

2-1-هـفي قدرة الله: إن قدرة الله هي الأخرى مطلقة. فلا يحول حائل دون تحقيق ما يريد الله إنجازه أو خلقه، ولا يعجزه معجز وهو القادر المقتدر القدير على كل شيء؛ وعبارة “إنه على كل شيء قدير”، ترد وتؤكد قدرته المطلقة الشاملة في عشرات الآيات في القرآن…ولعلّه من نافل القول إن القدرة شرط كل فعل، والكلام على أي قدرة لأي كان أو لأي شيء، يعني أنها فيض أو فضل من قدرته تعالى. ولعلّ الصورة الرائعة في نفوس المؤمنين والمؤمنات بقدرته تعالى، والشائعة والمشفوعة بالخشوع والرهبة في ثقافتهم، هي أن أمره ينفّذ فورًا، ويكفي أن يقول لما يريد: كن فيكون على التو، مصداقًا لقوله في الآية: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، (يس: 82) .

وهكذا فإن ثقافة القدر تجد في القرآن، وعلى نحو ما شاعت فيه، المرجع الأساس لها في سائر المواضيع أو الأبعاد التي تدور في فلكها: من علم الله وكتابته إلى إرادته وقدرته وخلقه. ولكن ليس هذا فحسب، بل إن هذا المرجع الأساس يحتضن ثقافة القدر في غير أبعادها  المحورية أيضًا.

2-2- احتضان ثقافة القدر في غير أبعادها المحورية: إن هذا الاحتضان لهو من صلب المرجعية الأساس لثقافة القدر في القرآن؛ وهو لا يختلف في الجوهر عن التأسيس أو التأصيل أو التجذير لها من حيث إفضاؤه بأهل الإيمان بالإسلام إلى الإيمان بالقضاء والقدر اللذين فشوا وشاعا في ثقافة هؤلاء. أضف إلى ذلك ان انتقاء المواضيع والنصوص القرآنية لم يكن من سبيل الحصر أو الاستثناء، بل كان من سبيل التدليل على مدى خصوبة التربة القرآنية لتبرعم القضاء والقدر، وترعرعهما في ثقافتهما وفشوّها وشيوعها في أصل الإيمان بالدين الحنيف. أما المواضيع والنصوص المشار إليها فهي:

2-2- أ- في ملكوت الله والرجوع إليه: إن وحدانية الله في الألوهية  والربوبية، وفي أسمائه الحسنى كلّها، تترك في نفس الإنسان المؤمن به صورة المالك المطلق لكل شيء حيث كل ما ومن في ملكه يذعن ويخضع، طوعًا أو كرهًا، لتدبيره الأمور كلها، وتصريفه الشؤون كلّها، دون الحاجة إلى أي استشارة أو نصيحة أو رأي أو اقتراح من أي كان، لأنه هو الغني بذاته عمّن سواه، ودون الاحتياج إلى أي استعانة أو عون أو مساعدة من أي طرف كان؛ لأنه هو المستعان به، وهو المعين، وهو المفتقر إليه دائمًا، وهو المحتاج إليه دائمًا في الخير كلّه، وفي دفع الشرّ كله،  وإليه مرجعنا جميعًا يوم الدينونة. فلنتفكر في النص القرآني في الآية: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾(آل عمران: 109). وفي الآية:﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس: 83). ترى، أين الإنسان من كل ذلك؟ إنه في أموره وشؤونه داخل في تدبير الله أمور ملكه، وتصريف شؤونه؛ إنه في ما يملكه الله في الأرض وهو مملوك له تعالى في كل المعاني، وهو في نهاية المطاف مبعوث له، وإليه مرجعه يوم الحساب حيث الجزاء العادل… وهكذا لم يفلت الإنسان من شموليّة أحكام هاتين الآيتين في شيء، بل هو مما يملك مالك الملك ليس إلاّ.

2-2- ب- في الرزق: إن الأرزاق والخيرات والنعم هي من فضل الله وكرمه ورحمته. عنده وله خزائنها، وبيده مفاتيحها. والله هو المدبّر والمتصرّف والرزّاق، يرزق عباده، موسّعًا على هذا، ومقترًا على ذاك، ومفضّلاً بعضهم على بعض: فهذا غني موسر، وذاك فقير معوز. وهو لا يساءَل في عطائه لأنه هو العادل الحكيم الرحيم الغني بذاته عمّن سواه. إن رزقه يشمل سائر مخلوقاته حتى الدواب في الأرض عليه رزقها…. وهكذا فإن العمل والسعي للرزق وإن كانا مطلوبين من المرزوق، فهما لا يغيّران من الأمر شيئًا، أي لا يزيدان في الرزق ولا ينقصان منه. فالله واحد في الرزق كوحدانيته في الملك وفي الألوهية . لنتأمّل في الآية: ﴿-وللهِ خَزَائِنُ السَمَاوَاتِ وَالأَرْضِ-﴾، (المنافقون: 7) ، وفي الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، (الذاريات: 58).

===================================  “يُتبع”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى