مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”5″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” اليوم، نشر محتويات فصول المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
3-4- في مدى شيوع ثقافة القدر بين الناس: إن ثقافة القدر في المفاهيم حيث تطغى المفعولية على “سلوكية” أهل الإيمان بها، وتكون “المواجهة” لديهم أقرب إلى الاستكانة بكثير منها إلى استنهاض الهمم والنشاط، وتأخذ “التبعية منهم كل اهتمام وتركيز واجتهاد إلى عالم الغيب، بالإضافة إلى (المقولات) المتداولة بين هؤلاء والتي تغيّب حتى الحد الأدنى والضيق لدورهم وأثره في أعمالهم وأفعالهم وحياتهم، إن هذه الثقافة تفشو وتنتشر في الجماعات والشعوب والمجتمعات الإسلامية وذات الغالبية الإسلامية، وتشيع في الغالبية العظمى من الناس، معتنقي الإسلام، وتطبع ثقافتهم بطابعها. وإن اختلفت من مجتمع إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، فإنه اختلاف بالدرجة وليس بالطبيعة. فهؤلاء يرتقون سلّم القدر كما ارتقته جماعات المواقف الخمسة الآنفة الذكر. ولعلّنا لا نغالي إذا ما ذهبنا إلى أن انخراط الناس في ثقافة القدر هذه في واقع حياتهم الاجتماعية هو أكثر تسليمًا بالتبعيّة لعالم الغيب منها في المواقف الخمسة المذكورة، كما تبيّن لنا ذلك بوضوح تامّ (المقولات) المسلّم بمعانيها ودلالاتها حيث تكاد حريّة الإنسان لا تسمع في تداولها في الحياة الاجتماعية. ولعلّ تمظهر ثقافة القدر يقلّ بعض الشيء في المجتمعات التي ينحسر فيها دور الدين في الحكم والتشريع، كما أنه يكثر بمقدار ما في المجتمعات التي يتسع فيها دور الدين التشريعي. ففي المجتمع ذي الغالبية الإسلامية، ومتعدد الثقافات، تبقى ثقافة القدر هي السائدة والغالبة، وهي المحضونة والمرعية، تغذّيها وتعبّئها المؤسّسة الدينية المرجعيّة المعنيّة بها، وتمدّها بما تحتاج إليه لتظل عنوانًا لما يعرف به المسلمون والمسلمات. وتنتشر مراكز الرعاية الشاملة لهذه الثقافة على امتداد المساحة المتواجدة فيها: في المدارس التي من مهامها تعليم الدين، والأسرة، وفي وسائل الإعلام – وما أكثرها وما أكرمها! وفي المساجد والمناسبات ذات العلاقة كالأعياد والأفراح والمآتم وما إلى ذلك.
لعلّنا نلاحظ ونعرف أن شيوع هذه الثقافة في الغالبية العظمى لا يعني أن جميع أعضائها أو أفرادها يتطابقون في التأثّر بها وفي ممارستها، لكنها ومع ذلك تبقى الشجرة التي يستظلون بفيئها؛ كما أن هذا الشيوع لا يعني أيضًا أن غير المنخرطين في هذه الغالبية سلبيون هامشيون، بل إنهم يتوّزعون في جماعات أو فئات أو أقليات تتناغم وتتنافر بهذا القدر أو ذاك مع الثقافة السائدة، انطلاقًا مما تؤمن به من منظورات لها في تحديد سلوكها وتوجيه نشاطها وتدبير شؤون حياتها وتقويمها على نحو مختلف مع ثقافة القدر… فهذه مجموعة ترجع إلى العقل وإلى ما يتمتع به أعضاؤها من إرادة وقدرة وحريّة في ما يقومون به ويسعون له، ويعتبرون أنفسهم مسؤولين عن تبعات أعمالهم ونتائجها دون الاحتجاج بالقضاء والقدر، ولكن مع بقائها على إيمانهم بالإسلام…
وهنا مجموعة أخرى تؤمن بالإسلام، ولكنها مع إبعاده عن السياسة، وإبداله بنظام سياسي عقلاني من صنع البشر يساعد على تقريب الجماعات الدينية وغير الدينية المختلفة في ما بينها في بعض وجهات النظر أو الاجتهادات أو التأويلات، تقريبها من بعضها البعض، وإقامة الألفة والوئام بينها بدلاً من الفرقة والخصام. وهذه الجماعة تتناغم إلى حد كبير وفي كثير من الأمور مع الجماعة الأولى… وهناك مجموعة ثالثة تتذبذب وتتلوّن ويغلب على إيمانها تحقيق المصالح والأهواء الخاصة، وتفرط في المجاملات والمصانعات والمسايرات والتزلّفات، فلا تتورّع عن الظهور بمظهر التديّن المغرق بالخشوع والورع والتقوى، وفي الانصياع والإذعان لقضاء الله وقدره، إذا ما اعتقدت أن هذه السلوكية قد تيّسر لها تحقيق منافع أو مآرب تسعى لها؛ كما أنها تتمادى في التفلّت من الأوامر والنواهي وفي تجاوز حدود الحلال والحرام، إذا ما رأت أن هذه المعاصي قد تقرّبها من الحصول على صفقة تدرّ عليها الربح الوفير دون احتساب للحلال أو الحرام فيها. إنّها باختصار مجموعة تعرف من أين “تؤكل لحم الكتف”.
وهناك مجموعة تعمل في الكتابة والتفكير والثقافة والعلم والفن دون أن يكون لعملها صفة الوظيفة. فنرى منها من تأخذه هذه الأقلية أو تلك الأكثرية في ثقافتها، ومنها من استلبه أصحاب المكانة المرموقة أو المصالح الكبرى في المجتمع، أو أصحاب النفوذ والسلطة. فهؤلاء المستلَبون وأولئك المأخوذون لثقافات شرائح المجتمع قد وجدوا حدود طموحاتهم ومقدراتهم “المتفوقة” ورؤيويتهم “البعيدة” عن آخذيهم ومستلِبيهم، فرَضَوْا بحياتهم أو غلبوا فيها على أمرهم، وبرّر بعضهم لنفسه ذات الكفايات “العليا” بالظروف القاسية الظالمة التي لا ترحم، كما برّر بعض آخر رضوخه وإذعانه محتجًّا بالقدر…
أما من بقيَ من هذه المجموعة ولم تأخذه مألوفيّة الثقافة عند الشرائح الاجتماعية، ولا أغراه يسر العيش لدى أولئك المستلبين، فكان يرى قدره مما يملكه هو أو مما يعمل وسعه على صنعه كما يريد، وكان يرى لنفسه وأهله وناسه ومجتمعه صورة متقدمة أو مستوى متقدمًا من الحياة أفضل وأرقى مما هم فيه، في تغيير وتطوير يقدر عليهما بما يبتكر أو يبدع، فلا يثنيه عن هذا شظف العيش، وعسر الحياة، ولا الإفشال المتحقق على حساب النجاح لضغوط ظالمة، ولا ما به أُدْمِيَ جناحاه تكسيرًا، أو أحبط مسعاه قهرًا، أو حوصرت حيلته قمعًا، أو صودرت مبادرته ظلمًا وتخويفًا، أو قيّدت حرّيّته بالسّجن والترهيب… ومع ذلك، يشعر بأنه هو الفاعل وهو الثائر على جلاّديه، وهو المشفق على المستكينين، وفي نفسه مضاضة من ظلم ذوي القربى، ومرارة غضب من القادرين القاعدين عن الفعل،…
وها كم أخيرًا مجموعة “الفن الممكن”، مجموعة “العدل أساس الملك”، إنهم أهل السياسة يمسكون بمفاصل البلاد، ويديرون شؤون العباد من طريق وضع اليد على مقاليد السلطة بأساليب مختلفة ومتنوعة: بعضها مشروع معقول، وبعضها تخجل الشرعية من أن تكون صفة له، ويُكْرَه العقل على أن يراه معقوليًّا. أما في الحالة الأولى، فيكون للشعب الدور الحاسم في تمكينهم من حكمه عبر عقود ومؤسّسات وآليات أقيمت لهذه الغاية، وتكون المعادلة في هذا “كما تكونون يولّى عليكم”. وللمرء أن يتوقّع شيئًا كثيرًا أو كبيرًا من شعاري “السياسة فن الممكن” و “العدل أساس الملك”، ويأخذ طريقه إلى ساحة الفعل تحقيقًا وتطبيقًا في حماية المصالح والحقوق والحريات لعموم الناس من غير تمييز أو امتياز، كما أنّ أهل السياسة لا يفاجئوننا باستعدادهم، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك، للمساءلة والمحاسبة والمحاكمة من قبل الشعب عبر هيئات وآليات أنيطت بها هذه الإجراءات. وأما الناس فمطمئنون لهذا الحكم حيث ينحسر الظلم، وتضبط حالاته، كما يحاصَر الفساد ويُحصِر لتخلو الساحة للعدل والنزاهة والاستقامة والشفافية، وتتسع بذلك دائرة حريّة الإنسان… أما في الحالة الثانية حيث يجيء وضع اليد على مقاليد الحكم بأساليب ملتوية خارجة عن إرادة الشعب وفعله، تضعه أمام سياسة الأمر الواقع ليرى نفسه مغيّبًا أو مغلوبًا على أمره، أو مسلوب الإرادة والقدرة على الفعل، فيمكننا أن نتصوّر وصول أهل السياسة إلى سدّة الحكم إما بالوراثة التي لم تكن لتخرج عن دائرة “الغلبة والمغالبة والتغلب”، وإما اغتصابًا وقهرًا بقوة لم تتوافر للخصوم أو قد هزمتهم، وإما تآمرًا أخفت الظلمة عيوب الوسائل والأساليب، وإمّا قضاء وقدرًا أُلبِسا لإحدى الحالات الثلاث التي تم بها الوصول إلى الحكم. ففي هذه الحالات، يخرج ما يتحقق للناس من الحقوق والحاجات والمصالح والمشاريع العامة، كشق طريق، وإقامة مستشفى، وتعمير مدرسة، وبناء جامعة، وإنشاء مصنع وما إلى ذلك، من كونه واجبًا على السلطة الحاكمة وحقًا للناس عليها، ليدخل في سجل مفاضل السلطان ومآثره ومكارمه.
وربما كان الأمر هيّنًا لو تحقق لهم كل ما يستحقونه، ولكنّ حكمة السلطان تقضي ألاّ ينعم عليهم بأكثر مما يسكّنهم ويسكتهم وهم شاكرون حامدون ممتنون… ولعلّه من الإنصاف أن نشير هنا إلى أن السلاطين، وهم مَن في قمة السلطة، ليسوا متطابقين في ما يجودون به على رعاياهم، بل لكل ميزانه ومكياله ومقياسه، وليس من يسائل أو يراقب أو يحاسب أو يحاكم، فأمر كل منهم يرجع إلى مناقبيته ورؤيويته ليس إلاّ. أضف إلى ذلك أن النفس الأمّارة بالسوء تستفحل في إمرتها في جو هوى السلطة الذي سرعان ما ينزلق بها إلى تمادٍ في التسلّط، ومع إساءة استعمال السلطة، يصبح “الممكن” ظلمًا واستبدادًا وفسادًا استرشادًا بمقولة “الظلم بالسّويّة عدل بالرعيّة”، وكما ينحرف “العدل” من حماية الحقوق وصونها لأصحابها، إلى الحكم بكل ما يرسّخ “الملك، ويمدّ بعمره لمالكه وكيفما اتّفق… وتقام الصروح والقصور لأجهزة الأمن والرقابة والمحاسبة والمحاكمة لقمع كل ما يدلّ بإصبعه أو لسانه على خلل ما في الحكم أو عيب أو انحراف أو مخالفة أو تقصير أو إهمال أو انتهاك قانون أو سوء استعمال للسلطة، وكل من يتجرّأ على الحكم بنصيحة أو اقتراح أو تمنٍّ… ولو بقي هذا القمع على مستوى الحكم ومن في قمته لكان للظلم حدود؛ ولكن سرعان ما يتمدّد ويمتدّ، ويتجاوز كل حدود في مثل الذرائع المذكورة نفسها لحساب ومصلحة من يضرب بسيف سلطان الحكم، ومن كان من بطانته أو من سُجِّل في حاشيته، ومن كان مقرّبًا إليه…
ولعلّ أهل الحكم هؤلاء هم الأكثر استفادة من شيوع ثقافة القدر إذ يحتجون بها، ويلمّعون صورهم في المناسبات الدينية بأساليب الخداع والاستتباع والاستلاب، وبتسخير وسائل الإعلام بحيث تجتهد لتظهرهم للعيان منشغلين بحماية الثغور وتكريس الحكم بما أنزل الله، وليس على العباد سوى الطاعة لوليّ الأمر الذي يحكم “بإرادة الله ومشيئته، وبقضائه وقدره” رحمة بالناس أجمعين… فلنتأمّل، مثلاً، في المساحة التي يدعى فيها للسلطان في صلوات الجماعة من يوم الجمعة، في خطب المساجد “الرسميّة”؛ ولنتفكر أيضًا في ترتيب الولاء في قسم لأحد المحظيين استمعنا إليه اتفاقًا في إحدى القنوات الفضائية للتلفزة أثناء انهماكنا في تخيّر الكلام على مجموعة “الفن الممكن” و”العدل أسس الملك” إذ جعله لله أوّلاً، ولسلطانه ثانيًا، ولبلده ثالثًا…
ولكن، كيف نقرأ كتاب “ثقافة القدر” في حال أهل الإسلام المزرية، وواقعهم المرير، وفي ما تتركه من أثر سلبيّ في نفوسهم، واستلابيّ في حياتهم حتى نكوّن صورة مكتملة عن مدى محاصرة هذه الثقافة خليفة الله في الأرض؟
- تعميم ثقافة القدر يصيب الإنسان في فاعليّته وسيادته:
لعلّ أقسى وأخطر وأظلم ما يفضي إليه شيوع ثقافة القدر وتعميمها بين أهل الإيمان والإسلام، هو السلبية التي تجعلهم في حال من التعثّر والتعسّر والتأخّر لا يحسدهم عليها حاسد ولا يغبطهم بشأنها غابط، وهو أيضًا الاستلاب الذي يفرّغ خلافتهم في الأرض من السيادة وما تستلزمه من الحكم العادل والحرية والاستقلالية والمسؤولية، ويملأ الفراغ بالاستبداد والتبعيّة والاعتمادية أو التوكّلية و”الانتظارية”(3). إن ثقافة القدر تصيب الإنسان في كلّه وبعضه، وتتجلّى الإصابة في مصادرته ومحاصرته، ليكون، نظريًا، تابعًا للسماء، لا حول له ولا قوة من غيرها، ويستتبعه القدر ويستبدّ به أيّما استبداد، ما يجعله في شعور، بالتكليف والابتلاء بالخلافة من قِبل رب العالمين، من الارتباك والالتباس والظلم والتكبّل الذي كثيرًا ما يشبه الشلل، وليكون، عمليًّا، تابعًا في الأرض لمستبدّي منظّري المذاهب المتخالفة، والفهم البشري المتخالف للإسلام، الذين يأبون إلاّ أن يخرجوا من جلودهم وطبائعهم وترابيّتهم، ويُؤّلِّهوا وجهات نظهرهم البشرية، مباشرة أو مواربة، زاعمين أنه يتمّ لكل منهم كشف الحقيقة الكاملة وامتلاكها دون غيره، بشأن القرآن والسّنة، فلا يضيرهم أنهم متخالفون في ما بينهم، ما يجعل الإنسان في تبعيّة لهم كثيرًا ما تشبه “التأمّعية”. ولعل ثقافة القدر أكثر ما تؤلم وتوجع في سيادة الإنسان، وأكثر ما تقزّم وتشلّ في فاعليّته. فماذا عن هذا؟
4-1- الاحتجاج بثقافة القدر يكاد يتحكّم بنشاط الإنسان كلّه: يكون النشاط فاعلاً أو فاعليًّا بقدر ما يكون صاحبه مؤثّرًا فيه، في فعله، ويكون منفعلاً أو مفعوليًا بمقدار ما يكون فاعله متأثرًا به، بفعله. فالفاعلية والمفعولية تتغالبان على فعل الإنسان ويتمّ لإحداهما الغلبة على الأخرى، إن لم تتوازنا في شخصية الفاعل. بيد أن تعميم ثقافة القدر تشدّد الحصار على الإنسان في فاعليّته ونشاطه لمصلحة مفعوليّته، وأن شيوعها على نحو ما هو قائم وسائد يجعل لسان حال أهل الإيمان بها يعبّر عن إيمانهم بردّ كل ما يحدث لهم في حياتهم من خير وشر، ومن سعادة وشقاء، ومن نِعَم ونِقَم، وما شابه ذلك، إلى علم الله وإرادته وحكمته وقضائه وقدره. ومن النادر جدًّا أن يكون في هذا التعبير مكان، ولو ضيّقًا جدّا، لإرادتهم أو حريّتهم أو اختيارهم. وكثيرًا ما يأتي احتجاجهم بالقضاء والقدر إيمانًا منهم بهما، مضيفين إلى ما ذكر في مرجعية الله، أنه الغنيّ بذاته عمّن سواه، فلا تنفعه طاعة أحد، ولا تضّره معصية أحد، وأنه العادل الذي لا يظلم عنده أحد، وأنه مقيم الحجة على العباد، فلم يكلّف سوى العاقل الراشد القادر الحر، وأنه ميّز لهم الإيمان من الكفر، والحلال من الحرام، والهدى من الضلال، والخير من الشر(…) عبر كتبه ورسله وأنبيائه… وفي الأدبيات الإسلامية، يغلب عدم جواز الاحتجاج بالقضاء والقدر على الارتكابات والمعايب والمعاصي والآثام والذنوب وإن جاز عليها إيمانًا، لأن الله قد نهى عنها جميعًا. فمن لم ينتهِ، عصى وارتكب وأذنب، وليس له أن يحتّج بالقدر على ذنوبه ومعاصيه.. وفي الأدبيات نفسها، يجوز الاحتجاج بالقضاء والقدر على المصائب والمحن والنكبات والشدائد بإرادة من الإنسان، أو عقابًا على معصية الأوامر منه، بل هي من قضاء الله وقدره. وليس على من نزلت به مصيبة مما ذكر، سوى التسليم والاحتساب والتجمّل بالصبر والدعاء والتطلّع إلى فرج الله القريب، واليسر الذي مع العسر. إنّ الله لا يخيّب ظنّ عبده فيه..
ولكن الشائع عن الإيمان بالقدر أنه يشمل خيره وشرّه، على الرغم من أن بعض الفرق قد ذهب إلى أن الشرّ وما إليه ليسا من الله، بل هما من فعل الإنسان، فيردّ بعض الفرق أيضًا بأن الخير والشرّ كليهما من الله، وأن الله لا يقبل في ملكه ما لا يريد… ولكن أيضًا كثيرًا ما اختلط على جمهرة أهل الإيمان، الأمر بشأن الارتكاب والمعصية من جهة، ووقوع المصيبة من جهة أخرى. فمثلاً قتل غضبان غلبان ظلمًا، ولكل منهما أسرته وأهله وناسه وجيرانه والأقارب؛ فأحدثت الجريمة غضبًا واستنكارًا وحزنًا وإدانة وتشنجًا وتوترًا في العلاقات…الخ. فالحدث نفسه يصنّف ارتكابًا وذنبًا ومعصية، فلا يحتج عليه بالقضاء والقدر إلاّ إيمانًا لا تبريرًا ولا تهرّبًا؛ ولكن الحدث بحد ذاته يقرأ من حيث أثره في الطرفين مصيبة ونكبة ومحنة لما يترتّب عليه من ضرر وأذى وشرّ في أسرة كل منهما، فيُحْتّجُّ عليه بالقضاء والقدر؛ فلا بدّ إذًا، من التسليم والاحتساب والصبر…
ومما يتوقّع من أقوال أناس معروفين بإيمانهم وتقواهم يريدون إصلاح ذات البين ورأب الصدع بين المعنيين: “إنها إرادة الله”، و”القدر يعمي البصر”، و”الحذر لا يمنع القدر”، و “الله يلعن الشيطان الوسواس الخنّاس””.. فما يقول الدين في ما جرى بين غضبان وغلبان؟ – في الشائع أن الحدث هو ارتكاب جريمة قتل، وهو قضاء وقدر إيمانًا. وهذا يعني أنه قُدّر لغضبان أن يَقْتُل (فهو القاتل بتقدير)، وقُدّر لغلبان أن يُقتَل (فهو المقتول بتقدير). ومعنى التقدير هنا وهناك، هو تيسير كل من القاتل والمقتول إلى ما خلق له وكتب عليه. أما المسؤولية فقائمة لأنه كان لغضبان الخيار والإرادة والقدرة ليمتنع عن القتل، كما كان له ذلك كلّه لينفّذّه… وفي الأدبيّات نفسها أيضًا وأيضًا أن الأقدار يدفع بعضها بعضًا: فقدر الغرق يرفعه قدر النجاة، وقدر المرض يرفعه قدر التداوي، وقدر الجهل يرفعه قدر العلم، وقدر الضلال يرفعه قدر الهدى، الخ. أضف إلى ذلك أن المتداول في الحديث أن “الدعاء يردّ القضاء” “والدعاء يرد القدر”. هذان الحديثان يبيّنان مكانة الدعاء الرفيعة؛ فهو في الحديث الأول قضاء، وفي الحديث الثاني قدر. كيف؟ – في الأول كان مع القضاء قضاء بردّه بالدعاء، وفي الثاني كان مع القدر قدر بردّه بالدعاء أيضًا.
وهكذا يجد الإنسان نفسه يتحرّك من قدر إلى قدر، بل يهرب من قدر إلى قدر، وهو في الحالين، في القدر الهارب منه، والقدر الهارب إليه، يكون مفعوليًا أو منفعلاً بأثر كل من القدرين دون أن يكون فاعليًا أو فاعلاً في أي منهما. وهذا يعني أن الأقدار تتحكّم بنشاط الإنسان وفعله إلى حد كبير مما يجعله في سلوكيته في حال من المفعولية أكثر منها في حال من الفاعلية، وفي مواجهته مصيره وشؤون حياته، مستكينًا لا حول ولا قوة له، وفي تبعيّته فاقدًا استقلاليته وسيادته وحريّته.. ولعلّه من اليسر بمكان أن نجد في القرآن ما يدعم ويحتضن هذا الوصف للواقع بشكل عام. ففيه يقرأ أن كل ما يصيبنا من حسنة أو سيئة، من خير أو شر، فهو من عند الله، كما في الآية: ﴿ -وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ -﴾ (النساء: 78) كما يمكننا أن نقرأ منه أيضًا أنه لا يتم لأحد أن يؤمن بالله إلاّ بإذنه وفقًا للآية: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ -﴾(يونس: 100).
4-2- تعميم ثقافة القدر يصيب الفاعليّة في أسباب حصول الفعل: إن الأسباب أو الشروط التي يتم بها فعل الإنسان هي: عقله الذي يزن به الأمور بما لديه من العلم والخبرة، من حيث الخير والشر، والنفع والضرر، والحلال والحرام، والصواب والخطأ، في إطار دوافعه وغاياته وتطلعاته؛ وإرادته التي يرجّح بها الأمور التي يراها الأصح والأنسب والأصوَب والأنفع في حياته؛ وقدرته التي يأخذ بها الأمور الموزونة لعقله، والمرجّحة لإرادته، إلى طريق الإنجاز والتحقيق في الواقع… هذه الأسباب – الشروط لإنجاز الفعل يتوافر بها للإنسان الفاعل مستوى معيّن من الحريّة والسيادة والاستقلالية في إطار ما تسمح به حقوقه، وما يفرضه القيام بواجباته، وما تبيحه له السلطات الحاكمة والمراقبة والمحاسبة. ولكن هذا المستوى لا يبدو كافيًا في ثقافة القدر ليقوم الإنسان بفعله على نحو فاعليّ.
وإذا الفاعلية هي صفة الفاعل في فعله، وإذا الفعل محتاج إلى أسبابه حتى يتحقق لفاعله، وإذا هذه الأسباب مخلوقة ومملوكة لله، وإذا الفعل منسوب إلى الإنسان مجازًا أو اكتسابًا أو اختيارًا بين الطاعة والمعصية، أو بين الإقدام على الفعل وإنجازه وبين الإحجام عنه وتركه، بإعمال ما لديه من عقل وإرادة وقدرة وهي جميعا من الله في نهاية المطاف، أو عبر حرّيّة مستقلّة أقدره الله فيها على الفعل بقدرة حادثة هي من عند الله أيضًا، فإننا نجد أنفسنا في ثقافة القدر بالشكل الشائع والسائد فيها، أمام فاعل ارتفعت مفعوليّته في فعله، وتدنّت فاعليّته فيه، وكلما عظم الإيمان بها، ازداد تدني الفاعلية وارتفاع المفعولية باعتبار أن الفاعليّة والخالقية في نهاية الأمر حصريّتان لله رب العالمين. ومع غلبة هذه المفعولية على نشاط الإنسان وفعله، تتسرّب إلى نفسه مشاعر سلبية تحيط بفاعليته وتفعل فيها فعلها، من قبيل الشعور بأنه خارج دائرة التأثير، وبالإفلات أو التفلّت من المسؤولية، واهتزاز الثقة، وفقدان المبادرة والمغامرة وبواعث الفضولية وحوافز الطموح، فضلاً عن الشعور بالعجز والانهزاميّة، الأمر الذي يغيّب أو يدمّر مشاعر الإقدام والنهوض والاستنهاض لانتشار حالات التكاسل والتقاعس والتواكل والقعود عن الفعل على الرغم من أن تحذير العباد منها وحثّهم على نقائضها لا يفضيان إلى إزالتها، لأن القدر يأخذهم بثقافته في تكريس الاتكالية أو التوكّلية أو الاعتمادية فيهم، والرضوخ والإذعان والتسليم والاستكانة والعزم المسحوق له الذي يبدو وكأنه يستغيث معبّرًا عن ذلك بالدعاء والتضرّع إلى الله، واستغفاره واسترحامه والاستعانة به؛ وقد يثقل على هؤلاء العباد الانتظار، فيُبعد عنهم تجمّلهم بالصبر والملل والضجر، معلقين النظر إلى الله أملاً في أن ينهي ابتلاءه إياهم، ويأتيهم بالفرج القريب….
إننا نجد في القرآن كثيرًا من النصوص التي تسوّغ مثل هذا التدّني في فاعليّة العباد المؤمنين بالقدر بالنظر إلى فهمهم البشري لها. فالله قد خلق كل شيء وهم لا يملكون إزاء هذا الخلق شيئًا كما ورد في الآية: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ (القمر: 49) ؛ وفي نصّ آخر، ليس لأي منهم أن يعترض أو يختار في أمر قد قضاه الله ورسوله، وفقًا للآية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ-﴾ (الأحزاب: 36)؛ وتسارع آية بيّنة إلى رفع معنويات العباد الذين يأخذهم القنوط من رحمة الله، وتستنهضهم أملاً بالفرج ورفع الابتلاء، وتدعوهم إلى عدم اليأس، الأمر الذي يلقى صدى حسنًا في نفوسهم حتى لا يكونوا من القوم الكافرين، فيلجأون إلى التسليم والدعاء والتوكّل على الله والتجمّل بالصبر؛ أما الآية المعنية فهي: ﴿-وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾(يوسف: 87). ويقف العباد مكتوفي الأيدي، لا حول لهم ولا حيلة إزاء حكمة الله وعلمه بالمصالح في توسيعه الرزق على من يشاء من هؤلاء، وفي تضييقه على من يشاء منهم، وهو الخالق الرزّاق وإليه أمر الرزق كله، مصداقًا للآية: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (العنكبوت: 62).
4-3- تعميم ثقافة القدر يصيب سيادة الإنسان في صميمها: إذا الفاعلية قد تدنّت بين يدي المفعولية في رحاب ثقافة القدر، وإذا أسباب حصول أو تحقيق الفعل قد تحكّم بها القدر كلّها من عقل مكبّل لا يتاح له الإعمال إلاّ في ما رسمه ويسّره وكتبه الله لصاحبه بحيث لا يعلم إلاّ بعلمه، ولا يريد إلاّ بإرادته، ولا يقدر إلاّ بقدرته ولا يملك من أمره أو مصيره أو حياته شيئًا، ففيم تكون سيادة الإنسان وقد هزل وصغر وضؤل ما يتسوّد عليه أو ما يكون سيدًّا عليه يتصرف به وفقًا لأهليّته الذاتية؟! وأي سيادة هذه التي يقزّمها القدر، ويفرّغها من الإمرة والحرية والاستقلالية، لكي يعظّم مكانها الاستتباعية، وباسمه يعظّم شأن الاستبداد التفافًا على الدِّين، واستلابًا له؟! وماذا يبقى من خلافة الإنسان في الأرض وقد ذهبت ثقافة القدر بقوامها وصحيحها؟! أين “آدم في أهل الإسلام”، وقد صودر وحوصر وهمّش بكل ما أهّله به الله من أهليّة متميزة من كل ما لدى باقي المخلوقات، ومتفوّقة عليه؟!….، وتخلو الساحة لـ “آدم في غير أهل الإسلام” ليحقق في معظمهم الشيء العظيم من السيادة على الأرض. يا لقساوة القدر!ويا لإفراط الإيمان به!
وبعد هذا العرض لثقافة القدر، رأينا أن نثبت ثلاثة أبيات من الشعر يعبّر بها الشاعر عنها كما هي شائعة وسائدة خير تعبير:
إذا ابتليت فثق بالله وارضَ به إن الذي يكشف البلوى هو الله
إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ما لامرئ حيلة في ما قضى الله
اليأس يقطع أحيانًا بصا لا تـيـأس فــــنــعــم الـــقــادر الله
وفي ختام الفصل، فإننا لا نغالي إذا ما قلنا: إن ثقافة القدر تحدّ إعمال عقل الإنسان وتكبّله، وتستتبع إرادته، وتستلب قدرته وتصيب سيادته، وتيّسر المناخ الملائم لاستغلاله السيئ، إنها تحاصره(4). (انتهى الفصل الأول).
الحواشي:
- لابن منظور الإفريقي المصري.
- نكتفي بهذا القدر حتى لا نقع في التكرار غير الضروري.
- أي حال الانتظار والاستكانة حتى يستجاب للدعاء.
- سنعود إلى تقويم ثقافة القدر في الفصل السادس.



