مقالات

الجهل عامود اللاوطن!

ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”..

 

خطر ببالي أن أبحث عن معنى قولٍ نُسب الى العالم للمُتصوّف محمد بن عبد الجبار  النفري: كلّما اتّسعت الرؤيا ضاقت العبارة.

فصادفتُ أقوال عدّة أخذتني إلى خلاصة، بأن المعرفة الحقّة لا تكتمل إلا بالعمل. فهل يعقُل أن يكون وحسب مقولة النفّري: الجهل عمود الطمأنينة؟ نعم، ففي حالة الجهل (والتي لا تكتمل المعرفة عندها)، يبتعد المرء عن العمل، حيث لا يمكنه تحصيل المعرفة الحقّة، وهذا هو الجهل عينه.

لكنّ المُفارقة بأن الطمأنينة هي حالة يُنتجها العنصر العاقل (الفرح)، من عائلة المشاعر الخمسة (الفرح/ الغضب/ الحزن/الخوف/ القرف)، ومن الطبيعي أن تكون الطمأنينة مرافقة للجهل، فلا علاقة لها بحالة الدماغ البشري، فهذه الحالة بغضّ النظر عن أي شعور تنتُج، مصدرها قلب الإنسان.  فالجاهل يُدعى “جاهلاً”، بفعل مُقارنة مع من يعلم أكثر منه. كما في المثل الشعبي: “الأعور بين العميان مفتّح”. فالجاهل هو عالم بأشياء لا يعلمها غيره أجهل منه.

ولكن لماذا هذه المُقدّمة؟ وانا أحبّ كتابة المقالات ببساطة وبسهولة تصل إلى القارئ كي لا يملّ من القراءة. لكنّي أربط مقصدي دائمًا بمراجع فلسفيّة أو علميّة.

فلا أتحدّث عن فئة تشاركني المواطنة في بلدي المتعدّد الثقافات (كي لا أقول الهويّات). فأنا أؤمن بأن هويتنا الواحدة تتناتشها الجهات الخارجية لتصنع منها “هويّات قاتلة”. كيف يمكن لفئة أن تعلن على وسائل التواصل الإجتماعي بصيغة “الإجماع على الرئيس”، وهم يعلمون بأن لا إجماع عليه؟ هل الغارقون بالجهل أم الساعون للمعرفة يشعرون بالطمأنينة تجاه شخصيّة لا إجماع عليها؟ وهل هذا الإجماع ضرورة للوصول إلى الطمأنينة؟ لا ليس الإجماع ضرورة للطمأنينة.

فبحسب النفّري: إن الجهل هو مصدر الطمأنينة، والطمأنينة موضعها القلب، ولكن ما الحال في الذين يعتبرون أنفسهم عقلانيين؟ ألا يشعرون بالطمأنينة؟ المسار الأقوى والأكثر ديمومة للطمأنينة هو “العقل”، الذي يعمل ويخوض التجارب لكي تُطبّق نظرية المعرفة تنمو مع العمل. لست مخترع لنظريات، فقد قال أحدهم: من لا يعمل لا يُخطئ. والمقولة الشعبية التي صمّت أذاننا صغارًا: من جدّ وجد، ومن زرع حصد.

وأستغرب تمامًا من طبقة تُعتبر مُثقّفة أن تكون مُتيقّنة من أن الخلاص في لبنان لمحاربة “فساد”، ستكون على يد فئة واحدة من فئات الوطن، ومعلومٌ بأن هذه الفئة قد شاركت بالسلطة لا بل لعبت دورًا أساسًا.

وبمنحى آخر، فإن المعرفة هي مفهوم مُستقلّ غير قيمي. نعم فعلميًّا أعلى نسبة ذكاء يصل إليها الإنسان وهو في سنّ المراهقة، ولكن لحكمة يعلمها الله منحها لهذه الفئة العمرية التي لا تملك التجربة بعد. ولو استخدمت الناحية السلبية في التفكير، فإن السبب يعود لفكرة سيطرة الشرّ على عقول المراهقين حيث يميلوا إلى تخريب العالم وذلك للنزعة السلبية التي قد تتحكّم بسلوكهم جرّاء بيئة سلبية قد يكونوا ترعرعوا في كنفها. حيث أن المراهق مختلف الإهتمامات عن البشر، لذا دائمًا ما يشعر بأنه غير مفهوم من أحد وغير مُقدّر من أهله.

ولسبب بسيط وهو تغيّر بيولوجي يمرّ به الإنسان في إحدى مراحل عمره. وردّة فعل “المراهق” مُبرّرة لعدم اكتمال النضج، ولكن ما الحال عند نفور الأهل منه وعدم استيعابه واحتضانه؟ أن الوعي مطلوب دائمًا لكي يُبنى جسرٌ بين الجيلين. فمصطلح “مراهقة” (ولا أود البحث لغويًّا عنه)، لكن تربويًا فهو حالة يمرّ بها الشخص الذي يشعر بأنه على صواب مُطلق ولا مجال لوجود خطأ عنده. وبالتالي فإن من يكوّن المعرفة بالعمل والجدّ لا يُعتبر مراهقًا. يبقى أن نضيف لعمله قيمة أساسية هي “خير الإنسان”.

والإنسان في لبنان تطال كافة اللبنانيين، فلا يجوز لفئة أن تدّعي معرفة مصلحة لبنان أكثر من غيرها، لا بل تُخطئ غيرها وتتهمه بأفظع التُهم. فلتتّسع الرؤيا عندنا بدايةً لنرى كلّ مكوّنات الوطن في دائرة الوطن، ولنضيّق العبارة التي تشتم الآخر.وحينها نكسر عامود الطمأنينة.. الجهل.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى