مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”15″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

الفصل الرابع: السّياسة والدّين والعقل في سياق الاستلاب:

إنّنا، بادئ ذي بدء، نشير إلى تناول هذا “الثلاثي” كما يبدو لنا في حياة الجماعات والشعوب والمجتمعات والدول المسلمة أو ذات الطابع الإسلامي في الغالب حيث يبرز وجهه السلبي حتى  الطغيان أحيانًا في ممارسته ووظائفه في أمور الناس وشؤونهم، إدارة وتدبيرًا وتصريفًا، بهذا  القدر أو ذاك؛ فوصف هذه الممارسة بالقليل أو الكثير من السوء والظلم والشّرّ هو ما ذهبنا إليه في عبارة “سياق الاستلاب”.

إن واقع حال تطبيق “السياسة والدين والعقل” في حياة هؤلاء الناس لا يقلّ فيه سوء الاستخدام الذي ينعكس شرًّا في مصالحهم وحاجاتهم وحقوقهم وتطلّعاتهم خلافًا لحسن الاستخدام الذي كان يرجى توقّعه من هذا الثّلاثي… فالسّياسة تستلبها النزعة الفرديّة فتجعلها منحازة إلى الاستبداد في ممارسة السلطة حيث يصحّ وصفها لذلك بالتسلّط السّياسي، أو بالسياسة المتسلّطة التي تسعى جاهدة لاستتباع واستقطاب كل ما يغذّي ويخدم أهواء”الحكم المتغلّب” بما فيه الدين والعقل؛ أما الدّين فيستلبه الفهم البشريّ المتعدّد المتنوّع الذي عدّد ونوّع في قوامه، وتمادى في تبديد هويّته حتى صادرها، وعقل العقل في إطاره، أو وضعه في “الإقامة الجبريّة” لديه بفضيلة بقيّة من رحمة لدى ذوي هذا الفهم؛ وأما العقل فيستلبه التواطؤ في قمعه بين التسلّط السياسي والدين المستلب، حتى يبرّر لهذا استتباعه، ويسبح بحمد الاستبداد لذاك… حقًا إنّه لثلاثيّ مرّ واقعه، ورديئة حاله، والناس في هذا وذاك، يؤلمهم شرّ الحال، ويمضهم مرّ الواقع. فما هي مرارات هذا الواقع؟ وما هي شرور تلك الحال؟ وكيف يتوزّعها  الثلاثي الذي سوّأ عليه الاستلاب سمعته؟ لعلّنا نتبيّن كل ذلك في تتبّعه في ما يلي:

الاستلاب يظلّل “الثّلاثي” ويكلّله عبر السّلطة الحاكمة:

إن بعض التأمّل في تاريخ البشر ينبئ بأن الناس يحتاجون إلى سلطة حاكمة حتى يستمروا في حياة اجتماع يختلفون فيها عن سائر الكائنات الحيّة الأخرى، كما ينبئ أيضًا بأن مصدر هذه السلطة هو إمّا من السماء تحت مسمّيات من قبيل “القوى الخارقة” التي ترقِّى فهمها عبر الزمن إلى أن تجلّى في الإيمان بإله واحد أحد لا شريك له في ملكه، هو الله الذي أوحى بالدّين من لدنه إلى الناس، ففهموا فيه سلطة حاكمة من أمره “بالحكم بما أنزله” في كتبه المقدّسة، وإمّا هو (مصدرها) من الأرض حيث يعيش الإنسان، فردًا وجماعة، يعقل الحياة بما يتمتّع به من قوى معرفيّة فاق بها سائر الخلائق الأخرى، وتميّز بها منها، وحيث تجمّع لعقله من خبرته ومعرفته وتجربته ما صنع من سلطة حاكمة من نفسه ولنفسه.

وقد أنيطت هذه السلطة، هنا وهناك، بالسياسة أو بالقائم بها بالأصح والأدقّ، استخلافًا لله، لأن الحكم كلّه له دينيًّا في غياب أو شبه غياب تامّ للآليات الضابطة له، أو تداولًا وفقًا لآليات وضعها العقل البشري تبعًا لكل نظام اختاره الناس أو خضعوا له في زمان ومكان معيّنين… أما العلاقة بين السلطتين المشار إليهما فهي تنافس صراعي صدامي ينزع إلى الهيمنة والسيطرة والاستتباع غالبًا، أو إلى الفصل بينهما، والإقصاء عن الحكم كليًّا؛ وإنّه لمن القليل والقليل جدًّا ما كان الأمر بينهما توافقًا أو تكاملاً تمسك به يد واحدة…

فما سبب الاحتياج إلى سلطة حاكمة بين الناس؟ وكيف كان أمرها بين السماء والأرض في عهد النبي المصطفى؟ وكيف تجلّى في العهود التي تلت النبوّة؟وهل في الإسلام ما قد ييسّر هيمنة السلطة الزمنية على السلطة الدينيّة؟ وما هو السائد أو الشائع في الصراع داخل الثلاثيّ؟

  • الاجتماع البشريّ يقتضي السلطة الحاكمة:

إن القاعدة العامّة في حياة الناس هي أن يعيشوا في جماعات ينتمون إليها، ويوالونها بشكل أو بآخر، باعتبار الإنسان كائنًا اجتماعيًا، وليس ما يقال خلافًا لذلك سوى شذوذ واستثناء ليس إلاّ. ومن  المعروف أن الناس يختلفون في حاجاتهم ومصالحهم ورغباتهم وعواطفهم وميولهم والإمكانات، ويتباينون في تطلعاتهم وطموحاتهم والغايات، ويتناقضون في أنانيّتهم وأطماعهم والأهواء؛ لأنهم متفرّدون بشيء ما، وبقدر ما، حتى ولو كانوا  أعضاء في أسرة واحدة، أو جماعة واحدة، أو مجتمع واحد. وإن بدا بينهم، في بعض الأحيان، شيء من التقارب والتآلف والتناغم والتعاطف في بعض علاقاتهم، فإن أشياء من التباين والاختلاف والتنافر وتضارب المصالح والأهواء، سرعان ما تشيع وتطغى، وإن قصة قابيل وهابيل معبّرة في هذا السياق.

وهكذا تكون البيئة حيث هم، مسرحًا للفوضى، وتتوافر الفرص للاعتداء والقوة لتصبح الحقوق نهبًا لهما، فيسود في حياتهم التخاصم والتقاتل والتحارب، ويصير الحقّ للأقوى الذي لا يتوّرع عن الاستئثار به بـ “بيضته والقشرة”، الأمر الذي يدني حياة هؤلاء الناس من حياة الوحوش في ظل “قانون الغاب” الذي ينحدر برقيّهم وتفوّقهم بين الخلائق إلى مستوى “التوحّش البشريّ” الذي هو أبشع وأقبح من وحشيّة الوحوش لضياع الإنسان فيه. ولكنّ الإنسان، ولكونه الخليفة الوحيد في الأرض، يأبى هذا الانحدار ويستجيب للنزوع الأصيل فيه نحو الأفضل والأرقى، فيجد من الضرورة بمكان أن يتجنّب هذا الانحدار، ويدفع عنه شرّ العدوان والقوة الغاشمة، ويكون هناك حدود للأهواء والمصالح والحاجات والحقوق، فكانت ضآلته في سلطة حاكمة يرجع إليها جميع أبناء وبنات جنسه من الناس في جماعتهم أو مجتمعهم أو دولتهم، فكانت هذه السلطة بمثابة الشرط الضروري لاستمرار هؤلاء في حياة اجتماعية يسود فيها ما يليق بهم من نظام تنتظم به العلاقات بينهم، ويرجع إليه الحكم فيها، وتكون سياستهم بمقتضياته… بيد أن السّلطة ليست واحدة لدى جميع  الناس حيث هم، من حيث وظيفتها المرجعيّة السياسيّة، بل إنها تبدو في وجهين متقابلين اثنين على الأقل: وجه إيجابيّ ووجه سلبيّ.

  • وجه السلطة الإيجابيّ: إن الوجه الإيجابي للسلطة الحاكمة يعبّر عن حسن استخدامها وتوظيفها وفيه وجوه تتعدّد بعدد درجات حسن الاستخدام هذا، من الأقل حسنًا إلى الأحسن، ففيه يمكننا توقع سيادة العدل والمساواة في ممارسة الحكم، وفي سياسة البلاد والعباد، وفي تدبير أمورهم وتصريف شؤونهم ومعالجة مشكلاتهم وفضّ نزاعاتهم، وفي حفظ حقوقهم وصون مصالحهم، وفي ضبط القيام بواجباتهم… أضف إلى ذلك أنه، في حسن استخدام هذه السلطة، يتجلّى مدى رعايتها لحقوق الإنسان في حرية المعتقد والرأي والتعبير عنهما، وفي المشاركة في الحياة السياسية عبر آليات جعلها النظام أو القانون متاحة بين يديه، كأن يوالي السلطة، ويعزّز الرأي العام المدافع عنها؛ أو يعارضها وينقد ممارستها وينتقد القيّمين عليها؛ أو يؤلّف حزبًا أو ينتسب إلى حزب؛ أو يترشّح للمناصب التي تشغل من طريق الاقتراع أو المباراة؛ وله أيضًا في هذا السياق أن يشارك في عملية تداول السلطة دون إكراه أو قمع، بل بحريّة وإرادة واحترام تامّ لما تؤول إليه آليات هذا التداول… ويتمّ كل هذا وذاك في إطار تكافؤ الفرص بين المواطنين، والمساواة في المواطنة والعدالة الاجتماعية. وإذا أردنا أن نختصر ونجمل، فنقول في إطار هذه الإيجابية ونطاقها، إن سياسة  المصالح والموارد  العامّة والخاصّة تكون في صالح سائر الناس وخيرهم في الداخل والخارج، وإنه نتيجة لذلك، ينعم جميع الناس بالأمن والأمان والسلام والاستقرار والتقدّم.
  • وجه السلطة السلبي: أما الوجه السلبي للسلطة الحاكمة فيصف سوء استعمالها، وفيه أيضًا تكثر الوجوه بكثرة درجات سوء الاستعمال هذا، من الأقل سوءًا إلى الأسوأ. ففيه نلاحظ شيوع الذي يتلبّسه الظلم، وفشوّ المحاباة التي تشوّه هوية المساواة، ووطأة التسلّط الذي يظلّل الحكم وممارسته… فنرى مفاهيم مثل التدبير السليم لأمور الناس، والتصريف الصحيح لشؤونهم، والمعالجة الناجعة لمشكلاتهم، والإدارة الحكيمة لسير العمل والمصلحة العامّة، والقيادة الرشيدة للأمة في مواردها ومقدّراتها، والقضاء العادل في فضّ النزاعات وإحقاق الحقوق لأصحابها، نراها محورًا لدعاوة الإعلام الرسمي الذي ينطق بمنطق الحكم، ويبصر بعينه، ويسمع بأذنه، ويحلّل ويعلل وفقًا لتوجّهاته والتوجيهات، تعزيزًا لأهوائه، ويروّجها ويعلن عنها، جهرًا وعلانيةً، وكأنها في إطار الحق والخير والخدمة للمواطنين؛ ولكنها في حقيقة الأمر تتحقق على أرض الواقع والفعل مغشوشة معيوبة منقوصة وقد ذهب بها الكثير من الباطل والشرّ والاستلاب، ليكون معظم النفع منها، وسواد الخير فيها، وجلّ جدوى الخدمة لحساب المتربّع على عرش السلطة المستبدّة، ولحساب المحظيين من بطانته والحاشية، ثمنًا لخضوعهم وتبعيتهم وولائهم وسكوتهم عن الحق استتارًا وخفية، بعيدًا عن العيون والأضواء، واستعلاء على المساءلة، فضلاً عن المحاسبة أو المعاقبة، وتجاوزًا لكل الضوابط والمعايير والقوانين، الأمر الذي يفضي إلى استقطاب كل ما يخدم ويغذّي ويعزّز هوى “الحاكم المتغلّب” دون أن يبلغ حد الإشباع، فيشيع قهر الناس بالاستبداد والجور والقمع، وتضيع الحقوق، وتنتهك الحريات في اتّساع دائرة الاستغلال السّيئ والاستتباع والاستلاب، ويفشو الفساد والإفساد والرّعب، ويشيع التخلّف والجمود، وتعزّ لقمة العيش لتشغل الناس عن حقّهم في المشاركة في السلطة وفي تداولها دون تزييف أو تزوير.

إذًا، فالسلطة الحاكمة التي يقتضيها الاجتماع البشري تأتي نتيجة لاصطراع الأنانيات والأهواء والمصالح والحاجات المتباينة والمتضاربة بين الناس، ودفعًا لما يهدّدهم في حياتهم، ويقوّض تماسكهم واستمرارهم والتقدّم؛ ولكنها، وبكل أسف، قد تنتقل بالناس من جحيم الفوضى إلى شرور الاستبداد… ترى كيف نراها بين السياسة والإسلام؟ أو كيف نراها في “الثلاثي”؟

  • السلطة والسّياسة والإسلام والعقل في السّياق التّاريخيّ:

لقد بدأ الإسلام بالظهور مع نبوّة المصطفى في مكّة في شبه الجزيرة العربية سنة 610 م حيث دعا إليه الناس ثلاث عشرة سنة دون أن يتمكّن من أن يكون له من السلطة ما يكفيه ليقود من  استجاب له، سياسيًّا واقتصاديًا واجتماعيًا؛ لأنه كان على أرض معادية له وللدين الجديد، تسيطر عليها قريش التي لم تدّخر شيئًا مما يسيء أو يؤذي أو يضرّ من الدسائس والمكائد والمؤامرات إلاّ قامت به بقصد التخلّص من الدعوة وصاحبها المكلف بها من رب العالمين، والمجاهد في سبيل تبليغها، والماضي في تنفيذ أمر ربّه لم يغرِه الإغراء، ولم يرهبه الإرهاب من قِبل قريش…

وكانت الهجرة إلى المدينة… وكان الإنطلاق… وكان من استجاب للإسلام النواة التي أخذت تنمو بها وفيها “أمّة ناشئة” عليه… وكان الرسول ليقود الدين الجديد مستمرًا في الدعوة إليه، ويسوس الأمة المؤمنة به في أمورها وشؤونها… فكيف كانت السلطة الحاكمة في عهده وفي ما تلاه من عهود؟ بل كيف بدت لنا العلاقة في إطار الثلاثي (السياسة والدين والعقل) لجهة السلطة الحاكمة؟

2-1- في عهد الرسول المدني: تكامليّة وولاء تامّ: كان أهل الإيمان بالإسلام يستجيبون لأوامر النبيّ ونواهيه بالسّمع والطاعة، كما هو الأمر لله في القرآن. وكان ولاؤهم له وللإسلام تامًّا لا تشوبه شائبة من تململ أو امتعاض، ولا تنقصه نقيصة من شك أو ارتياب، ولا تعيبه عائبة من تمرّد أو عصيان. فالرسول كان هو القدوة  الحسنة في ما يقول وفي ما يعمل ويفعل. وهم كانوا متنافسين في رضائه واقتداء سنّته.

ولعلّ هذا كان مما يرتاح إليه الرسول كثيرًا في قيادته الرشيدة في تبليغ الدعوة مبشّرًا من يستجيب لها بخير الدنيا ونعيم الآخرة، ومنذرًا من لا يعمل بأوامرها ونواهيها بجحيم الآخرة، وبشقاء الحياة الدنيا لتلبيسه نعمها وزينتها بالشّرّ والسوء والحرام، ومذكّرًا الناس بأن الله لم يكن قد خلق الحياة عبثًا، بل  ابتلاء لهم؛ فمن آمن وعمل صالحًا، واستقام وصبر وجاهد واستعان بالله على الشدائد وفي  المحن، فقد أبلى بلاءً حسنًا وفاز فوزًا عظيمًا،وأنزله الله في الجنة منزلة عالية لاقت به، واستحقها ثوابًا له من لدنّ خالق عادل لا يُظلم عنده أحد… إن مثل هذا  الولاء التامّ للرسول قد خُصّ به دون سائر أهل الإيمان؛ فلم يكن في تمامه لغيره مهما علا شأن هذا الغير وصدق في إيمانه، وأخلص لله عمله.

أمّا السلطة الحاكمة التي مارسها الرسول في علاقتها بالسياسة والدين والعقل، فَسَادَها التكامل في هذا الثلاثي حيث ساند وآزر بعضه بعضًا في قيادته الرشيدة للأمّة الناشئة على الإسلام أساسًا رابطًا جامعًا لها دون الأسس الأخرى من قبيل العشائرية والقبلية أو اللون أو العرق، وفي آن معًا، للدعوة إلى الإسلام المتميّز من غيره بالتوحيد، فضلًا عمّا فيه من علم بعالم الغيب من بعث وقيامة وحساب وجزاء يفضي بصاحبه إلى الجنّة ثوابًا على عمله الصالح أو إلى النار عقابًا على عمله  الطالح.

لقد كان الدّين بمثابة الحق والحقيقة الساطعين اللذين لم يبلغا ساحة الفعل والواقع ليتحقّقا عليهما، ويحققا بالتالي الأهداف والغايات التي أنزله الله من أجلها. لقد ظلّ متعثرًا طيلة ثلاث عشرة سنة لافتقاره إلى سلطة تحميه، وقوة تمنعه وتطلقه؛ ولكن الرسول كان يعي ذلك تمامًا؛ فقد جهد وجاهد وصبر وتحمّل وعانى وكابد وثابر وثبت من أجله حتى ظفر به سلطة وقوّة ومنعة، فعزّز به نفوذه ومكانته وجانبه. فيم وكيف كان ذلك؟

2-1-أ- الدّين يخدم السياسة: لقد وضع الرسول ما يكفي من الدين في خدمة السياسة التي انتهجها في قيادة جماعة أهل الإيمان بالإسلام. ففي بيعة العقبة الثانية، اشترى من الأنصار نصرتهم وحمايتهم ومنعتهم له ولأصحابه مقابل الجنّة في إطار استجابتهم للإسلام. ثم تمّت الهجرة إلى المدينة. وكان بعد الهجرة غير ما كان قبلها على الرغم من أن هذا كان إرهاصًا لذاك. وتوافر للنبيّ من السلطة ما به انطلق في قيادة “الأمّة الناشئة” وتبليغ الرسالة. وأصبح قتال المشركين والكفار جهادًا في سبيل الله.

وشدّ الجهاد من أزر المسلمين وزاد في قوّتهم ونفوذهم وسلطانهم. فلم يكن عند المؤمن الصادق شيء أربح له من تجارة باع فيها نفسه وماله مجاهدًا في سبيل الله مقابل الجنّة التي يراها منتهى ما يسعى لتحقيقه في الآخرة لكونها في نظره الأعظم ربحًا، بل الأعظم أجرًا… يقول الله في الكتاب المبين:﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ…﴾ (التوبة : 111). ويؤكّد القرآن(1) أن الجهاد في سبيل الله ينجّي من العذاب الأليم، وأن المؤمن المهاجر والمجاهد في سبيل الله ونفسه هو أعظم درجة عند الله، وهو الفائز، وأن يكون “للمؤلّفة قلوبهم” وهم من أشراف العرب، حصّة من الصدقات أو الزكاة تتألّف بها قلوبهم على الإسلام ويترسّخ الإيمان بها في نفوسهم، الأمر الذي يجعل أتباعهم ومواليهم يدخلون في الدين الجديد فيزيدون من قوة المسلمين وشوكتهم وسلطتهم. أضف إلى ذلك أن النبيّ المصطفى قد قرّر في الإطار نفسه، وخصّ “الأشراف” من خمس غنائم حنين المخصّص بالنص القرآني أساسًا لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.

هذا وكان الرسول قد عفا عن قريش في فتح مكة، تدليلاً على سماحة الإسلام وعظم الخلق والمروءة عند النبي المختار، واستشرافًا لما سيكون لهذا العفو من صدى حسن في نفوس الناس، ما جعل قوّتهم ونفوذهم إضافة فارقة إلى قوة المسلمين ونفوذهم، بدلاً من الأحقاد والضغائن وخسارة هذه الإضافة فيما لو لجأ الرسول إلى الثأر والانتقام والسّبي والغنائم… وهكذا نرى أن الإسلام، قرآنًا وسنّة، قد وضع منه في خدمة السياسة ما جعلها ذات سلطة حاكمة وقادرة على الفعل حماية وصونًا ومنعة وإعزازًا للأمة، الأمر الذي عزّز مكانتها وجانبها ومهابتها بين الأمم. وبذلك يكون الدين قد آزر وساند السياسة وعزّز من دورها ووظيفتها بفضل القيادة الرشيدة للرسول.

2-1-ب- السياسة تخدم الدين: أما ما وضع من السياسة في خدمة الدين فلم يقلّ أهميّة عمّا كان من الدين في خدمتها. لقد ساندت السياسة الدين وآزرته وعزّزت من انتشاره. وما زرعه الدين في تربة السياسة الرشيدة للرسول، قد حصده وقطف ثماره الطيّبة، واشتدّ أزره به وقويَ سلطانه، وانتشر بذره في النفوس الفقيرة المهتدية إليه، وأينع فيها وطاب ثمره إيمانًا وهدى ورحمة. فمبايعة الأنصار للرسول وفّرت له أسباب القوة التي أزال بها العثرات والعوائق من درب الإسلام، وأفشت جوًّا من الحرية لاختياره والدخول فيه، فانتشر وشاع في إرجاء شبه الجزيرة العربية وفي جنباتها وثناياها مرهصا إرهاصًا كافيًا للانتشار في أرجاء المعمورة.

أما ثمرة الجهاد في سبيل الله التي عزّزت السياسية، فقد ظلّت، في الوقت نفسه، تغذّي الدين وتبلوره في إطار من العدل والاعتدال وعدم العدوان، وفي إطار من الحريّة والاختيار وعدم الإكراه. أضف إلى ذلك أن “تأليف القلوب” على الإسلام، وإن لم يصحّ عند بعضهم صدقًا وإخلاصًا وعملاً به، فقد صحّ عند البعض الآخر، وأكثر ما صحّ فيه عند أتباع هذا البعض وذاك، الأمر الذي زاد في انتشار الإسلام وفشوّه في نفوس الناس الذين رأوا فيه مصلحتهم وصلاح أمرهم. والشيء نفسه يمكن أن يقال في العفو عن قريش؛ فإن استغلّه منافقون لم يصحّ إسلامهم، فإنه أدّى إلى الإسلام الصحيح عند الكثرة الكاثرة من قريش ليقوى بها الإسلام، وإلى فتح كل الأبواب أمام الراغبين فيه، وقد أفل جبروت قريش عن ساحة الفعل والسلطة المعاديين للإسلام وأهله… وهكذا نرى صحة التساند والتآزر والتكامل بين الدين والسياسة. وهل من شيء أدلّ على ذلك من الوفود المتقاطرة من كل حدب وصوب من شبه الجزيرة العربية التي جاءت تعلن إسلامها وولاءها وطاعتها للرسول في العام التاسع للهجرة الذي سمّي بـ “عام الوفود” لكثرتها؟!

2-1- جـ- العقل يخدم السياسة والدين: أما العقل فلم يغب عن السياسة ولا عن الدّين في تساندهما وتآزرهما وتكاملهما في القيادة الرشيدة للرسول، بل كان فاعلًا في كل هذا بحيث لم يأخذ تخادمهما طريقه إلى غايته في كل منهما إلاّ بفضله ونعمته وحسن تدبّره من قِبل النبيّ المصطفى. لقد كان إحسان إعماله واضحًا جليًّا في السياسة التي انتهجها وفي تبليغ الرسالة التي دعا إليها، وفي المبادرة المحسوبة كما أشرنا إلى ذلك في غير مكان.

لقد كان الرسول يلمّ بمعطيات الواقع كلّه بسلبيّتها وإيجابيّتها، وكان يذهب بعقله إلى التصرّف السليم وفقًا لمقتضى الحال والواقع، وإلى الإجراء الحكيم الذي يفضي إلى حلّ مشكلة أو سدّ حاجة أو علاج خصومة. أو التصدّي لهذا الشّرّ أو ذاك الخطر، وإلى خطوة ثابتة وأساس متين يتمكّن من البناء عليهما في ما هو آتٍ من المستقبل… لقد تجلّى إعمال العقل في كل ما دبّر من أمور الناس، وكل ما صرّف من شؤونهم سواء أكان ذلك في ما كان بين يديه من تشريع أم في غيابه. ففي الوضع المعقد الحرج الذي وجد نفسه فيه عند وصوله إلى المدينة، بادر إلى معالجته، فبنى مسجد قباء، وصالح الأوس والخزرج، وآخى بين الأنصار والمهاجرين ليخفّف عن الأخيرين مما هم فيه من ضيق، ونظّم سائر العلاقات بين سائر الأطراف في المدينة عبر ما عُرف بـ “صحيفة المدينة”… إنّها إجراءات كانت في إطار التصدّي للواقع المعقّد، لتجعل الحياة فيه أيسر أو اقل عسرًا في حينه؛ ولكنها كانت في الوقت نفسه قواعد تمكن بها الرسول من حكم المدينة، وإطلاق يده في الإعداد والتهيؤ لكسر شوكة قريش التي كانت العقبة الكأداء أو حجر العثرة الأكبر أمام انتشار الدين الجديد وصعود الأمّة الناشئة.

أضف إلى ذلك أنه كان لإعمال الرسول العقل في تخصيص المهاجرين من غنائم بني النضير التي اعتبرت فيئًا، تخفيفًا من معاناتهم وضيقهم، علامة فارقة في مدى اهتمامه بالناس الذين تولّى شؤونهم، فضلاً عن علامة أفرق في اهتمامه والتزامه قضايا هؤلاء في تخصيصهم بغنائم حنين وحرمان الأنصار من حقهم فيها هذه المرّة؛ لعلّ الإجراء الأخير كان بادرة فذّة وشجاعة ومحسوبة؛ فقد كان الرسول يتوقّع امتعاض الأنصار؛ لكنه كان يعرف أيضًا أنه قادر على إرضائهم؛ وبالفعل، قد امتعضوا وقد أرضاهم.

وهكذا ساس الرسول الأمّة الناشئة في ممارسة السلطة، واستمر في تبليغ الرسالة والدعوة إليها تحت مظلة العقل المدبّر حيث تكامل “الثلاثي” في فعله، وتساند وتآزر في المسيرة التي قادها بنجاح مطرد منذ البداية حين وصوله إلى المدينة وإلى أن التحق فيها بالرفيق الأعلى. هذا ما كان عليه إذًا أمر “الثلاثي” في عهد النبوّة المدنيّ. فكيف صار في العهد الراشديَ؟

2-2- في العهد الراشديّ: بدء الاختلاف والصراع حول السّلطة:لم ينتقل الحكم من العهد النبوّي المدني إلى العهد الراشديّ بسلاسة وإن كان قد تمّ في وقت قصير جدًّا وبسرعة لافتة نسبيًّا في سياق متغيّرات وظروف وأحوال لم تكن ذات شأن في عهد الرسول؛ لأنه لم يكن هناك آليات تحكم تداول السلطة في الإسلام. ما إن توفي الرسول حتى بدأ الاختلاف والصراع حول السلطة بعد أن كان التفاف الجميع حوله تامًّا في عهده. لقد كان النزاع بين أقرب وأخلص وأوفى فئتين من المسلمين للإسلام: الأنصار والمهاجرين… لذلك فقد فقدت السلطة القادمة سلفًا ذاك الالتفاف التام، واحترام الولاء والطاعة لها؛ لقد أحدثت وفاة الرسول صدمة وارتباكًا في أوساط وصحابة الرسول، وفي مقدّمهم عمر بن الخطّاب، الذي لم يصدق واقع الأمر في البداية، على الرغم من أن  الله كان قد أكمل لهم الدّين ورضي لهم الإسلام دينًا.

ومع  الوفاة نفسها، يكون قد غاب الممثّل الحقيقي والحصري للإسلام والمتحدث باسمه بالأصالة والتكليف من ربّ العالمين، والوحي قد انقطع في الوقت نفسه؛ فالإسلام قبل الوفاة غيره بعدها، والخلفاء والصحابة والمسلمون مع الرسول غيرهم مع بعضهم البعض في غياب القدوة المرجعية لهم. أضف إلى ذلك أنه لم يكن بتصرّف الناس شيء مما يعوّل عليه من صيغة وآليات “للحكم بما أنزل الله” سوى  تجربة النبيّ المصطفى القصيرة التي دبّر فيها أمور الناس، وصرّف شؤونهم، وساسهم وقادهم مدعومًا من الوحي، وبولاء تامّ ممن آمن به وبما دعا إليه، وبحسن إعماله العقل اجتهادًا ومبادرة محسوبة. ولكن هذه التجربة لم تبلغ مستوى كافيًا من النموذجية السياسية والاقتصادية، إذ لم تنطلق بشيء من التمكّن إلاّ بفتح مكة وبعده؛ ذلك أن الرسول لم يكن بين يديه نظام سياسي أو نظام اقتصادي له معالمه وصيغه وآلياته على نحو ما هو معروف اليوم في علمي السياسة والاقتصاد، إلاّ أنه أحسن التدبّر والتصرّف في ما كان من الظروف والأحوال التي لم تبقَ هي هي في عهد الخلفاء الراشدين الذين لم يكونوا، على أية حال، رسلاً أو أنبياء. ولعلّه من المعروف علميًّا أن الخلفاء، مثل كل الصحابة، بل مثل كل الناس، متفردّون في الشخصية بهذا القدر أو ذاك، ما جعلهم يستجيبون للوضع الناشئ ولجملة الظروف القائمة والمتغيّرة، والأحوال المستجدّة، على نحو مختلف على الرغم مما كان يجمعهم من الإيمان والعلم في الحكم والدعوة إلى الإسلام…

لهذا فإننا رأينا أن نتناول السلطة الحاكمة في علاقتها بالثلاثي (السياسة والدين والعقل) وفي الاختلاف والصراع الناشئين حولها، مفرّقين بين عهدي أبي بكر وعمر من الجهة الأولى، وعهدي عثمان وعلي من الجهة الثانية، حتى لا نطمس حقائق وأمثولات فيما لو حكمنا على “الحكم الراشدي” حكمًا إجماليًّا واحدًا وكأنه متجانس في عهود الخلفاء الأربعة، وبشيء من القداسة، علمًا أنه ليس هناك قداسة أو قديسون؛ بيد أن الخلفاء المعنيين، للعلم والإنصاف، لم ينسبوا القداسة إلى أنفسهم في شيء… فكيف بدت لنا علاقة السلطة الحاكمة بالسياسة والدّين والعقل في عهدي أبي بكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب؟ ثم ما كانت عليه في عهدي عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب؟

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى