مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”30″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
3-3- الابتلاء مدرسة الحياة لعموم البشر:
ما أهم معالم هذه المدرسة؟
3-3-أ- مجتمعها: يضمّ جميع الناس؛ لا ترفض أحدًا مهما كثرت وعظمت أسباب الرفض المتعارف عليها في المدارس؛ يجلس الناس على مقاعدها يتعلّمون ويعلّمون تبعًا لظروفهم، ووفقًا لحاجاتهم ورغباتهم وتطلّعاتهم وإمكاناتهم وغاياتهم في الإيجاب والسّلب.
3-3-ب- مادّة التدريس فيها: إنها الحياة بكل ما تسلتزمه لكي تستمر مواكبة لتطلعات الناس، وبكل ما تقتضيه حياة هؤلاء، أفرادًا وجماعات من حيث الإيجاب والخير والصلاح، فضلاً عمّا فيها من السلب والشرّ والفساد؛ إنها مادّة تشمل كل الاختصاصات المتواجدة والمعروفة حتى الآن، بالإضافة إلى ما يبتكر في هذا الميدان استجابة لحاجات طارئة أو مستجدّة لدى الناس.
3-3-جـ- نظامها: انّه عنوان لجميع الأنظمة المعروفة والقائمة في العالم، بالإضافة إلى ما قد يطوّره الإنسان منها أو يبتكره لأسباب يراها وجيهة لذلك.
3-3-د- منهجيّتها: هي الأخرى عنوان لكل منهجية وقف عليها الإنسان حتى تاريخه، ولكل منهجية يقع عليها إبداعه لخواصّ تفتقر إليها المنهجيات المتداولة بين الناس من وجهة نظر المبدع.
3-3-ه- إنتاجيّتها: لعلّها في إنتاجيّتها، كما في ما ذكرناه أيضًا من مميزات، لا تشبه أي مدرسة مع أنها تشمل جميع المدارس دون استثناء. فخرّيجوها وخرّيجاتها وهم في كل ميادين الحياة ومناحيها الإيجابية والسّلبية، ما إن يغادرون مقاعدها حتى يجدوا أنفسهم عليها ثانية وثالثة… وتكرارًا حتى يقبض الموت الحياة فيهم.
حقًّا إن الابتلاء مدرسة لعموم الناس، فريدة من نوعها ووحيدة فيه.
3-4-الابتلاء معلّم جيّد في خيره وشرّه لمن استقامت سويّته: 3-4-أ-أيّ تعلّم؟ في الابتلاء، يلتقي التعليم الجيّد بالتعلّم الجيد الذي يتم، وفقًا لأحد تعاريفه الجيّدة، بإحداث تعديل إيجابي في السلوك سرعان ما ينعكس بنتائجه على الشخصية، ما يجعلها تصير أقدر على تنظيم السلوك، وأمهر في قيادته، وأوسع في استجابتها وأدائها، في بلائها في المواقف الاختبارية. هذا التعلّم الجيّد يتمّ للشخص المتعلّم بحيث يرقّي به سلوكيّته، ويغني به أيضًا شخصيّته، ما يجعله أخبر وأحذق، وأحسن تدبيرًا، ويدعّمه ويعزّزه من حيث الكفاءة والكفاية. أما إذا سارت الأمور على نحو يلتقي فيه التعليم السّيّئ بالتعلّم السّيّئ، فإننا نكون أمام صورة معكوسة لما سبق، ومشفوعة بخيبات الأمل، وظلال الإحباط.
3-4-ب- التعلّم يتوقّف على بلاء المتعلّم: إن التعلم، جيدًا كان أو سيئًا، يتوقّف في أهميته وقيمته، على بلاء المتعلّم في ما يختبر فيه في الظروف السّويّة حيث يمكننا تعميم المقولة التالية: “كلما حسن أو ساء بلاء المتعلم في ما يمتحن فيه، كان لشخصيته نصيب من ذلك كلّه، يجعلها أحسن بلاء في التدبير والاستجابة والأداء، أو أسوأ بلاء في ذلك كلّه. إنه تعلّم سيّئ في هذا، وجيّد في ذاك:
3-4-ب-(1)- في البلاء الحسن: إن البلاء الحسن ليس واحدًا في الدرجة والمستوى، وقد شاهدنا كيف وصفه الله “بالمبيّن” و”العظيم”. وحتى يحق لنا وصف ما أبلاه المبتلى في ما يختبر أو يمتحن فيه، بالإيجاب، يجب أن يكون قد أفضى به إلى النجاح. والنجاح ليس واحدًا أيضًا؛ فهو يختلف وفقًا لمعايير ومقاييس معيّنة ومحدّدة من قبيل سدّ الحاجات، وتحقيق الأهداف والغايات لجميع الأطراف المعنيين بالابتلاء. فالنجاح بـ 50% من تحقيق الأهداف ليس كالنجاح بـ 65% أو 80% أو95% أو100%. لعلّه من الوضوح بمكان أن درجة ومستوى المبتلى في الاختبار تابعان كليًّا لأدائه واستجابته وصنعه، أو لبلائه فيه ليس إلاّ. والنجاح في الابتلاءات يستثير دافعيّة المبتلى من أجل نجاح أفضل، ما يمكّن من الحديث عن النهوض والتقدّم. وكلما بلغ الإفلاح في الاختبارات الدرجات العليا، أو المستويات الأعلى، وفّر فرصة أو أكثر لتمهيد وتهيئة الطريق إلى الإبداع بشرط ألاّ يجد الغرور أو الاستعلاء أو التربّع على قمة المعرفة، سبيلًا إلى نفس المبتلى المفلح، أولًا؛ وألّا يجعل آلية العادة تغزو استجاباته وأداءاته وأفعاله، أو بلاءاته بحيث يبقى مؤهّلاً لسدّ الثغرات، وتجاوز العثرات، وإبعاد الأخطاء، ما يجعله في حال تحسّن دائم، وازدياد في كفاءته وكفايته، ثانيًا؛ وألّا يتوهّم أو يعتقد أنّ ما بلغه من نجاح هو كل ما سمح له به القضاء والقدر، ثالثًا.
ولعلّ أرقى وأسمى وأعظم البلاء الذي يبليه الإنسان في ما يختبر فيه هو الإبداع في سبيل خيره وحرّيته وكرامته. فالإبداع البشري هو إيجاد أو إحداث ما به يجيب المبدع عن سؤال إشكاليّ، أو يأتي بحلّ لمشكلة مستعصية، أو يستجيب لحاجة مستجدّة، أو يدفع شرًّا عابثًا بالحياة (كابتكار علاجات ناجعة للأمراض الأكثر تسبّبًا بالموت)، أو يطوّر في أدوات وتقنيات الناس بحيث يصبحون أقدر على مواجهة مشكلاتهم، وتأمين حاجاتهم، وتحقيق رغباتهم وطموحاتهم، ما ييسّر عليهم الكثير من تفكيك عقد التعسير والتعثير، كما حصل ويحصل في ميدان التواصل والاتصالات والمواصلات مثلًا. وهل من تعلّم جيّد أجدى من مثل هذا الإبداع؟! إنه يزيد من تمكين الإنسان من ظروف حياته، فيوّسّع بذلك من هامش حرّيّته، ما يحصّن ويعزّز من مدى سيادته. أضف إلى ذلك، أنّ البلاء المفضي إلى الصنع الجميل، الإبداع، يبدو ويتجلّى فيه وبه على شاكلة مصنع للحياة المتطوّرة، يتزايد معه وبه إمساك الإنسان بها، ويتّسع تحكّمه بعجلة سيرها. إن الإبداع مصنع بناه ويبنيه، ويجدّد ويوسّع في بنائه، عباقرة قد تخرّجوا ويتخرّجون من مدرسة الابتلاء بالحياة نفسها وكلّها حيث كان ويكون بلاؤهم الرائع في خلفيّة كل تنعّم بزينة الأرض، وكل تدبير حسن وجيّد وممتاز لها، وكل رخاء من أجل خير الإنسان وسعادته.
بيد انه لا بدّ لنا من أن نفرّق بين الإبداع البشري الجاري الكلام عليه الذي يرى النور من معطيات قائمة في الوجود اكتشف ويكتشف فيها المبدع علاقات أو وظائف جديدة، عبّر ويعبّر عنهما بصيغ أو أشكال جديدة على نحو غير مألوف، والذي هو قابل للتحليل والتعليل والتحقيق العلمي، وواقع في دائرة معقوليات البشر، وبين الإبداع الإلهي (الخلق بالمعنى الحقيقي) الذي هو إيجاد أو إحداث الشيء أو الأشياء، كل الأشياء، من العدم استجابة لمشيئة الله وأمره وحكمته، وهو، خلافًا للإبداع البشري، غير قابل للتحقق علميًّا، وغير واقع في نطاق معقوليات الإنسان؛ إنما هو مما يسلّم به أهل الإيمان نظرًا لإيمانهم بالله الخالق المطلق لما يشاء، والقادر على كل شيء والمحيط علمًا بكل شيء، لأنّ العقل البشري قاصر عن عقل أو فهم أن يكون العدم مادّة للخلق نظرًا إلى محدوديّة إمكاناته ونسبيّتها.
3-4-ب-(2)- في البلاء السّيّئ: إن البلاء السيّئ يفضي بالمبتلى إلى الإخفاق في تحقيق الأهداف مما يختبر فيه، بما لا يرضي ولا يكفي؛ إنه، هو الآخر، درجات ومستويات تمتد من صفر بالمائة إلى أقل من خمسين بالمائة (باعتبار الخمسين بالمائة نجاحًا في الحد الأدنى). وقد يكون سوء البلاء عند المبتلى ناجمًا من عيب في ما يقوم به من عمل أو فعل أو صنع، أو من قصور في الخبرة والمهارة اللتين يستعملهما؛ وربما يكون نتيجة لسوء استعمالهما، الأمر الذي يعني أن مستوى أهليّته لا يمكّنه من تحقيق الحد الأدنى من النجاح، أو أن إهماله أو عدم اهتمامه بها يجعله يخفق في الامتحان. أما مردود البلاء السّيّئ، فلا يكون أقل سوءًا على جميع المعنيين بالمبتلى به لجهة سدّ الحاجات وتحقيق الغايات، بالإضافة إلى ضياع الجهود المبذولة، والأوقات المهدورة، التي ذهبت أدراج الرياح…
كيف يتصرّف الناس الذين يشربون كأس الإخفاق في بلائهم في ما يختبرون فيه حيال ما يترتّب على إخفاقهم من نتائج وتبعات؟ – إن الإجابة التي نؤثرها عن هذا السؤال، تأخذ منحى الإجمال وإن بدت محتاجة إلى الدقة والتخصيص، لأنه إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما يتمتع به كل فرد من الناس من فرادة في شخصيته، فإن الإجابات تتعدّد تعدّد أفراد الناس المعنيين. لذا آثرنا أن تجمل الإجابة ذوي البلاء السّيّئ في اتجاهين كبيرين ومختلفين دون أن يعني ذلك أن المشمولين في كل من هذين الاتجاهين متطابقون في كيفية الاستجابة للسقوط الذي يفضي إليه البلاء السّيّئ:
أولهما، الاتّجاه القُعُوْديّ: إن الناس في هذا الاتجاه يؤثرون القعود عن الفعل والجهاد والاجتهاد، ويعتبرون أنفسهم أنّهم قضّوا قسطهم إلى العلى، وبلغوا ما يقدرون عليه، بل ما أقدرهم الله عليه، متذّرعين بقضائه به أن يغفر لهم تقصيرهم، ويغيّر لهم أحوالهم إلى أحسنها، لاهجين بأن “ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون”، وأنّ “القناعة كنز لا يفنى”، ناسين أن القناعة المقبولة تكون للشخص الذي يستنفد كل ما أوتي من عزم ووسع وحيلة ومعرفة، وتأخذ صفة المؤقت في الموقف الاختباري المعني المرهون بظروفه، مهملين، وهذا هو الأخطر، العمل بالآية الكريمة ﴿– إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ –﴾ (الرعد:11)، حارمين أنفسهم من نعمة التعلّم مما يقعون فيه من خطأ وينتهون به إلى الفشل حيث لا يعملون على تلافي هذا الفشل وذاك الخطأ في ما يؤدونه لاحقًا، ولا يعيدون النظر في الثغرات والعثرات والعيوب، فتتثبّت لديهم مشاعر العجز والانهزام، ولا يعنيهم القول الشائع الصحيح “العلم من المهد إلى اللحد”، ويستمرون في تكرار سوء البلاء، وفساد الأداء، جاعلين من أنفسهم، بوعي منهم أو بغيره، سببًا كافيًا لتشكيل بيئة يعانون فيها مما يحتضنه من الجهل والأميّة والحرمان والقهر والتأخّر والتذّرع بظلم الآخر، الأمر الذي يعسّر ويعثّر الأمور، ويثبّط العزائم، ويبطّئ ويؤخّر مواكبة النهوض والتقدّم تحت شعار “القدر والمشيئة والحكم” من ربّ العالمين؛ علمًا بأن الحقيقة ليست إلاّ بضاعة فاسدة أنتجها فهم بشريّ، ضيق الأفق، ومحدود الرؤية، وقصير النظر، ومع ذلك منسوب إلى السماء ظلمًا وتجاوزًا واعتداء عليها وهي براء من كل ذلك ليس إلاّ.
ثانيهما، الاتّجاه النُهُوضِيّ: ان جمهور هذا الاتّجاه الإيجابي من الناس، يرى، خلافًا لما يراه ذوو الاتجاه القعودي، أن العيب ليس في البلاء السّيّئ المنتهي بالسقوط أو الفشل، بل هو في أن نوطّن أنفسنا على البلاء السّيّئ كأن نكرره دائمًا، وفي أن نستسلم للسقوط نقرأ فيه عجزنا وانهزامنا، عملًا بالحكمة المأثورة “ليس العيب أن نسقط، بل العيب أن نبقى حيث سقطنا”. ففي هذا الاتجاه، ما إن يخفق الشخص حتى يستنهض قواه محلّلًا معلّلًا مقوّمًا ما أدّى به إلى الإخفاق، فيعزم على تلافيه لاحقًا، بعد أن يستكمل ما يمكنه استكماله من عدّة إبلائه ويستفيد من مواطن القوة لديه، ويقوّيها على حساب مواطن الضعف التي يسعى لتجنّبها والتخلّص منها، ما يفضي به إلى تحسين في البلاء قد يدخله إلى عتبة النجاح؛ وإن لم يحصل له هذا، فإنه يجد نفسه، على الأقل، وقد قلّل من سوء الأداء والخطأ فيه، وزاد من حسنه والصواب فيه، قد اقترب من النجاح مستفيدًا مما يتعلّمه من تقويمه لتجربة فشله، الأمر الذي يؤدي به إلى تزايد الثقة بنفسه لجهة حسن تدبيرها استعمال ما لديه من وسع وخبرة وأهلية حيث يرى نفسه يسير على السكّة الصحيحة في حياته، ساعيًا إلى جعلها تسير في الاتّجاه الذي يتلاءم مع إمكاناته وتطلّعاته، شاعرًا ببهجة النهوض حتى بدرجاته الدنيا، وبجدارته بحياته التي يتزايد تمكّنه منه، وتتزايد حرّيته فيها، وتكبر مسؤوليّته عنها. وفي هذا الإطار وفيه حصرًا، يستحق أن يكون رهين ما يكسبه أمام القضاء العادل، ثوابًا وعقابًا، في الدنيا والآخرة.
3-4-ب-(3)- البلاء دافع أصيل إلى التعلّم: إن بلاء الإنسان في ما يختبر فيه، مختارًا قابلاً، أو في ما يختاره من مهام أو مواقف في نطاق أهليّته وسويّته الراشدة، يلتزم ويقوم بها، باذلاً فيها وسعه، وسواء أتجيء النتائج حسنة أم سيّئة، أم حسنة بقدر وسيئة بقدر آخر، فإن هذا البلاء يكون بشكل أو بآخر، دافعًا أصيلاً لدى المبتلى يدفعه دائمًا إلى استفزاز إمكاناته وتحريكها واستثارتها، وإلى تحدّي نفسه أمام نفسه بحيث يقبل التحدّي بشجاعة أدبية عالية، فيعمل على سدّ الثغرات وتجاوز العثرات وتصحيح الأخطاء، وإبعاد العيوب، ثم يقدم من جديد محسّنًا في بلائه أداء واستجابة وإتقانًا؛ ولعلّنا لا نبالغ إذا ما قلنا إنه يبلغ دائمًا ذلك التحسين كلّه أو بعضه شرط ألاّ يأخذه ما نجح فيه إلى الغرور والاستعلاء، وألّا يسحقه ما فشل فيه فيقعده عن الفعل، وألّا يبرّر لنفسه ما أفلح أو أخفق فيه بالقضاء والقدر اللذين يبعدانه عن الفاعليّة والعليّة فيه. في هذا السياق، يشعر الإنسان المبتلى بدوام حال الاختبار الذي يحضّه على البلاء الحسن الذي ينتهي به في الحالات السويّة إلى ثبات كفاءته وكفايته في الحدود الدنيا، وإلى تزايدهما في العموم، ما يجعل التعلّم ملازمًا للبلاء الذي من دونه لا تعلّم.
وفي خلفيّة هذا التعلّم وهذا البلاء، يقبع دائمًا الابتلاء معلّمًا في السياق المشار إليه نفسه، ومعلّمًا لا يهمل متعلّمًا، معلمًا يتيح الفرص كلّها للتعلّم الفاعل الذاتي الراقي حيث الإنسان المبتلى المتعلّم يختار ويقبل ما يختبر نفسه فيه، ويراقب نفسه بنفسه، ويستعمل عدة الاختبار بحريّته وأسلوبه الشخصي، ويصحّح لنفسه.. ويتقدّم في زحمة الحياة، واثقًا سيدًا في ما له، وما عليه. ولكن، أي علم يقدّمه أو يتبناه هذا المعلم الجيّد الذي هو الابتلاء؟ وهل من عدّته إعمال العقل؟
3-5-الابتلاء دعوة إلى العلم وإعمال العقل: بالإضافة إلى وصفنا الابتلاء بـ “مدرسة الحياة لعموم البشر” وبـ “المعلّم الجيد لمن استقامت سويّته”، فإننا نراه في إطار هذا العنوان بوصف آخر، ولكن، في الحقل الدلالي الواحد، ألا وهو “موقف اختباري فريد”، ما يستدعي بلاء يليق به، ويتفاعل معه لتنبثق منهما ثقافة الإنسان كلّها حيث يدعو الابتلاء إلى العلم وإعمال العقل، دون استثناء أي من مظاهرها، اللهم إلاّ ما يفسد الحياة وما ينال من جدارة الإنسان، وما به يتوحّش، الأمر الذي يحط من قدر خلافته وسيادته في عالم الشهادة. فإلى بعض التفصيل في مضمون هذه الأسطر:
3-5-أ- الابتلاء موقف اختباري فريد من نوعه: بِمَ يتميّز هذا الموقف؟
3-5-أ-(1)- يمتدّ على مساحة الخلافة: إن ابتلاء الإنسان بما كلّفه به الله من خلافة في الأرض يتجلّى في موقف كبير كبر الحياة، تتعدّد فيه الأبعاد والعوامل والعناصر والأطراف المتفاعلة، ويشتمل على مملكته بما ومن فيها وعليها، وبما لها من علاقة به في عالم الشهادة.
3-5-أ-(2)- يختزل فيه العملية التربوية الكبرى: إنه موقف تربوي تجريبي دائم الحال، يتميّز من كل المواقف الاختبارية المتعارف عليها في المجتمعات البشرية، لأنه يختزل فيه عمليّة التربية وتجربتها الكبيرين، ويشغل فيهما كل نشاطات البشر في التعليم والتعلّم بكل الأنظمة والكيفيات ذات العلاقة، وبكل ما يرتبط بهما من مناهج وطرائق وأساليب ومنهجيّات، وما يستلزمانه من معايير ومقاييس وتقنيات، وما يترتب عليهما من معارف وعلوم وخبرات واكتشافات وإبداعات للناس، أفرادًا وجماعات.
3-5-أ-(3) – يتيح للإنسان الإمساك بما يملك من مصيره: إنه موقف يتسع لكل من هؤلاء الناس، بما له من سيادة وحريّة، وما عليه من مسؤولية، ليجد في بعض جنباته ما به يعرف ويرسم ويقيم السكة التي يسيّر عليها مصيره بما يملك منه، وما به يتعلم ويسد حاجاته، ويسعى لتحقيق أهدافه وغاياته.
3-5-أ-(4) – تتجلى فيه فاعليّة الإنسان الحرّ: إنه موقف يتيح لكل إنسان مساحة لممارسة حقوقه وحرّيّاته، وسلطة تسائله وتجزيه على إخفاقاته ونجاحاته، ومعايير ومقاييس لتقويم عمله وسعيه واجتهاده من حيث الخير والشر، والهدى والضلال، والإيمان والكفر، والصواب والخطأ، والطاعة والمعصية، والتقدّم والتأخّر.
3-5-أ-(5)- تتبلور فيه فرادة الإنسان في مواجهة الحياة: إنه موقف يظهر فيه كيف يواجه كل منّا مشكلاته، ويقوم بمهماته، ويؤدي واجباته؛ ويتبيّن فيه ما يحسن أو يسيء في استخدام قدراته وأهلياته وإمكاناته حيث تبدو فاعليّته مقارنةً بمفعوليّته، وتتجلى فيه فرادته واستجابته وسلوكيّته حيث يتحقق مستواه ودرجته، ورتبته ومنزلته بالنسبة إلى الآخرين، ويتضح ما يختلف ويتفاوت ويتباين ويتنافر فيه مع غيره، وما يتناغم وينسجم ويتوافق ويتعاون فيه مع سواه.
3-5-أ-(6)- يلتقي فيه عظم الاختبار وخطورة البلاء: إنه موقف يتجلّى فيه ضخامة ما ألقى الله على كاهل الإنسان من تكاليف جسيمة خاصة به، يختبره بها في إطار علمه بوسعه وأهليّته وتفرّده بين غيره مما خلق، كما يتبلور فيه أيضًا خطورة البلاء المتوجّب على الإنسان نفسه في تلك التكاليف ليستمرّ في القيام بأوزار الخلافة وأعبائها ومهامها ومتطلباتها، ما ظلّت أسباب الحياة متوافرة لها… إنه كل هذا وذاك وما إليهما. فأي بلاء ينبغي للإنسان أن يستجيب به، في هذا الموقف الفريد من نوعه، لابتلائه بخلافة الأرض؟
3-5- ب – الابتلاء يحضّ الإنسان على البلاء الحسن: بالرجوع إلى آيات الابتلاء.. والتمعّن فيها، نقع في بعضها على عبر ودروس وعظات، بل نماذج من البلاء الحسن أو العمل الصالح أو الصنع الجميل أو القيمة العليا، قد أبلاها أنبياء الله إذ استجابوا بها في ما ابتلاهم أو اختبرهم به، عاملين بطاعته، ممتثلين لأمره، منتهين بنهيه، حامدين شاكرين له فضله، ساعين لرضاه؛ إنها نماذج سرعان ما يتلقّفها صاحب العقل السليم لعظم شأنها ومكانتها وأهميتها وصوابيتها، لكي يحتذي بها في حياته وقد جعلها ضابطة لسلوكيّته، ومغنية لأهلية شخصيّته. من هذه النماذج، نذكر بلاء النبي إبراهيم في ما ابتلاه الله “بكلمات أتمهن” حيث يمكننا أن نتعلّم منه، ونحذو حذوه في وجوب القيام بما نكلّف أو نبتلى به، وقد قبلناه ورضينا به، على نحو تامّ من الإكمال والإتقان والإحسان؛ كما نجد أنفسنا أمام مثال فاذّ في التضحية، وفي الصدق والإخلاص والثبات والرسوخ في الإيمان، وفي الطاعة والتجلّد والصبر والشجاعة؛ هذا المثال تجسّد في البلاء الذي تحقق للنبيّين إبراهيم وإسماعيل، والذي وصفه ربّ العالمين بـ “البلاء المبين” على أثر ابتلائه النبيّ إبراهيم برؤياه في منامه بذبح ابنه إسماعيل، إذ استجاب لرؤياه مضحيًّا بولده، صادقًا مخلصًا ثابتًا راسخًا في إيمانه، وإذ استجاب النبي اسماعيل لرؤيا والده وتجسّد بلاؤه طاعةً وصبرًا وتجلّدًا وشجاعة وإيمانًا. ومن النماذج التي تحتذى أيضًا، ما أثر عن النبي سليمان الذي امتحنه الله بصحته لهفوة وقع فيها أو لشيء لم يرده الله له، فاستجاب ببلاء جميل إذ تاب إلى ربّه وأناب، ما يجعلنا أمام مثال رائع في تعلّم فضيلة الرجوع عن الخطأ…
هذا غيض من فيض البلاءات الحسنة المتحققة على أيدي أنبياء الله، استجابة وأداء جميلاً في ابتلاءات لهم من ربّ العالمين بأمور ذات شأن عظيم في حياة الناس… أما في الابتلاءات – الاختبارات التي برسم البشر، والتي تستدعي منهم تحقيق البلاءات الحسنة في مواضيعها فهي كثيرة وكثيرة جدًّا. إنها قائمة دائمة دوام الحياة نفسها. إنها تدفع الإنسان إلى الإقبال، والانخراط فيها؛ وتنبّهه إلى البلاء الحسن الذي تحضه عليه، وإلى البلاء السيّئ الذي تحذّره منه. فمن الناحية الدينية، خلق الله الإنسان حاسًّا واسعًا عاقلاً، من “نطفة أمشاج” يبتليه بالحياة كلّها. وبما أنّ الابتلاء بها مجزيّ، بمعنى أنه بوسعه وقبوله وحريّته ومسؤوليته، فيتوقّع أن يبلي فيها بلاءً حسنًا، أو، على الأقل، يسعى إلى البلاء الحسن في طاعة الله ورسوله لكثرة ما قرن الله العمل الصالح بالإيمان في العديد من الآيات حيث تصدّرتها عبارة “يا أيّها الذين آمنوا وعملوا الصالحات”. وأي حضّ أوضح وأفصح وأبلغ وأبعث على البلاء الحسن أو العمل الصالح أو الصنع الجميل في إطار أوامر الله ونواهيه وأحكامه، مما جاء في الكثير من آيات الابتلاء حيث خلق الله تعالى “السماوات والأرض”، و”الموت والحياة” و”زينة الأرض” ليختبر الناس أيّهم “أحسن عملا”؟!ّ وهل من حضّ أكبر وأشدّ تقديرًا وتثمينًا وتكريمًا لصانع العمل الحسن الصالح النافع الجميل الذي من أجله كان كل هذا الخلق؟! وماذا يكون هذا الأداء إن لم يكن بلاءً حسنًا في الاختبارات المعنية؟! وعندما نقرأ ونفهم في بعض الآيات أن الله، وهو “العليم بذات الصدور” و”المحيط بكل شيء علمًا”، يختبر الناس ليعرف الإيجابيين منهم الذين يعملون وسعهم ليفلحوا في ما يختبرون به، من قبيل المجاهدين والصابرين والمؤمنين والصادقين والمتقين ومستبقي الخيرات والمطيعين والحامدين والشاكرين (…) وليعرف منهم أيضًا السلبيّين الذين ينفرون من الدعوة، ويسيئون في ما يمتحون به من قبيل القاعدين عند الجهاد، واللاجّين المتشكّين، والكافرين والمشركين والمنافقين والظالمين ومقترفي الآثام والشرور، والعاصين والجاحدين والساخطين، عندما نقرأ ونفهم كل ذلك، فإننا نقرأ ونفهم أيضًا أن نهمل هؤلاء السلبيّين، ونبتعد عنهم ونمقت قيمهم، ساعين إلى تجنّب شرورهم، وإلى إصلاحهم بالتي هي أحسن؛ كما نقرأ ونفهم أيضًا أن علينا الاحتذاء بأولئك الإيجابيين، ونعمل بقيمهم، ونتخذهم قدوة حسنة، ساعين لنبلي بلاءهم، ونتعلّم علمهم، ونتخلّق بأخلاقهم. وعندما جعل الله الناس خلائف للأمم السابقة، ورفع بعضهم فوق بعض، ليختبرهم في ما آتاهم من وسع وعلم وعقل ودين، فإنه لا يحضّهم في ذلك على اقل من البلاء الحسن. وعندما يخبرنا الله بأن أموالنا وأولادنا هم امتحان لنا، فإنه لا يدعونا إلى أقل من البلاء الحسن أيضًا في حسن تربية أولادنا، وحسن تدبير وإدارة أموالنا.
فالابتلاء الذي يحضّ الإنسان على الخوض فيه بحريّته، والبلاء الذي يعبّر عن استجابته لهذا الحضّ، وأدائه فيه، يجملان حياته بكل تلاوينها وأنماطها وأشكالها وخيراتها ومسارّها وشرورها ومكارهها في عالم الشهادة. وفي هذا السياق، يبدوان ويتجليّان في دافعين أصيلين لخليفة الله في الأرض، يستثيرانه ويستفزان أهليّته للفعل الصالح والاجتهاد الناجع، والإبداع الخيّر، في حال تمكّنه من الإمساك بعجلة الحياة الكريمة التي يستحقها… ولعلّنا الآن بالغون ما أفضى ويفضي إليه ابتلاء الإنسان بخلافة الأرض، وبلاؤه في الخوض فيها، استجابة وأداء وبقبول منه. فعلامَ ينطوي هذا الترّجي؟



